لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ دَآئِبَيۡنِۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ} (33)

وفي الظاهر رفعَ السماءَ فأعلاها ، والأرض من تحتها دحاها ، وخلقَ فيها بحاراً ، وأجرى أنهاراً ، وأنبت أشجاراً ، وأثبت لها أنوار وأزهاراً ، وأمطر من السماء ماء مدراراً . وأخرج من الثمرات أصنافاً ، ونوَّع لها أوصافاً ، وأفرد لكلِّ منها طعماً مخصوصاً ، ولإدراكه وقتاً معلوماً .

وأمَّا في الباطن فسماءُ القلوب زَيَّنَها بمصابيح العقول ، وأطلع فيها شمس التوحيد ، وقمر العرفان . ومَرج في القلوب بحري الخوف والرجاء ، وجعل بينهما برزخاً لا يبغيان ؛ فلا الخوف يقلب الرجاء ولا الرجاء يقلب الخوف ، كما جاز في الخبر : " لو وزنا لاعتدلا " - هذا لعوام المؤمنين ، فأمَّا للخواص فالقبض والبسط ، ولخاص الخاص فالهيبة والأُنس والبقاء والفناء .

وسَخَّر لهم الفُلْكَ في هذه البحار ليعبروها بالسلامة ، وهي فلك التوفيق والعصمة ، وسفينة الأنوار والحفظ . وكذلك ليالي الطلب للمريدين ، وليالي الطرب لأهل الأُنْس من المحبين ، وليالي الحرب للتائبين ، وكذلك نهار العارفين باستغنائهم عن سراج العلم عند متوع نهار اليقين .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ دَآئِبَيۡنِۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ} (33)

{ وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ } لا يفتران ، ولا ينيان ، يسعيان لمصالحكم ، من حساب أزمنتكم ومصالح أبدانكم ، وحيواناتكم ، وزروعكم ، وثماركم ، { وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ } لتسكنوا فيه { وَالنَّهَارِ } مبصرا لتبتغوا من فضله .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ دَآئِبَيۡنِۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ} (33)

قوله : ( وسخر لكم الشمس والقمر دائبين ) ( دائبين ) ، منصوب على الحال من الشمس والقمر . وذلك تغليبا للقمر على الشمس ؛ لأن القمر مذكر ، والشمس مؤنثة ، وإذا اجتمع المذكر والمؤنث غلِّب جانب المذكر على جانب المؤنث{[2405]} . وقوله : ( دائبين ) يعني دائمين في الحركة والجريان لا يفتران ، من الدؤوب ، بضم الدال ، والدأب معناه العادة والشأن{[2406]} ؛ أي ذلل الله هذين الجرمين الهائلين لمنافع الناس وتحقيق معاشهم وجعلها دائمين في الحركة لا يفتران حتى نزول هذه الدنيا .

قوله : ( وسخر لكم الليل والنهار ) أي جعلهما يتعاقبان لسباتكم ومعاشكم . في الليل يهجع الناس ويرقدون ؛ فتستريح أبدانهم وأعصابهم وأذهانهم بعد عناء النهار وما فيه من مكابدة ونصب .

وفي النهار يفيقون من هجعتهم ؛ ليبادروا الكد والكدح والبذل والسعي وهم يبتغون من فضل الله ، وليؤدوا ما عليهم من واجبات كعبادة الله وطاعته وأداء حقوق الناس التي في ذممهم كالإنفاق والزكاة وبر الوالدين وصلة الأرحام وإيتاء ذي القربى ، والاضطلاع بوجائب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ودعوة البشرية إلى دين الله وترغبيهم في منهج الله الحق وهو الإسلام .


[2405]:- البيان لابن الأنباري جـ 2 ص 59.
[2406]:- المعجم الوسيط جـ 1 ص 267.