في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{فَأَثَٰبَهُمُ ٱللَّهُ بِمَا قَالُواْ جَنَّـٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ وَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلۡمُحۡسِنِينَ} (85)

82

ولا يقف السياق القرآني هنا عند بيان من هم الذين يعنيهم بأنهم أقرب مودة للذين آمنوا من الذين قالوا إنا نصارى ؛ وعند بيان سلوكهم في مواجهة ما أنزل الله الى الرسول [ ص ] من الحق ؛ وفي اتخاذ موقف إيجابي صريح ، بالإيمان المعلن ، والانضمام إلى الصف المسلم ؛ والاستعداد لأداء الشهادة بالنفس والجهد والمال ؛ والدعاء إلى الله أن يقبلهم في الصف الشاهد لهذا الحق على هذا النحو ؛ مع الطمع في أن يختم لهم بالانضمام إلى موكب الصالحين . . لا يقف السياق القرآني عند هذا الحد في بيان أمر هؤلاء الذين يقرر أنهم أقرب مودة للذين آمنوا . بل يتابع خطاه لتكملة الصورة ، ورسم المصير الذي انتهوا إليه فعلا :

( فأثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء المحسنين )

لقد علم الله صدق قلوبهم وألسنتهم ؛ وصدق عزيمتهم على المضى في الطريق ؛ وصدق تصميمهم على أداء الشهادة لهذا الدين الجديد الذي دخلوا فيه ؛ ولهذا الصف المسلم الذي اختاروه ، واعتبارهم أن أداء هذه الشهادة - بكل تكاليفها في النفس والمال - منة يمن الله بها على من يشاء من عباده ؛ واعتبارهم كذلك أنه لم يعد لهم طريق يسلكونة إلا هذا الطريق الذي أعلنوا المضي فيه ؛ ورجاءهم في ربهم أن يدخلهم مع القوم الصالحين . .

لقد علم الله منهم هذا كله ؛ فقبل منهم قولهم وكتب لهم الجنة جزاء لهم ؛ وشهد لهم - سبحانه - بأنهم محسنون ، وأنه يجزيهم جزاء المحسنين : ( فأثابهم الله - بما قالوا - جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها . . وذلك جزاء المحسنين . . ) .

والإحسان أعلى درجات الإيمان والإسلام . . والله - جل جلاله - قد شهد لهذا الفريق من الناس أنه من المحسنين .

هو فريق خاص محدد الملامح هذا الذي يقول عنه القرآن الكريم : ( ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا : إنا نصارى ) . .

هو فريق لا يستكبر عن الحق حين يسمعه ، بل يستجيب له تلك الاستجابة العميقة الجاهرة الصريحة . وهو فريق لا يتردد في إعلان استجابته للإسلام ، والانضمام للصف المسلم ؛ والانضمام إليه بصفة خاصة في تكاليف هذه العقيدة ؛ وهي أداء الشهادة لها بالاستقامة عليها والجهاد لإقرارها وتمكينها وهو فريق علم الله منه صدق قوله فقبله في صفوف المحسنين . .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{فَأَثَٰبَهُمُ ٱللَّهُ بِمَا قَالُواْ جَنَّـٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ وَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلۡمُحۡسِنِينَ} (85)

قوله تعالى : { فأثابهم الله } ، أعطاهم الله .

قوله تعالى : { بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها } ، وإنما أنجح قولهم وعلق الثواب بالقول لاقترانه بالإخلاص ، بدليل قوله تعالى : { وذلك جزاء المحسنين } ، يعني : الموحدين المؤمنين ، وقوله من قبل : { ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق } ، يدل على أن الإخلاص والمعرفة بالقلب مع القول يكون إيماناً .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{فَأَثَٰبَهُمُ ٱللَّهُ بِمَا قَالُواْ جَنَّـٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ وَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلۡمُحۡسِنِينَ} (85)

ولما ذكر قولهم الدال على حسن اعتقادهم وجميل استعدادهم ، ذكر جزاءهم عليه فقال : { فأثابهم الله } أي الذي له جميع صفات الكمال { بما قالوا } أي جعل ثوابهم على هذا القول المستند إلى خلوص النية الناشئ عن{[27309]} حسن الطوية { جنات تجري } ولما كان{[27310]} الماء لو{[27311]} استغرق المكان{[27312]} أفسد ، أثبت الجار فقال : { من تحتها الأنهار } ولما كانت اللذة لا تكمل{[27313]} إلا بالدوام قال : { خالدين فيها } .

