هذا القطاع بجملته يتناول قضية واحدة على تعدد الموضوعات التي يتعرض لها - ويدور كله حول محور واحد . . إنه يتناول قضية التشريع فيجعلها هي قضية الألوهية . . الله هو الذي يحرم ويحلل . . والله هو الذي يحظر ويبيح . . والله هو الذي ينهى ويأمر . . ثم تتساوى المسائل كلها عند هذه القاعدة . كبيرها وصغيرها . فشئون الحياة الإنسانية بجملتها يجب أن ترد إلى هذه القاعدة دون سواها .
والذي يدعي حق التشريع أو يزاوله ، فإنما يدعي حق الألوهية أو يزاوله . . وليس هذا الحق لأحد إلا لله . . وإلا فهو الاعتداء على حق الله وسلطانه وألوهيته . . والله لا يحب المعتدين . . والذي يستمد في شيء من هذا كله من عرف الناس ومقولاتهم ومصطلحاتهم ، فإنما يعدل عما أنزل الله إلى الرسول . . ويخرج بهذا العدول عن الإيمان بالله ويخرج من هذا الدين .
وتبدأ كل فقرة من فقرات هذا القطاع بنداء واحد مكرر : { يا أيها الذين آمنوا } . . { يا أيها الذين أمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا . . } . . { يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه . . } . . { يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم ليعلم الله من يخافه بالغيب . . } . . { يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم . . } . . { يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم . . } . . { يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم . . } . .
ولهذا النداء على هذا النحو مكانه ودلالته في سياق هذا القطاع الذي يعالج قضية التشريع فيجعلها هي قضية الألوهية وقضية الإيمان ، وقضية الدين . . إنه النداء بصفة الإيمان الذي معناه ومقتضاه الاعتراف بألوهية الله وحده ، والاعتراف له سبحانه بالحاكمية . . فهو نداء التذكير والتقرير لأصل الإيمان وقاعدته ؛ بهذه المناسبة الحاضرة في السياق . ومعه الأمر بطاعة الله وطاعة الرسول ؛ والتحذير من التولي والإعراض ؛ والتهديد بعقاب الله الشديد ، والإطماع في مغفرته ورحمته لمن أناب .
ثم . . بعد ذلك . . المفاصلة بين الذين آمنوا ومن يضل عن طريقهم ، ولا يتبع منهجهم هذا في ترك قضية التشريع لله في الصغيرة والكبيرة ؛ والتخلي عن الاعتداء على حق الله وسلطانه وألوهيته :
{ يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم ، لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ، إلى الله مرجعكم جميعاً ، فينبئكم بما كنتم تعملون } . .
فهم أمة واحدة لها دينها ، ولها نهجها ، ولها شرعها ، ولها مصدر هذا الشرع الذي لا تستمد من غيره . ولا على هذه الأمة - حين تبين للناس منهجها هذا ثم تفاصلهم عليه - من ضلال الناس ، ومضيهم في جاهليتهم .
هذا هو المحور العام الذي يقوم عليه القطاع بجملته . أما الموضوعات الداخلة في إطاره فقد أشرنا إليها في التقديم لهذا الجزء إشارة مجملة . والآن نواجهها تفصيلا في حدود هذا الإطار العام :
( يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ، ولا تعتدوا ، إن الله لا يحب المعتدين . وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا ، واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون . . لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان . فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة ، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ، ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم ، واحفظوا أيمانكم ، كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون ) . .
يا أيها الذين آمنوا . . إن مقتضى إيمانكم ألا تزاولوا أنتم - وأنتم بشر عبيد لله - خصائص الألوهية التي يتفرد بها الله . فليس لكم أن تحرموا ما أحل الله من الطيبات ؛ وليس لكم أن تمتنعوا - على وجه التحريم - عن الأكل مما رزقكم الله حلالا طيبا . . فالله هو الذي رزقكم بهذا الحلال الطيب . والذي يملك أن يقول : هذا حرام وهذا حلال :
( يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا . إن الله لا يحب المعتدين . وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا ؛ واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون )
إن قضية التشريع بجملتها مرتبطة بقضية الألوهية . والحق الذي ترتكن إليه الألوهية في الاختصاص بتنظيم حياة البشر ، هو أن الله هو خالق هؤلاء البشر ورازقهم . فهو وحده صاحب الحق إذن في أن يحل لهم ما يشاء من رزقه وأن يحرم عليهم ما يشاء . . وهو منطق يعترف به البشر أنفسهم . فصاحب الملك هو صاحب الحق في التصرف فيه . والخارج على هذا المبدأ البديهي معتد لا شك في اعتدائه ! والذين آمنوا لا يعتدون بطبيعة الحال على الله الذي هم به مؤمنون . ولا يجتمع الاعتداء على الله والايمان به في قلب واحد على الإطلاق !
