في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{فَلَمَّآ أَنۡ أَرَادَ أَن يَبۡطِشَ بِٱلَّذِي هُوَ عَدُوّٞ لَّهُمَا قَالَ يَٰمُوسَىٰٓ أَتُرِيدُ أَن تَقۡتُلَنِي كَمَا قَتَلۡتَ نَفۡسَۢا بِٱلۡأَمۡسِۖ إِن تُرِيدُ إِلَّآ أَن تَكُونَ جَبَّارٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلۡمُصۡلِحِينَ} (19)

ولكن الذي حدث أن موسى - بعد ذلك - انفعلت نفسه بالغيظ من القبطي ، فاندفع يريد أن يقضي عليه كما قضى على الأول بالأمس ! ولهذا الاندفاع دلالته على تلك السمة الانفعالية التي أشرنا إليها ، ولكن له دلالته من جانب آخر على مدى امتلاء نفس موسى - عليه السلام - بالغيظ من الظلم ، والنقمة على البغي ، والضيق بالأذى الواقع على بني إسرائيل ، والتوفز لرد العدوان الطاغي ، الطويل الأمد ، الذي يحتفر في القلب البشري مسارب من الغيظ وأخاديد .

( فلما أن أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما ، قال : يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس ? إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض ، وما تريد أن تكون من المصلحين ) . .

وإنه ليقع حينما يشتد الظلم ، ويفسد المجتمع ، وتختل الموازين ، ويخيم الظلام ، أن تضيق النفس الطيبة بالظلم الذي يشكل الأوضاع والقوانين والعرف ؛ ويفسد الفطرة العامة حتى ليرى الناس الظلم فلا يثورون عليه ، ويرون البغي فلا تجيش نفوسهم لدفعه ؛ بل يقع أن يصل فساد الفطرة إلى حد إنكار الناس على المظلوم أن يدفع عن نفسه ويقاوم ؛ ويسمون من يدفع عن نفسه أو غيره ( جبارا في الأرض )كما قال القبطي لموسى . ذلك أنهم ألفوا رؤية الطغيان يبطش وهم لا يتحركون . حتى وهموا أن هذا هو الأصل ، وأن هذا هو الفضل ، وأن هذا هو الأدب ، وأن هذا هو الخلق ! وأن هذا هو الصلاح ! فإذا رأوا مظلوما يدفع الظلم عن نفسه ، فيحطم السياج الذي أقامه الطغيان لحماية الأوضاع التي يقوم عليها . . إذا رأوا مظلوما يهب لتحطيم ذلك السياج المصطنع الباطل ولولوا ودهشوا ، وسموا هذا المظلوم الذي يدفع الظلم سفاكا أو جبارا ، وصبوا عليه لومهم ونقمتهم . ولم ينل الظالم الطاغي من نقمتهم ولومهم إلا القليل ! ولم يجدوا للمظلوم عذرا - حتى على فرض تهوره - من ضيقه بالظلم الثقيل !

ولقد طال الظلم ببني إسرائيل ، فضاقت به نفس موسى - عليه السلام - حتى رأيناه يندفع في المرة الأولى ويندم ، ثم يندفع في المرة الثانية لما ندم عليه حتى ليكاد يفعله ، ويهم أن يبطش بالذي هو عدو له ولقومه .

لذلك لم يتخل الله عنه ، بل رعاه ، واستجاب له ، فالله العليم بالنفوس يعلم أن للطاقة البشرية حدا في الاحتمال . وأن الظلم حين يشتد ، وتغلق أبواب النصفة ، يندفع المضطهد إلى الهجوم والاقتحام . فلم يهول في وصف الفعلة التي فعلها موسى ، كما تهول الجماعات البشرية التي مسخ الظلم فطرتها بإزاء مثل هذا العمل الفطري مهما تجاوز الحدود تحت الضغط والكظم والضيق .

