في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِلزَّكَوٰةِ فَٰعِلُونَ} (4)

2

( والذين هم للزكاة فاعلون ) . . بعد إقبالهم على الله ، وانصرافهم عن اللغو في الحياة . . والزكاة طهارة للقلب والمال : طهارة للقلب من الشح ، واستعلاء على حب الذات ، وانتصار على وسوسة الشيطان بالفقر ، وثقة بما عند الله من العوض والجزاء . وطهارة للمال تجعل ما بقي منه بعدها طيبا حلالا ، لا يتعلق به حق - إلا في حالات الضرورة - ولا تحوم حوله شبهة . وهي صيانة للجماعة من الخلل الذي ينشئه العوز في جانب والترف في جانب ، فهي تأمين اجتماعي للأفراد جميعا ، وهي ضمان اجتماعي للعاجزين ، وهي وقاية للجماعة كلها من التفكك والانحلال .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِلزَّكَوٰةِ فَٰعِلُونَ} (4)

{ والذين هُمْ للزكواة فاعلون } الظاهر أن المراد بالزكاة المعنى المصدري أعني التزكية لأنه الذي يتعلق به فعلهم ، وأما المعنى الثاني وهو القدر الذي يخرجه المزكي فلا يكون نفسه مفعولاً لهم فلا بد إذا أريد من تقدير مضاف أي لأداء الزكاة فاعلون أو تضمين { فاعلون } معنى مؤدون وبذلك فسره التبريزي إلا أنه تعقب بأنه لا يقال فعلت الزكاة أي أديتها ، وإذا أريد المعنى الأول أدى وصفهم بفعل التزكية إلى أداء العين بطريق الكناية التي هي أبلغ ، وهذا أحد الوجوه للعدول عن والذين يزكون إلى ما في «النظم الكريم » .

وجميع ما مر آنفاً في بيان أبلغية { والذين هُمْ عَنِ اللغو مُّعْرِضُونَ } [ المؤمنون : 3 ] من والذين لا يلهون جار هنا سوى الوجه الخامس اتفاقاً والرابع عند بعض لأن المقدم متعلق تعلق الجار والمجرور بما بعده كيف واللام زائدة لتقوية العمل من وجهين ، تقديم المعمول ، وكون العامل اسماً .

وقال بعض آخر : يمكن جريان مثله حيث قدم المعمول مع ضعف عامله لا للتخصيص بل لكونه مصب الفائدة ، ويجوز اعتبار التخصيص الإضافي أيضاً بالنسبة إلى الإنفاق فيما لا يليق ، ووصفهم بذلك بعد وصفهم بالخشوع في الصلاة للدلالة على أنهم لم يألوا جهداً بالعبادة البدنية والمالية ، وتوسيط حديث الإعراض بينهما لكمال ملابسته بالخشوع في الصلاة وإلا فأكثر ما تذكر هاتان العبادتان في القرآن معاً بلا فاصل .

وعن أبي مسلم أن الزكاة هنا بمعنى العمل الصالح كما في قوله تعالى : { خَيْراً مّنْهُ زكواة } [ الكهف : 81 ] واختار الراغب أن الزكاة بمعنى الطهارة واللام للتعليل ، والمعنى والذين يفعلون ما يفعلون من العبادة ليزكيهم الله تعالى أو ليزكوا أنفسهم ، ونقل نحوه الطيبي عن صاحب الكشف فقال : قال صاحب الكشف : معنى الآية الذين هم لأجل الطهارة وتزكية النفس عاملون الخير ، ويرشد إلى ذلك قوله تعالى : { قَدْ أَفْلَحَ مَن تزكى وَذَكَرَ اسم رَبّهِ فصلى } [ الأعلى : 14 ، 15 ] { َقَدْ أَفْلَحَ * مَن زكاها } [ الشمس : 9 ] فإن القرآن يفسر بعضه بعضاً ولا ينبغي أن يعدل عن تفسير بعضه ببعض ما أمكن ، وقال بعض الأجلة : إن اقتران ذلك بالصلاة ينادي على أن المراد وصفهم بأداء الزكاة الذي هو عبادة مالية ، وتنظير ما نحن فيه بالآيتين بعيد لأنهما ليستا من هذا القبيل في شيء ، وربما يقال : الفصل بينهما يشعر بما اختاره الراغب ومن حذا حذوه ، وأيضاً كون السورة مكية والزكاة فرضت بالمدينة يؤيده لئلا يحتاج إلى التأويل بما مر فتدبر .