هذه هي القضية التي تعرضها هاتان الآيتان في وضوح منطقي لا يجادل فيه إلا معتد . . والله لا يحب المعتدين . . وهي قضية عامة تقرر مبدأ عاما يتعلق بحق الألوهية في رقاب العباد ؛ ويتعلق بمقتضى الإيمان بالله في سلوك المؤمنين في هذه القضية . . وتذكر بعض الروايات أن هاتين الآيتين والآية التي بعدهما - الخاصة بحكم الأيمان - قد نزلت في حادث خاص في حياة المسلمين على عهد رسول الله [ ص ] ولكن العبرة بعموم النص لا بخصوص السبب . وإن كان السبب يزيد المعنى وضوحا ودقة :
روى ابن جرير . . أنه [ ص ] جلس يوما فذكر الناس ، ثم قام ولم يزدهم على التخويف . فقال ناس من أصحابه : ما حقنا إن لم نحدث عملا ، فإن النصارى قد حرموا على أنفسهم فنحن نحرم ! فحرم بعضهم أن يأكل اللحم والورك ، وأن يأكل بالنهار ؛ وحرم بعضهم النساء . . فبلغ ذلك رسول الله [ ص ] فقال : " ما بال أقوام حرموا النساء والطعام والنوم ؟ ألا إني أنام وأقوم ، وأفطر وأصوم ، وأنكح النساء فمن رغب عني فليس مني " ؛ فنزلت : يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا . . . الخ .
وفي الصحيحين من رواية أنس - رضي الله عنه - شاهد بهذا الذي رواه ابن جرير :
قال : " جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج رسول الله [ ص ] يسألون عن عبادته . فلما أخبروا عنها كأنهم تقالوها . قالوا : أين نحن من رسول الله [ ص ] وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ؟ قال أحدهم : أما أنا فأصلي الليل أبدا . وقال الآخر : وأنا أصوم الدهر ولا أفطر . وقال آخر :
وأنا أعتزل النساء ولا أتزوج أبدا . فجاء رسول الله [ ص ] إليهم ، فقال : " أنتم الذين قلتم كذا وكذا . أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له . ولكني أصوم وأفطر ، وأصلي وأرقد ، وأتزوج النساء ، فمن رغب عن سنتي فليس مني " .
وأخرج الترمذي - بإسناده - عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن رجلًا أتى النبي [ ص ] فقال : إني إذا أصبت اللحم انتشرت للنساء وأخذتني شهوتي ، فحرمت علي اللحم فأنزل الله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم . . . الآية . .
قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم } ، الآية . قال أهل التفسير : ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الناس يوماً ، ووصف القيامة ، فرق له الناس وبكوا ، فاجتمع عشرة من أصحابه في بيت عثمان بن مظعون الجمحي وهم : أبو بكر رضي الله عنه ، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه ، وعبد الله بن مسعود ، وعبد الله بن عمر ، وأبو ذر الغفاري ، وسالم مولى أبي حذيفة ، والمقداد بن الأسود ، وسلمان الفارسي ، ومعقل ابن مقرن رضي الله عنهم . وتشاوروا واتفقوا على أن يترهبوا ، ويلبسوا المسوح ، ويجبوا مذاكيرهم ، ويصوموا الدهر ، ويقوموا الليل ، ولا يناموا على الفرش ، ولا يأكلوا اللحم والودك ، ولا يقربوا النساء والطيب ، ويسيحوا في الأرض ، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأتى دار عثمان بن مظعون فلم يصادفه ، فقال لامرأته أم حكيم بنت أبي أمية ، واسمها الخولاء ، وكانت عطارة : أحق ما بلغني عن زوجك وأصحابه ؟ فكرهت أن تكذب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكرهت أن تبدي على زوجها ، فقالت : يا رسول الله إن كان أخبرك عثمان فقد صدقك . فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما دخل عثمان أخبرته بذلك ، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم هو وأصحابه ، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألم أنبأ أنكم اتفقتم على كذا وكذا ؟ قالوا : بلى يا رسول الله ، وما أردنا إلا الخير ، فقال صلى الله عليه وسلم : إني لم أؤمر بذلك ، ثم قال : إن لأنفسكم عليكم حقاً ، فصوموا وأفطروا ، وقوموا وناموا ، فإني أقوم وأنام ، وأصوم وأفطر ، وآكل اللحم والدسم ، وآتي النساء ، فمن رغب عن سنتي فليس مني ، ثم جمع الناس وخطبهم فقال : ما بال أقوام حرموا النساء والطعام ، والطيب ، والنوم ، وشهوات النساء ؟ أما إني لست آمركم أن تكونوا قسيسين ورهباناً ، فإنه ليس في ديني ترك اللحم ، والنساء ، ولا اتخاذ الصوامع ، وإن سياحة أمتي الصوم ، ورهبانيتهم الجهاد ، اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً ، وحجوا واعتمروا ، وأقيموا الصلاة ، وآتوا الزكاة ، وصوموا رمضان ، واستقيموا يستقم لكم ، فإنما هلك من كان قبلكم بالتشديد ، شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم ، فأولئك بقاياهم في الديارات والصوامع ، فأنزل الله عز وجل هذه الآية .
أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة ، أنا أبو طاهر محمد بن أحمد بن الحارث ، أنا أبو الحسن محمد بن يعقوب الكسائي ، أنا عبد الله بن محمود ، أنا إبراهيم بن عبد الله الخلال ، أنا عبد الله بن المبارك ، عن رشد بن سعد ، حدثني أبو نعيم ، عن سعد بن مسعود ، أن عثمان بن مظعون رضي الله عنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ائذن لنا في الاختصاء ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ليس منا من خصى ولا من اختصى ، خصاء أمتي الصيام ، فقال : يا رسول الله ، ائذن لنا في السياحة . فقال : ( إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله ) ، فقال : يا رسول الله ، ائذن لنا في الترهب ، فقال : ( إن ترهب أمتي الجلوس في المساجد ، وانتظار الصلاة ) .
وروي عن عكرمة ، عن ابن عباس رضي الله عنهم : أن رجلاً قال : يا رسول الله ، إني أصبت من اللحم فانتشرت ، وأخذتني شهوة ، فحرمت اللحم ، فأنزل الله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم } ، يعني : اللذات التي تشتهيها النفوس ، مما أحل الله لكم من المطاعم الطيبة والمشارب اللذيذة .
قوله تعالى : { ولا تعتدوا } أي : ولا تتجاوزوا الحلال إلى الحرام ، وقيل : هو جب المذاكير .
ولما مدح سبحانه الرهبان ، وكان ذلك داعياً إلى الترهب{[27346]} ، وكانت الرهبانية حسنة{[27347]} بالذات قبيحة بالعرض ، شريفة في{[27348]} المبدأ دنية{[27349]} في المآل ، فإنها مبنية على الشدة والاجتهاد في الطاعات والتورع عن أكثر المباحات ، والإنسان مبني على الضعف مطبوع على النقائص ، فيدعوه طبعه ويساعده ضعفه إلى عدم الوفاء بما عاقد عليه ، ويسرع بما له من صفة العجلة إليه ، فيقع في الخيانة كما قال تعالى :
{ فما رعوها حق رعايتها{[27350]} }[ الحديد : 27 ] عقب ذلك بالنهي عنها في هذا الدين والإخبار عنه{[27351]} بأنه بناه على التوسط رحمة منه لأهله ولطفاً بهم تشريفاً لنبيهم صلى الله عليه وسلم ، ونهاهم عن الإفراط فيه والتفريط فقال تعالى : { يا أيها الذين آمنوا } أي وجد منهم الإقرار بذلك { لا تحرموا } أي تمنعوا أنفسكم بنذر أو يمين أو غيرهما تصديقاً لما أقررتم به ، ورغبهم في امتثال أمره بأن جعله موافقاً لطباعهم ملائماً لشهواتهم فقال : { طيبات ما } أي المطيبات وهي اللذائذ التي{[27352]} { أحل الله } وذكر هذا الاسم الأعظم مرغب في ذلك ، فإن الإقبال على المنحة يكون على مقدار المعطي ، وأكد ذلك بقوله : { لكم } أي وأما هو سبحانه فهو منزه عن الأغراض ، لا ضر{[27353]} يلحقه ولا نفع ، لأن له الغنى المطلق{[27354]} .