وهذه هي العبرة التي تستشف من طريقة التعبير القرآنية عن الحادثتين وما تلاهما ، فهو لا يبرر الفعلة ولكنه كذلك لا يضخمها . ولعل وصفها بأنها ظلم للنفس إنما نشأ من اندفاع موسى بدافع العصبية القومية . وهو المختار ليكون رسول الله ، المصنوع على عين الله . . أو لعله كان لأنه استعجل الاشتباك بصنائع الطغيان ؛ والله يريد أن يكون الخلاص الشامل بالطريقة التي قضاها ، حيث لا تجدي تلك الاشتباكات الفردية الجانبية في تغيير الأوضاع . كما كف الله المسلمين في مكة عن الاشتباك حتى جاء الأوان .

ويبدو أن رائحة فاحت عن قتيل الأمس ، وأن شبهات تطايرت حول موسى . لما عرف عن كراهيته من قبل لطغيان فرعون وملئه ، إلى جانب ما يكون قد باح به صاحبه الإسرائيلي سرا بين قومه ، ثم تفشى بعد ذلك خارج بني إسرائيل .

نرجح هذا لأن قتل موسى لأحد رجال فرعون في معركة بينه وبين إسرائيلي في مثل هذه الظروف يعد حدثا مريحا لنفوس بني إسرائيل ، يشفى بعض غيظهم ، فيشيع عادة وتتناقله الألسنة في همس وفرح وتشف ، حتى يفشو ويتطاير هنا وهناك ، وبخاصة إذا عرف عن موسى من قبل نفرته من البغي ، وانتصاره للمظلومين .

فلما أراد موسى أن يبطش بالقبطي الثاني واجهه هذا بالتهمة ، لأنها عندئذ تجسمت له حقيقة ، وهو يراه يهم أن يبطش به ، وقال له تلك المقالة : ( أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس ? ) .

أما بقية عبارته : ( إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض وما تريد أن تكون من المصلحين ) . . فتلهم أن موسى كان قد اتخذ له في الحياة مسلكا يعرف به أنه رجل صالح مصلح ، لا يحب البغي والتجبر . فهذا القبطي يذكره بهذا ويوري به ؛ ويتهمه بأنه يخالف عما عرف عنه . يريد أن يكون جبارا لا مصلحا ، يقتل الناس بدلا من إصلاح ذات البين ، وتهدئة ثائرة الشر . وطريقة خطابه له وموضوع خطابه ، كلاهما يلهم أن موسى لم يكن إذ ذاك محسوبا من رجال فرعون . وإلا ما جرؤ المصري على خطابه بهذه اللهجة ، ولما كان هذا موضوع خطابه .

ولقد قال بعض المفسرين : إن هذا القول كان من الإسرائيلي لا من القبطي ، لأنه لما قال له موسى : ( إنك لغوي مبين ) ، ثم تقدم نحوه وهو غاضب ليبطش بالذي هو عدو لهما ، حسب الإسرائيلي أنه غاضب عليه هو ، وأنه يتقدم ليبطش به هو ، فقال مقالته ، وأذاع بالسر الذي يعرفه وحده . . وإنما حملهم على هذا القول أن ذلك السر كان مجهولا عند المصريين .

ولكن الأقرب أن يكون القبطي هو الذي قال ما قال . وقد عللنا شيوع ذلك السر . وأنها قد تكون فراسة أو حدسا من المصري بمساعدة الظروف المحيطة بالموضوع .

والظاهر أن موسى لم يقدم بعد إذ ذكره الرجل بفعلة الأمس ، وأن الرجل أفلت لينهي إلى الملأ من قوم فرعون أن موسى هو صاحبها . فهنا فجوة في السياق بعد المشهد السابق .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{فَلَمَّآ أَنۡ أَرَادَ أَن يَبۡطِشَ بِٱلَّذِي هُوَ عَدُوّٞ لَّهُمَا قَالَ يَٰمُوسَىٰٓ أَتُرِيدُ أَن تَقۡتُلَنِي كَمَا قَتَلۡتَ نَفۡسَۢا بِٱلۡأَمۡسِۖ إِن تُرِيدُ إِلَّآ أَن تَكُونَ جَبَّارٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلۡمُصۡلِحِينَ} (19)

{ فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَن يَبْطِشَ بالذي هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا } فإن الظاهر على ذاك به بدل الذي ؛ والبطش الأخذ بصولة وسطوة ، والتنوين في عدو للتفخيم أي عدو عظيم العداوة ولإرادة ذلك لم يضفه ، والمراد بالذي هو عدو لهما القبطي ، وقد كان القبط أعظم الناس عداوة لنبي إسرائيل وقيل : عداوته لهما لأنه لم يكن على دينهما ، وقرأ الحسن . وأبو جعفر { يَبْطِشَ } بضم الطاء .

{ قَالَ يَا موسى أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بالأمس } قاله الإسرائيلي الذي يستصرخه على ما روي عن ابن عباس وأكثر المفسرين وكأنه توهم إرادة البطش به دون القبطي من تسمية موسى عليه السلام إياه غويا ، وقال الحسن : قاله القبطي الذي هو عدو لهما كأنه توهم من قوله للإسرائيلي { إنك لغوى } [ القصص : 18 ] أنه الذي قتل القبطي بالأمس له ولا بعد فيه لأن ما ذكر إما إجمال لكلام يفهم منه ذلك أو لأن قوله ذلك لمظلوم انتصر به خلاف الظاهر فلا بعد للانتقال منه لذلك ، والذي في التوراة التي بأيدي اليهود اليوم ما هو صريح في أن هذين الرجلين كانا من بني إسرائيل ، وأما الرجلان اللذان رآهما بالأمس فأحدهما إسرائيلي والآخر مصري ، ووجه أمر العداوة على ذلك بأن هذا الذي أراد عليه السلام أن يبطش به كان ظالماً لمن استصرخه فيكون عدواً له وعاصياً لله تعالى فيكون عدواً لموسى عليه السلام ، ويحتمل أن تكون عداوته لهما لكونه مخالفاً لما هما عليه من الدين وإن كان إسرائيلياً وفيها أيضاً ما هو صريح في أن الظالم هو قائل ذلك .

وأنت تعلم أن هذه التوراة لا يلتفت إليهما فيما يكذب القرآن أو السنة الصحيحة وهي فيما عدا ذلك كسائر أخبار بني إسرائيل لا تصدق ولا تكذب . نعم قد يستأنس بها لبعض الأمور ثم إن ما فيها من قصة موسى عليه السلام مخالف لما قصه الله تعالى منها هنا ، وفي سائر المواضع زيادة ونقصاً وهو ظاهر لمن وقف عليها ، ولا يخفى الحكم في ذلك ، وقد خلت هنا عن ذكر مجيء مؤمن آل فرعون ونصحه لموسى عليه السلام وكذا عن ذكر ما يدل على قوله : { إِن تُرِيدُ } أي ما تريد { إِلاَّ أَن تَكُونَ جَبَّاراً في الارض } وهو الذي يفعل كل ما يريد من الضرب والقتل ولا ينظر في العواقب ، وقيل : المتعظم الذي لا يتواضع لأمر الله تعالى وأصله على ما قيل : النخلة الطويلة فاستعير لما ذكر إما باعتبار تعاليه المعنوي أو تعظمه .

وأخرج ابن المنذر عن الشعبي أنه قال : من قتل رجلين أي بغير حق فهو جبار ، ثم تلا هذه الآية ، وأخرج ابن أبي حاتم نحوه عن عكرمة { وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ المصلحين } بين الناس فتدفع التخاصم بالتي هي أحسن ، ولما قال هذا انتشر الحديث وارتقى إلى فرعون وملائه فهموا بقتل موسى عليه السلام فخرج مؤمن من آل فرعون هو ابن عم فرعون ليخبره بذلك وينصحه كما قال عز وجل : { وَجَاء رَجُلٌ مّنْ أَقْصَى المدينة يسعى } الآية .