وأياً ما كان فالآية في أعلى مراتب الفصاحة والبلاغة ، وقول بعض زنادقة الأعاجم الذين جرموا ذوق العربية : ألا قيل مؤدون بدل { فاعلون } من محض الجهل والحماقة التي أعيت من يداويها فإنه لو فرض أن القرآن وحاشا لله سبحانه كلام النبي صلى الله عليه وسلم فهو عليه الصلاة والسلام الذي مخضت له الفصاحة زبدها وأعطته البلاغة مقودها وكان صلى الله عليه وسلم بين مصاقع نقاد لم يألوا جهداً في طلب طعن ليستريحوا به من طعن الصعاد ، وقد جاء نظير ذلك في كلام أمية بن أبي الصلت قال

: المطعمون الطعام في السنة *** الأزمة والفاعلون للزكوات

ولم يرد عليه أحد من فصحاء العرب ولا أعابوه ، واختار الزمخشري في هذا حمل الزكاة على العين وتقدير المضاف دون الآية ، وعلل بجمعها وهو إنما يكون للعين دون المصدر . وتعقب بأنه قد جاء كثير من المصادر مجموعة كالظنون والعلوم والحلوم والأشغال وغير ذلك ، وهي إذا اختلف فالأكثرون على جواز جمعها وقد اختلفت ههنا بحسب متعلقاتها فإن أخراج النقد غير إخراج الحيوان وإخراج الحيوان غير إخراج النبات فليحفظ .

ومن باب الإشارة : { والذين هُمْ للزكواة فاعلون } هي تزكية النفس عن الأخلاق الذميمة .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِلزَّكَوٰةِ فَٰعِلُونَ} (4)

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره: والذين هم لزكاة أموالهم التي فرضها الله عليهم فيها مؤدّون، وفعلهم الذي وصفوا به هو أداؤهموها.

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

تحتمل الزكاة الزكاةَ التي بها تزكوا أنفسهم عند الله، وجائز أن تكون الزكاة المعروفة المعهودة، أخبر أنهم فاعلون ذلك مؤدون.

التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :

"والذين هم للزكاة فاعلون" أي يؤدون ما يجب عليهم في أموالهم من الصدقات،وسميت زكاة، لأنه يزكو بها المال عاجلا وآجلا.

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

ذهب الطبري وغيره إلى أنها الزكاة المفروضة في الأموال، وهذا بيِّن، ويحتمل اللفظ أن يريد ب «الزكاة» الفضائل كأنه أراد الأزكى من كل فعل، كما قال تعالى {خيراً منه زكاة وأقرب رحماً} [الكهف: 81].

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

وفي الزكاة قولان:

أحدهما: قول أبي مسلم: أن فعل الزكاة يقع على كل فعل محمود مرضي، كقوله: {قد أفلح من تزكى}... ومن جملته ما يخرج من حق المال، وإنما سمى بذلك لأنها تطهر من الذنوب لقوله تعالى: {تطهرهم وتزكيهم بها}.

والثاني: وهو قول الأكثرين أنه الحق الواجب في الأموال خاصة، وهذا هو الأقرب.

مدارك التنزيل وحقائق التأويل للنسفي 710 هـ :

ولفظ {فاعلون} يدل على المداومة بخلاف «مؤدون».

تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :

الأكثرون على أن المراد بالزكاة هاهنا زكاة الأموال، مع أن هذه [الآية] مكية، وإنما فرضت الزكاة بالمدينة في سنة اثنتين من الهجرة. والظاهر أن التي فرضت بالمدينة إنما هي ذات النَّصب والمقادير الخاصة، وإلا فالظاهر أن أصل الزكاة كان واجبًا بمكة، كما قال تعالى في سورة الأنعام، وهي مكية: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حصَادِهِ} [الأنعام: 141]. وقد يحتمل أن يكون المراد بالزكاة هاهنا: زكاة النفس من الشرك والدنس، كقوله: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا. وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس: 9، 10]، وكقوله: {وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ. الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} [فصلت: 6، 7]، على أحد القولين في تفسيرها. وقد يحتمل أن يكون كلا الأمرين مرادا، وهو زكاة النفوس وزكاة الأموال؛ فإنه من جملة زكاة النفوس، والمؤمن الكامل هو الذي يتعاطى هذا وهذا، والله أعلم.

إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم لأبي السعود 982 هـ :

{والذين هُمْ للزكاة فاعلون} وصفهم بذلك بعد وصفهم بالخشوع في الصَّلاة للدِّلالة على أنَّهم بلغوا الغاية القاصية من القيام بالطَّاعات البدنيَّةِ والماليَّةِ والتَّجنبِ عن المحرَّمات وسائرِ ما تُوجب المروءةُ اجتنابَه. وتوسيطُ حديث الإعراضِ بينهما لكمال مُلابسته بالخشوع في الصَّلاةِ.

محاسن التأويل للقاسمي 1332 هـ :

أي للتجرد عن رذيلة البخل.

تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :

أي مؤدون لزكاة أموالهم، على اختلاف أجناس الأموال، مزكين لأنفسهم من أدناس الأخلاق ومساوئ الأعمال التي تزكو النفس بتركها وتجنبها، فأحسنوا في عبادة الخالق، في الخشوع في الصلاة، وأحسنوا إلى خلقه بأداء الزكاة.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

بعد إقبالهم على الله، وانصرافهم عن اللغو في الحياة.. والزكاة طهارة للقلب والمال: طهارة للقلب من الشح، واستعلاء على حب الذات، وانتصار على وسوسة الشيطان بالفقر، وثقة بما عند الله من العوض والجزاء. وطهارة للمال تجعل ما بقي منه بعدها طيبا حلالا، لا يتعلق به حق -إلا في حالات الضرورة- ولا تحوم حوله شبهة. وهي صيانة للجماعة من الخلل الذي ينشئه العوز في جانب والترف في جانب، فهي تأمين اجتماعي للأفراد جميعا، وهي ضمان اجتماعي للعاجزين، وهي وقاية للجماعة كلها من التفكك والانحلال.

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

أصل الزكاة أنها اسم مصدر (زكَّى) المشدّد، إذا طهَّرَ النفس من المذمات. ثم أطلقت على إنفاق المال لوجه الله مجازاً، لأن القصد من ذلك المال تزكية النفس أو لأن ذلك يزيد في مال المعطي، فأطلق اسم المُسَبَّب على السبب. وأصله قوله تعالى: {خُذْ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها} [التوبة: 103]، وأطلقت على نفس المال المنفَق من إطلاق اسم المصدر على المفعول لأنه حاصل به وهو المتعين هنا بقرينة تعليقه ب {فاعلون} المقتضي أن الزكاة مفعول...

والمراد بالفعل هنا الفعل المناسب لهذا المفعول وهو الإيتاء، فهو كقوله {ويؤتون الزكاة} [المائدة: 55] فلا حاجة إلى تقدير أداء الزكاة.

وإنما أوثر هنا الاسم الأعمّ وهو {فاعلون} لأن مادة (ف ع ل) مشتهرة في إسداء المعروف...

وعقب ذكر الصلاة بذكر الزكاة لكثرة التآخي بينهما في آيات القرآن...