ولما أطلق لهم ذلك ، حثهم على الاقتصاد ، وحذرهم من مجاوزة الحد إفراطاً وتفريطاً فقال : { ولا تعتدوا } فدل بصيغة الافتعال على أن الفطرة الأولى مبنية على العدل ، فعدولها عنه لا يكون إلا{[27355]} بتكلف ، ثم علل ذلك بقوله مؤكداً لاستبعاد{[27356]} أن ينهى عن الإمعان في العبادة : { إن الله } أي وهو الملك الأعظم { لا يحب المعتدين * } أي لا يفعل فعل المحب من الإكرام للمفرطين في الورع بحيث يحرمون ما أحللت ، ولا للمفرطين فيه الذين يحللون ما حرمت ، أي يفعلون فعل المحرم من المنع وفعل المحلل من التناول ، وما ذكر من سبب نزول الآية واضح في ذلك ؛ روى الواحدي في أسباب النزول بسنده{[27357]} عن ابن عباس رضي الله عنهما " أن رجلاً أتى{[27358]} رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال{[27359]} : يا رسول الله{[27360]} ! إني إذا أكلت من هذا اللحم انتشرت إلى النساء{[27361]} وإني حرمت عليّ اللحم ، فنزلت : { لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم } ونزلت :{ وكلوا مما رزقكم الله }[ المائدة : 88 ] " . وأخرجه الترمذي في التفسير من جامعه وقال : حسن غريب ، ورواه{[27362]} خالد الحذاء{[27363]} عن عكرمة مرسلاً . وقال الواحدي : وتبعه عليه البغوي : قال المفسرون : " جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الناس ووصف القيامة ولم يزدهم على التخويف فرق الناس وبكوا ، فاجتمع عشرة من الصحابة رضي الله عنهم في بيت عثمان بن مظعون الجمحي ، وهم أبو بكر الصديق وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمرو{[27364]} وأبو ذر الغفاري وسالم مولى أبي حذيفة والمقداد بن الأسود وسلمان الفارسي ومعقل بن مقرن ، واتفقوا على أن يصوموا النهار ويقوموا الليل ولا يناموا على الفرش ولا يأكلوا اللحم ولا الودك{[27365]} ولا يقربوا النساء والطيب{[27366]} ويلبسوا المسوح ويرفضوا{[27367]} الدنيا{[27368]} ويسيحوا في الأرض{[27369]} ويترهبوا ويجبّوا{[27370]} المذاكير ؛ فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم : " ألم أنبأ{[27371]} أنكم اتفقتم على كذا وكذا ؟ قالوا : بلى يا رسول الله ! وما أردنا{[27372]} إلا الخير ، فقال : إني لم أومر{[27373]} بذلك ، إن لأنفسكم عليكم حقاً ، فصوموا وأفطروا . {[27374]} وقوموا وناموا ، فإني أقوم وأنام ، وأصوم وأفطر{[27375]} ، وآكل{[27376]} اللحم والدسم ، ومن رغب عن سنتي فليس مني ؛ ثم جمع الناس فخطبهم فقال : ما بال أقوام حرموا النساء والطعام والطيب والنوم وشهوات الدنيا ! أما{[27377]} ! إني لست آمركم أن تكونوا قسيسين ورهباناً ، فإنه ليس في ديني ترك اللحم{[27378]} والنساء ولا اتخاذ الصوامع ، وإن سياحة أمتي الصوم ، ورهبانيتهم{[27379]} الجهاد ، و{[27380]} اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وحجوا واعتمروا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وصوموا رمضان ، فإنما هلك من كان قبلكم بالتشديد ، شددوا فشدد الله عليهم ، فأولئك بقاياهم في الديارات والصوامع " ، فأنزل الله تعالى هذه الآية{[27381]} ، فقالوا : يا رسول الله ! فكيف نصنع بأيماننا التي{[27382]} حلفنا عليها{[27383]} ؟ وكانوا حلفوا على ما عليه اتفقوا ، فأنزل الله عز وجل قوله تعالى{ لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم }[ المائدة : 89 ، والبقرة : 225 ] ، ولا تعارض بين الخبرين لإمكان الجمع بأن يكون الرجل لما{[27384]} سمع تذكير النبي صلى الله عليه وسلم سأل{[27385]} ، ولو لم يجمع صح أن يكون كل منهما سبباً ، فالشيء الواحد قد يكون له أسباب جمة ، بعضها أقرب من بعض ، فمن الأحاديث الواردة في ذلك ما روى البغوي بسنده من طريق ابن المبارك في كتاب الزهد عن سعد بن مسعود " أن عثمان بن مظعون رضي الله عنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ائذن لنا{[27386]} {[27387]} في الاختصاء{[27388]} ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ليس منا من خصي ولا اختصى ، إن خصاء{[27389]} أمتي الصيام ، فقال : يا رسول الله ! ائذن لنا في السياحة ، فقال : إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله . فقال : يا رسول الله ! ائذن لنا في الترهب{[27390]} ، فقال : إن ترهب أمتي الجلوس في المساجد انتظاراً لصلاة "
وللشيخين والترمذي والنسائي والدارمي عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه{[27391]} أيضاً قال : " أراد عثمان بن مظعون{[27392]} أن{[27393]} يتبتل فنهاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولو أذن له - وفي رواية : ولو أجاز له - التبتل لاختصينا{[27394]} " وللدارمي عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه{[27395]} أيضاً قال : " لما كان من أمر عثمان بن مظعون رضي الله عنه{[27396]} الذي كان ممن{[27397]} ترك النساء بعث إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا عثمان ! إني لم أومر بالرهبانية ، أرغبت عن سنتي ؟ قال : لا يا رسول الله ! قال : إن من سنتي أن أصلي وأنام{[27398]} وأصوم وأطعم وأنكح وأطلق ، فمن رغب عن سنتي فليس مني ، يا عثمان ! إن لأهلك عليك حقاً ، ولعينك عليك حقاً ، قال سعد : فوالله لقد كان أجمع رجال من المؤمنين{[27399]} على أن{[27400]} رسول الله صلى الله عليه وسلم إن هو أقر عثمان على ما هو عليه أن{[27401]} نختصي فنتبتل " وقال شيخنا{[27402]} ابن حجر{[27403]} في تخريج أحاديث الكشاف : وروى الطبراني من طريق ابن جريج عن مجاهد قال : " أراد رجال منهم عثمان بن مظعون وعبد الله بن عمرو أن يتبتلوا ويخصوا أنفسهم ويلبسوا المسوح{[27404]} " ومن طريق ابن جريج عن عكرمة " أن عثمان بن مظعون وعلي بن أبي طالب وابن مسعود والمقداد بن الأسود وسالماً{[27405]} مولى أبي حذيفة{[27406]} في{[27407]} جماعة رضي الله عنهم{[27408]} تبتلوا فجلسوا في البيوت ، واعتزلوا النساء{[27409]} ولبسوا المسوح ، وحرموا طيبات الطعام واللباس{[27410]} ، وهموا بالاختصاء ، وأجمعوا{[27411]} لقيام الليل وصيام النهار ، فنزلت : { يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم } - الآية ، فبعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :إن لأنفسكم عليكم حقاً{[27412]} ، فصوموا وأفطروا وصلوا وناموا ، فليس منا من ترك سنتنا{[27413]} " وللترمذي عن سمرة رضي الله عنه ان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن التبتل{[27414]} .
وقرأ قتادة : { ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك وجعلنا لهم أزواجاً وذرية{[27415]} } وللنسائي عن عائشة رضي الله عنها نحوه وأشار إليه الترمذي . وللطبراني في الأوسط عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بالباءة وينهى عن التبتل نهياً شديداً . {[27416]} ويقول{[27417]} : " تزوجوا الودود الولود ، فإني مكاثر بكم الأمم{[27418]} يوم القيامة " ومنها ما روى الشيخان عن عبد الله رضي الله عنه أنه قال : " كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس لنا شيء - وفي رواية : نساء ، وفي رواية : كنا{[27419]} ونحن{[27420]} شباب - فقلنا : يا رسول الله ! ألا نستخصي{[27421]} ؟ فنهانا عن ذلك ، ثم رخص لنا
أن ننكح المرأة بالثوب ، ثم قرأ علينا عبد الله{[27422]} : { يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم } " الآية .
