في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَمَن يَتَوَلَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فَإِنَّ حِزۡبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلۡغَٰلِبُونَ} (56)

51

والله يعد الذين آمنوا - في مقابل الثقة به ، والالتجاء إليه ، والولاء له وحده - ولرسوله وللمؤمنين بالتبعية . . ومقابل المفاصلة الكاملة بينهم وبين جميع الصفوف إلا الصف الذي يتمحض لله . . يعدهم النصر والغلبة :

( ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون ) . .

وقد جاء هذا الوعد بالغلب بعد بيان قاعدة الإيمان في ذاتها . . وأنها هي الولاء لله ورسوله وللمؤمنين ؛ وبعد التحذير من الولاء لليهود والنصارى واعتباره خروجا من الصف المسلم إلى صف اليهود والنصارى ، وارتدادا عن الدين . .

وهنا لفتة قرآنية مطردة . . فالله - سبحانه - يريد من المسلم أن يسلم لمجرد أن الإسلام خير ! لا لأنه سيغلب ، أو سيمكن له في الأرض ؛ فهذه ثمرات تأتي في حينها ؛ وتأتي لتحقيق قدر الله في التمكين لهذا الدين ؛ لا لتكون هي بذاتها الإغراء على الدخول في هذا الدين . . والغلب للمسلمين لا شيء منه لهم . لا شيء لذواتهم وأشخاصهم . وإنما هو قدر الله يجريه على أيديهم ، ويرزقهم إياه لحساب عقيدتهم لا لحسابهم ! فيكون لهم ثواب الجهد فيه ؛ وثواب النتائج التي تترتب عليه من التمكين لدين الله في الأرض ، وصلاح الأرض بهذا التمكين . .

كذلك قد يعد الله المسلمين الغلب لتثبيت قلوبهم ؛ وإطلاقها من عوائق الواقع الحاضر أمامهم - وهي عوائق ساحقة في أحيان كثيرة - فإذا استيقنوا العاقبة قويت قلوبهم على اجتياز المحنة ؛ وتخطي العقبة ، والطمع في أن يتحقق على أيديهم وعد الله للأمة المسلمة ، فيكون لهم ثواب الجهاد ، وثواب التمكين لدين الله ، وثواب النتائج المترتبة على هذا التمكين .

كذلك يشي ورود هذا النص في هذا المجال ، بحالة الجماعة المسلمة يومذاك ، وحاجتها إلى هذه البشريات . بذكر هذه القاعدة من غلبة حزب الله . . مما يرجح ما ذهبنا إليه من تاريخ نزول هذا القطاع من السورة .

ثم تخلص لنا هذه القاعدة ؛ التي لا تتعلق بزمان ولا مكان . . فنطمئن إليها بوصفها سنة من سنن الله التي لا تتخلف . وإن خسرت العصبة المؤمنة بعض المعارك والمواقف . فالسنة التي لا تنقض هي أن حزب الله هم الغالبون . . ووعد الله القاطع أصدق من ظواهر الأمور في بعض مراحل الطريق ! وأن الولاء لله ورسوله والذين آمنوا هو الطريق المؤدي لتحقق وعد الله في نهاية الطريق !

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَمَن يَتَوَلَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فَإِنَّ حِزۡبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلۡغَٰلِبُونَ} (56)

ولما كان التقدير : فمن يتول غيرهم فأولئك حزب الشيطان ، وحزب الشيطان هم الخاسرون ، عطف عليه : { ومن يتول الله } أي يجتهد في ولاية الذي له مجامع العز { ورسوله } الذي خُلقه القرآن { والذين آمنوا } وأعاد{[26482]} ذكر من خص الولاية بهم تبركاً بأسمائهم وتصريحاً بالمقصود ، فإنهم الغالبون{[26483]} - هكذا كان الأصل ، ولكنه أظهر ما شرفهم به ترغيباً لهم في ولايته فقال : { فإن حزب الله } أي القوم الذين{[26484]} يجمعهم على ما يرضي الملك الأعلى ما حزبهم أي اشتد عليهم فيه { هم الغالبون * } أي لا غيرهم ، بل غيرهم مغلوبون ، ثم إلى النار محشورون ، لأنهم حزب الشيطان .


[26482]:في ظ: عاد.
[26483]:زيدت الواو بعده في ظ.
[26484]:في ظ: الذي.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَمَن يَتَوَلَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فَإِنَّ حِزۡبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلۡغَٰلِبُونَ} (56)

قوله : { ومن يتول الله ورسوله والذين ءامنوا فإن حزب الله هم الغالبون } التولي من الولي بسكون اللام وهو القرب والدنو . والولي بكسر اللام ، وهو القرب والدنو ، والولي بكسر اللام ، ضد العدو ، وهو يعني الناصر والمحب والحليف والتابع والنصير . والموالاة ضد المعاداة وتعني المناصرة والولاية بالفتح والكسر بمعنى النصرة والتناصر والتحالف . والموالاة ضد المعاداة ، أي المناصرة . وعلى هذا فتأويل قوله : { ومن يتول الله ورسوله والذين ءامنوا } أي من ينصر الله ورسوله فيفوض أمره إلى الله ويتبع دينه وهداه ويمتثل أمر رسوله صلى الله عليه وسلم ويوالي المسلمين أي يتخذهم أولياء فيكون لهم عونا ونصيرا{[1009]} .

قوله : { فإن حزب الله هم الغالبون } الحزب ، بمعنى الطائفة وجماعة الناس ، وجند الرجل وأصحابه الذين على رأيه . حزبه الأمر أي نابه واشتد عليه . وأمر حازب وحزيب أي شديد . وحزب الله أي جنده وأنصاره وهم الذين يدينون بدينه ويعملون جاهدين لإعزاز شرعه ومنهاجه ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا .

هذه الطائفة المؤمنة الصادقة المخلصة التي تسير على منهج الله لا جرم أنهم حزب الله فهم الغالبون الذين كتب الله لهم الغلبة والنصر{[1010]} .


[1009]:- القاموس المحيط ج 4 ص 404 وتفسير الرازي ج 12 ص 28 وتفسير البيضاوي ص 54 وفي ظلاله القرآن ج 6 ص 111.
[1010]:- القاموس المحيط ج 1 ص 56 وروح المعاني ج 6 ص 171.