التيسير في أحاديث التفسير للمكي الناصري 1415 هـ :

ووصف كتاب الله العلامة الثالثة التي تميز المؤمنين المفلحين فقال: {والذين هم للزكاة فاعلون}، إشارة إلى أنهم لا يعرفون الشح والبخل، ولا يتأخرون عن إسعاف المحتاجين من إخوتهم في الدين أو إخوتهم في الإنسانية، بل يجودون بالموجود على كل محتاج في هذا الوجود، إيمانا منهم بأن المال مال الله، وأن أحب الخلق إلى الله أنفعهم لعياله، وهذا المعنى يؤكده قوله تعالى في آية أخرى: {ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون} [الحشر: 9]. وكلمة "الزكاة "هنا واردة بمعناها الشرعي المفهوم في الإسلام، وهو الحق الواجب في المال بمختلف أنواعه، فقد كانت من الفرائض الأولى التي شرع أصلها بمكة ونزل بها الوحي في السور المكية، كما في هذه السورة وسورة الأنعام المكية أيضا، إذ قال تعالى في شأن الزكاة: {كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده} [الآية: 141]. لكن إخراجها في العهد المكي كان موكولا إلى إيمان المومن وضميره الحي كيف شاء وبأي قدر شاء، فلما نزلت الآية المدنية، وقامت الدولة الإسلامية، وقع تحديد مقاديرها وأنصبتها وشروطها والجهات التي تصرف إليها في السنة الثانية من الهجرة، وأصبحت موردا من الموارد العامة لبيت مال المسلمين، وحقا ثابتا للمعسرين في ذمة الموسرين...

تفسير الشعراوي 1419 هـ :

الزكاة أولا تطلق على معنى التطهير، كما جاء في قول الحق تبارك وتعالى: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها (103)} [التوبة]: لأن الغفلة قد تصيب الإنسان حال جمع المال، فيخالط ماله ما فيه شبهة مثلا، فيحتاج إلى تطهير، وتطهير المال يكون بالصدقة منه. والزكاة بمعنى النماء، فبعد أن تطهر المال تنميه وتزيده، كما جاء في قوله تعالى: {قد أفلح من زكاها (9)} [الشمس]: يعني: نمى ملكة الخير فيها، ورقاها وصعدها بأن ينظر إلى العمل إن كان سينقص منك في الظاهر، إلا أنه سيجلب لك الخير فيما بعد، فترتقي بذلك ملكات الخير في نفسك... وكما أمرنا ربنا- تبارك وتعالى- بالخشوع في الصلاة أمرنا كذلك في الزكاة، فلم يقل: مؤدون. ولكن {فاعلون} وهذه من تربية مقامات العبادة في الإنسان، فأنت حين تصلي ينبغي أن تخشع وتخضع في صلاتك لله، وكذلك حين تزكي ترقي ملكة الخير في نفسك، فحين تعمل وتسعى لا تعمل على قدر حاجتك، وإنما على قدر طاقتك، فتأخذ من ثمرة سعيك حاجتك، وفي نيتك أن تخرج من الباقي زكاة مالك وصدقتك، فالزكاة- إذن- في بالك وفي نيتك بداية.

تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :

لأنهم يعيشون الإحساس بالمسؤولية أمام حالات حرمان الناس المادي في الواقع، ويشعرون بأن المال الذي يملكونه ليس امتيازاً خاصاً يعيشونه بشكل أناني، بل يمثل مسؤولية إنسانية في العطاء الذي يتضمن معنى العبادة لله، كونه تقرباً به إليه عبر رعاية المحرومين من عباده.. وبذلك، كانت الزكاة في التشريع وسيلة من وسائل تعميق المعنى الإنساني في شخصية المؤمنين، من أجل أن يرتبطوا عضوياً بحياة الآخرين من موقع الواجب، لا من موقع التفضل، ما يجعل للتكافل الاجتماعي في الإسلام ركيزة قوية ثابتة ممتدة ذات معنى إيماني عميق في شخصية المؤمن.

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

ما يراه بعض المفسّرين أمثال الفخر الرازي والآلوسي في «روح المعاني» والراغب الاصفهاني في مفرداته من أنّ الزكاة هنا تعني عمل الخير أو تزكية المال أو تطهير الروح، فبعيد، لأنّ القرآن المجيد كلّما ذكر الصلاة مع الزكاة يقصد بالزكاة الإنفاق المالي، ولو فسّرناه بغير هذا، فذلك يحتاج إلى قرينة واضحة لا توجد في هذه الآيات.