ومنها ما روى البخاري وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : " قلت : يا رسول الله ! إني رجل شاب{[27423]} ، وإني أخاف على نفسي العنت ولا أجد ما أتزوج به النساء - قال النسائي{[27424]} : {[27425]} أفاختصي{[27426]} - فسكت عني ، ثم قلت مثل ذلك ، {[27427]} فسكت عني ، ثم قلت مثل ذلك{[27428]} فسكت عني ، ثم قلت مثل ذلك{[27429]} فقال النبي صلى الله عليه وسلم :يا أبا هريرة ! جف القلم بما أنت لاق ، فاختص{[27430]} على ذلك أو ذر- وقال النسائي : أو دع " ومنها ما روى الشيخان وغيرهما عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : " جاء{[27431]} ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهن يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم -{[27432]} وفي رواية مسلم والنسائي أن نفراً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم{[27433]} سألوا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عن عمله في السر - فلما أخبروا كأنهم تقالوها{[27434]} فقالوا : وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم ، قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، فقال أحدهم : أما أنا فإني أصلي الليل أبداً ، وقال آخر : أنا أصوم الدهر{[27435]} ولا أفطر ، وقال آخر : وأنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً ؛ وفي رواية : وقال بعضهم لا آكل اللحم ، وقال بعضهم : لا أنام على فراش ؛ فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فحمد الله وأثنى عليه وقال : ما بال أقوام قالوا كذا وكذا ! و{[27436]} في رواية : فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم فقال : أنتم الذين قلتم كذا وكذا ! أما{[27437]} والله إني{[27438]} لأخشاكم لله وأتقاكم له ! لكني أصوم وأفطر وأصلي{[27439]} وأرقد وأتزوج النساء ، فمن رغب عن سنتي فليس مني " والمبهمون{[27440]} في الحديث - قال شيخنا في مقدمة شرحه للبخاري - هم ابن مسعود وأبو هريرة وعثمان بن مظعون ، وسيأتي مفرّقاً ما يشير إلى ذلك ، يعني ما قدمته أنا ، قال : وقيل : هم{[27441]} سعد{[27442]} بن أبي وقاص وعثمان بن{[27443]} مظعون وعلي بن أبي طالب ، وفي مصنف عبد الرزاق من طريق سعيد بن{[27444]} المسيب أن منهم علياً وعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهم ، وقال شيخنا في تخريج أحاديث الكشاف : إن هذا{[27445]} أصلُ ما رواه الواحدي عن المفسرين ، وللشيخين والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ما نهيتكم عنه فاجتنبوه ، وما أمرتكم به{[27446]} فافعلوا منه ما استطعتم ، فإنما أهلك الذين{[27447]} من قبلكم كثرة{[27448]} سؤالهم واختلافهم على{[27449]} أنبيائهم " ، {[27450]} وفي رواية : " ذروني ما تركتكم ، فإنما أهلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم{[27451]} " ولأبي داود عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
" لا تشددوا على أنفسكم فيشدد الله عليكم " وللإمام أحمد في المسند عن أنس{[27452]} رضي الله عنه والحاكم في علوم الحديث في فن{[27453]} الغريب - وهذا لفظه - عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن هذا الدين متين ، فأوغل فيه برفق ، ولا تبغض{[27454]} عبادة الله{[27455]} إليك ، فإن المنبت لا أرضاً قطع{[27456]} ولا ظهراً أبقى{[27457]} " المتين{[27458]} : الصلب الشديد ، والإيغال : المبالغة ، والمنبت - بنون وموحدة وفوقانية مشددة هو الذي{[27459]} انقطع ظهره{[27460]} ، وروى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن الدين يسر{[27461]} ، ولن يشادّ{[27462]} الدين أحد{[27463]} إلا غلبه ، فسددوا وقاربوا وأبشروا ؛ وفي بعض الروايات : و{[27464]} القصد القصد تبلغوا " ولمسلم وابن ماجه - وهذا لفظه - عن حنظلة الكاتب التميمي الأسيدي{[27465]} رضي الله عنه قال : " كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرنا الجنة والنار