9- الذي له ملك السماوات والأرض والله على كل شيء شهيد .
إن إيمان هؤلاء المؤمنين كان لله المتصف بالعزة والحمد ، وهذا الإله له ملك السماوات والأرض ، خلقا ورعاية وحفظا ، وهو سبحانه بيده الخلق والأمر ، وهو على كل شيء قدير ، وهو سبحانه مطّلع وشاهد على ما فعله أصحاب الأخدود بالمؤمنين من القتل والتحريق ، وهو أيضا الحكم العدل الذي يمهل ولا يهمل .
والله على كل شيء شهيد . أي : والله تعالى على كل شيء مطµلع وشاهد ، وهذه أكبر شهادة .
قال تعالى : قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكمi وأوحي إليّ هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ . . . ( الأنعام : 19 ) .
{ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } خلقًا وعبيدًا ، يتصرف فيهم تصرف المالك بملكه{[1396]} ، { وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ } علمًا وسمعًا وبصرًا ، أفلا خاف هؤلاء المتمردون على الله ، أن يبطش بهم العزيز المقتدر ، أو ما علموا أنهم جميعهم مماليك{[1397]} لله ، ليس لأحد على أحد سلطة ، من دون إذن المالك ؟ أو خفي عليهم أن الله محيط بأعمالهم ، مجاز لهم على فعالهم{[1398]} ؟ كلا إن الكافر في غرور ، والظالم في جهل وعمى{[1399]} عن سواء السبيل .
ثم وعدهم ، وأوعدهم ، وعرض عليهم التوبة ، فقال : { إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ }
ثم بين - سبحانه - الأسباب التى حملت هؤلاء الطغاة على إحراق المؤمنين فقال : { وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بالله العزيز الحميد . الذي لَهُ مُلْكُ السماوات والأرض والله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ } .
والنقمة هنا بمعنى الإِنكار والكراهية . يقال : نقَم فلان هذا الشئ ، - من باب ضرب - إذا كرهه وأنكره .
أى : أن هؤلاء الكافرين ما كرهوا المؤمنين ، وما أنزلوا بهم ما أنزلوا من عذاب ، إلا لشئ واحد ، وهو أن المؤمنين أخلصوا عبادتهم لله - تعالى - صاحب العزة التامة ، والحمد المطلق ، والذى له ملك جميع ما فى السموات والأرض ، وهو - سبحانه - على كل شئ شهيد ورقيب ، لا يخفى عليه أمر من أمور عباده ، أو حال من أحوالهم .
فالمقصود من هاتين الآيتين الكريمتين ، التعجيب من حال هؤلاء المجرمين ، حيث عذبوا المؤمنين ، لا لشئ إلا من أجل إيمانهم بخالقهم ، وكأن الإِيمان فى نظرهم جريمة تستحق الإِحراق بالنار .
وهكذا النفوس عندما يستحوذ عليها الشيطان ، تتحول الحسنات فى نظرها إلى سيئات وقديما قال المنكوسون من قوم لوط - عليه السلام - { أخرجوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ } والاستثناء فى قوله : { إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بالله . . . } استثناء مفصح عن براءة المؤمنين مما يعاب وينكر ، فهو من باب تأكيد المدح بما يشبه الذم كما فى قول القائل :
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم . . . بهن فلول من قراع الكتائب
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : { قُلْ ياأهل الكتاب هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بالله وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ } قال الإِمام ابن كثير : وقد اختلفوا فى أهل هذه القصة من هم ؟ فعن على ابن أبى طالب : أنهم أهل فارس حين أراد ملكهم تحليل زواج المحارم ، فامتنع عليه علماؤهم ، فعمد إلى حفر أخدود ، فقذف فيه من أنكر عليه منهم .
وعنه أنهم كانوا قوما من اليمن ، اقتتل مؤمنوهم ومشركوهم ، فتغلب مؤمنوهم على كفارهم ، ثم اقتتلوا فغلب الكفار المؤمنين ، فخذا لهم الأخاديد ، وأحرقوهم فيها .
ثم ذكر - رحمه الله - بعد ذلك جملة من الآثار فى هذا المعنى فارجع إليها إن شئت .
وعلى أية حال فالمقصود بهذه الآيات الكريمة ، تثبيت المؤمنين على ما هم عليه من الإِيمان وتسليتهم عما أصابهم من أعدائهم ، وإعلامهم بأن ما نزل بهم من أذى ، قد نزل ما هو أكبر منه بالمؤمنين السابقين ، فعليهم أن يصبروا كما صبر أسلافهم ، وقد اقتضت سنته - تعالى - أن يجعل العاقبة للمتقين .
قوله : { الذي له ملك السماوات والأرض } يصف الله نفسه بأنه مالك كل شيء فهو مالك السماوات والأرض . ومن كان هذا شأنه من العظمة والجلال وعلو السلطان حقيق بإفراده بالإلهية ، والإذعان له بالخضوع والطاعة { والله على كل شيء شهيد } الله يشهد ما فعله الظالمون المجرمون بالمؤمنين من تحريق في النار . وهو سبحانه لا يخفى عليه من أمر الخلائق شيء . وفي ذلك من بالغ الوعيد لأصحاب الأخدود ما لا يخفى .