ولما كان التقدير : لإحسانهم ، طرد الأمر في غيرهم فقال : { وذلك } أي الجزاء العظيم { جزاء المحسنين * } أي كلهم ، واختلفوا في هذه الواقعة بعد اتفاقهم على أنها في النجاشي وأصحابه ، وذلك مبسوط في شرحي لنظمي للسيرة النبوية ، فمن ذلك أنه لما قدم جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه{[27314]} من مهاجرة الحبشة مع أصحابه رضي الله عنهم قدم معهم سبعون رجلاً بعثهم النجاشي رضي الله عنه{[27315]} وعن الجميع وفداً{[27316]} إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عليهم{[27317]} ثياب الصوف ، اثنان وستون من الحبشة ، وثمانية من أهل الشام ، وهم بحيرا الراهب وأبرهة وإدريس وأشرف وثمامة{[27318]} وقثم{[27319]} ودريد وأيمن ، فقرأ عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة يس إلى آخرها ، فبكوا{[27320]} حين سمعوا القرآن وآمنوا وقالوا : ما أشبه هذا بما كان ينزل على عيسى ! فأنزل الله فيهم هذه الآية{[27321]} { {[27322]} لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا{[27323]} اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا } [ المائدة : 82 ] - إلى آخرها ، ذكر ذلك{[27324]} الواحدي في أسباب النزول بغير سند ، ثم أسند عن سعيد بن جبير في قوله تعالى{[27325]} : { ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً } [ المائدة : 82 ] قال{[27326]} : بعث النجاشي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيار{[27327]} أصحابه ثلاثين{[27328]} رجلاً ، فقرأ عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يس فبكوا ، فنزلت فيهم هذه الآية . {[27329]} وإذا نظرت مكاتبات النبي صلى الله عليه وسلم للملوك ازددت بصيرة في صدق هذه الآية {[27330]} ، فإنه ما كاتب{[27331]} نصرانياً إلا آمن ، أو كان ليناً ولو لم يسلم كهرقل{[27332]} والمقوقس وهوذة{[27333]} بن علي وغيرهم ، وغايتهم أنهم ضنوا{[27334]} بملكهم ، وأما غير النصارى فإنهم كانوا على غاية الفظاظة ككسرى فإنه مزق كتابه صلى الله عليه وسلم ولم يجز رسوله بشيء ، وأما اليهود فكانوا جيران الأنصار ومواليهم وأحبابهم{[27335]} ، ومع ذلك فأحوالهم{[27336]} في العداوة{[27337]} غاية ، كما هو واضح في السير ، مبين جداً في شرحي لنظمي للسيرة ، وكان السر في ذلك - مع ما تقدم من باعث الزهد - أنه لما كان عيسى عليه السلام أقرب الأنبياء زمناً من زمن النبي صلى الله عليه وسلم كان المنتمون إليه ولو كانوا كفرة أقرب الأمم مودة لاتباع النبي صلى الله عليه وسلم ، {[27338]} وإلى ذلك يشير ما رواه الشيخان في الفضائل عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم{[27339]} قال : أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة ، الأنبياء أولاد{[27340]} علات - وفي رواية : أبناء ، وفي رواية{[27341]} : إخوة لعلات{[27342]} أمهاتهم شتى ودينهم واحد ، وليس بيني وبينه ، وفي رواية : وليس بيني وبين عيسى - نبي .

وفي رواية لمسلم : " أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الأولى والآخرة ، قالوا : كيف يا رسول الله ! قال : الأنبياء إخوة من علات{[27343]} ، أمهاتهم شتى ودينهم واحد ، فليس بيننا نبي " .


[27309]:من ظ، وفي الأصل: على.
[27310]:العبارة من هنا إلى " تحتها النهار" ساقطة من ظ.
[27311]:في الأصل: استعرف كان- كذا.
[27312]:في الأصل: استعرف كان- كذا.
[27313]:من ظ، وفي الأصل: لا تعمل.
[27314]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[27315]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[27316]:في ظ: وفد.
[27317]:زيد من ظ والبحر المحيط 4/3.
[27318]:من البحر، وفي الأصل و ظ: تمام.
[27319]:في ظ: قيم.
[27320]:في ظ: فيكون.
[27321]:في ظ: الآيات.
[27322]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[27323]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[27324]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[27325]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[27326]:في ظ: قاله.
[27327]:في ظ: أخبار.
[27328]:من ظ، وفي الأصل: ثلاثون.
[27329]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[27330]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[27331]:في ظ: كانت.
[27332]:في ظ: كبرقل- كذا.
[27333]:من تاج العروس، وفي الأصل: هودة.
[27334]:في ظ: حبسوا.
[27335]:سقط من ظ.
[27336]:في ظ: بالعداوة.
[27337]:في ظ: بالعداوة.
[27338]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[27339]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[27340]:في ظ: أولات.
[27341]:زيد بعده في ظ: أبناء.
[27342]:في ظ: العلات.
[27343]:زيدت الواو بعده في صحيح مسلم.