حتى كانا رأي العين{[27466]} ، فقمت إلى أهلي وولدي{[27467]} فضحكت ولعبت{[27468]} ، قال{[27469]} : فذكرت الذي كنا{[27470]} فيه ، فخرجت فلقيت{[27471]} أبا بكر رضي الله عنه فقلت{[27472]} : نافقت نافقت ! فقال أبو بكر : إنا لنفعله ، فذهب حنظلة فذكره للنبي صلى الله عليه وسلم فقال :يا حنظلة ! لو كنتم كما تكونون عندي لصافحتكم الملائكة على فرشكم أو على طرقكم ، يا حنظلة ! ساعة وساعة " ولفظ مسلم من طرق{[27473]} جمعت متفرقها{[27474]} عن حنظلة - وكان من كتاب النبي صلى الله عليه وسلم - قال : " لقيني أبو بكر رضي الله عنه فقال : كيف أنت يا حنظلة ؟ قلت : نافق حنظلة ! قال : سبحان الله ! ما تقول{[27475]} ؟ قلت : نكون{[27476]} عند رسول الله صلى الله عليه وسلم{[27477]} يذكرنا بالنار والجنة كانا رأي عين ، فإذا خرجنا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم{[27478]} عافسنا{[27479]} الأزواج والأولاد والضيعات ، نسينا كثيراً ، قال أبو بكر رضي الله عنه : فوالله{[27480]} إنا لنلقى مثل هذا ، فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، {[27481]} قلت : نافق حنظلة يا رسول الله ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم{[27482]} : " وما ذاك " ؟ قلت :{[27483]} يا رسول الله{[27484]} ! نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة كانا رأي{[27485]} عين ، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات ، نسينا كثيراً ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " والذي نفسي بيده ! أن{[27486]} لو تدومون على ما تكونون عندي{[27487]} وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم ، ولكن يا حنظلة{[27488]} ساعة وساعة وساعة - ثلاث مرات " " وفي رواية : قال : " كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فوعظنا فذكرنا النار - وفي رواية : الجنة والنار - ثم جئت إلى البيت فضاحكت الصبيان ولاعبت المرأة ، فخرجت فلقيت أبا بكر فذكرت ذلك له فقال : وأنا قد فعلت مثل ما تذكر ، فلقينا{[27489]} رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقلت : يا رسول الله ! نافق حنظلة ! فقال : مه ؟ فحدثته بالحديث ، فقال أبو بكر : وأنا قد فعلت مثل ما فعل ، فقال : يا حنظلة ! ساعة وساعة{[27490]} ، فلو كانت تكون{[27491]} قلوبكم كما تكون{[27492]} عند الذكر لصافحتكم الملائكة حتى تسلم عليكم في الطرق "
ومن هنا تبين لك مناسبة أول المجادلة لآخر الحديد التي كاع{[27493]} في معرفتها الأفاضل ، وكع{[27494]} عن تطلبها{[27495]} لغموضها الأكابر{[27496]} الأماثل ، وسيأتي إن شاء الله تعالى بيان ذلك وإيضاح ما فيه من لطيف المسالك ، ومن هذه الآية وقع الالتفات إلى قوله تعالى :{ أحلت لكم بهيمة الأنعام }[ الأنعام : 1 ] وقوله تعالى :
{ قل أحل لكم الطيبات }[ المائدة : 4 ] وما{[27497]} أحسن تصديرها بيا أيها الذين آمنوا - كما صدر أول السورة به ، وقد مضى بيان{[27498]} جميع ما مضى في الوفاء بالعقود ، فكان كأنه تعالى قال : أوفوا بالعقود ، فلا تتهاونوا بها فتنقضوها ، ولا تبالغوا فيها فتكونوا معتدين فتضعفوا ، فإنه لن يشاد الدين أحد إلا غلبه ، بل سددوا وقاربوا ، والقصد القصد تبلغوا ، وقال ابن الزبير بعد قوله :{ ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم }[ المائدة : 14 ] ثم فصل للمؤمنين أفعال الفريقين - أي اليهود والنصارى - ليتبين{[27499]} لهم فيما نقضوا ، ثم بين تفاوتهم في البعد عن الاستجابة فقال تعالى :{ لتجدن أشد الناس عداوة{[27500]} }[ المائدة : 82 ] . ثم نصح عباده وبين لهم أبواباً منها دخول الامتحان ، وهي سبب في كل الابتلاء ، فقال : { لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا } [ المائدة : 87 ] فإنكم إن فعلتم ذلك كنتم شارعين لأنفسكم و{[27501]} ظالمين - انتهى . و { ما أحل } شامل لكل ما كانوا أرادوا أن يتورعوا عنه من المآكل والملابس والمناكح والنوم وغير ذلك .