في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرۡتَدَّ مِنكُمۡ عَن دِينِهِۦ فَسَوۡفَ يَأۡتِي ٱللَّهُ بِقَوۡمٖ يُحِبُّهُمۡ وَيُحِبُّونَهُۥٓ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ يُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوۡمَةَ لَآئِمٖۚ ذَٰلِكَ فَضۡلُ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ} (54)

51

وإذ ينتهي السياق من النداء الأول للذين آمنوا ، أن ينتهوا عن موالاة اليهود والنصارى ، وأن يحذروا أن يصيروا منهم بالولاء لهم ، وأن يرتدوا بذلك عن الإسلام - وهم لا يشعرون أو لا يقصدون - يرسل بالنداء الثاني ، يهدد من يرتد منهم عن دينه - بهذا الولاء أو بسواه من الأسباب - بأنه ليس عند الله بشيء ، وليس بمعجز الله ولا ضار بدينه ، وأن لدين الله أولياء وناصرين مدخرين في علم الله ، إن ينصرف هؤلاء يجيء بهؤلاء . ويصور ملامح هذه العصبة المختارة المدخرة في علم الله لدينه ، وهي ملامح محببة جميلة وضيئة . ويبين جهة الولاء الوحيدة التي يتجه إليها المسلم بولائه . ويختم هذا النداء بتقرير النهاية المحتومة للمعركة التي يخوضها حزب الله مع الأحزاب ! والتي يتمتع بها من يخلصون ولاءهم لله ولرسوله وللمؤمنين :

( يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه ، أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين ، يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم . ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم . إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون . ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون ) . .

إن تهديد من يرتد عن دينه من الذين آمنوا - على هذه الصورة . وفي هذا المقام - ينصرف - ابتداء - إلى الربط بين موالاة اليهود والنصارى وبين الارتداد عن الإسلام . وبخاصة بعد ما سبق من اعتبار من يتولاهم واحدًا منهم ، منسلخا من الجماعة المسلمة منضما إليهم : ( ومن يتولهم منكم فإنه منهم ) . . وعلى هذا الاعتبار يكون هذا النداء الثاني في السياق توكيدا وتقريرا للنداء الأول . . يدل على هذا كذلك النداء الثالث الذي يلي هذا النداء والسياق ، وهو منصب على النهي عن موالاة أهل الكتاب والكفار ، يجمع بينهم على هذا النحو ، الذي يفيد أن موالاتهم كموالاة الكفار سواء ، وأن تفرقة الإسلام في المعاملة بين أهل الكتاب والكفار ، لا تتعلق بقضية الولاء ، إنما هي في شئون أخرى لا يدخل فيها الولاء . .

( يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه ، فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه ، أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين ، يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم . ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم ) . .

إن اختيار الله للعصبة المؤمنة ، لتكون أداة القدر الإلهي في إقرار دين الله في الأرض ، وتمكين سلطانه في حياة البشر ، وتحكيم منهجه في أوضاعهم وأنظمتهم ، وتنفيذ شريعته في أقضيتهم وأحوالهم ، وتحقيق الصلاح والخير والطهارة والنماء في الأرض بذلك المنهج وبهذه الشريعة . . إن هذا الاختيار للنهوض بهذا الأمر هو مجرد فضل الله ومنته . فمن شاء أن يرفض هذا الفضل وأن يحرم نفسه هذه المنة . . فهو وذاك ، والله غنى عنه - وعن العالمين . والله يختار من عباده من يعلم أنه أهل لذلك الفضل العظيم .

والصورة التي يرسمها للعصبة المختارة هنا ، صورة واضحة السمات قوية الملامح ، وضيئة جذابة حبيبة للقلوب :

( فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه ) . .

فالحب والرضى المتبادل هو الصلة بينهم وبين ربهم . . الحب . . هذا الروح الساري اللطيف الرفاف المشرق الرائق البشوش . . هو الذي يربط القوم بربهم الودود .

وحب الله لعبد من عبيده ، أمر لا يقدر على إدراك قيمته إلا من يعرف الله - سبحانه - بصفاته كما وصف نفسه ، وإلا من وجد إيقاع هذه الصفات في حسه ونفسه وشعوره وكينونته كلها . . أجل لا يقدر حقيقة هذا العطاء إلا الذي يعرف حقيقة المعطي . . الذي يعرف من هو الله . . من هو صانع هذا الكون الهائل ، وصانع الإنسان الذي يلخص الكون وهو جرم صغير ! من هو في عظمته . ومن هو في قدرته . ومن هو في تفرده . ومن هو في ملكوته . . من هو ومن هذا العبد الذي يتفضل الله عليه منه بالحب . . والعبد من صنع يديه - سبحانه - وهو الجليل العظيم ، الحي الدائم ، الأزلى الأبدي ، الأول والآخر والظاهر والباطن .

وحب العبد لربه نعمة لهذا العبد لا يدركها كذلك إلا من ذاقها . . وإذا كان حب الله لعبد من عبيده أمرا هائلا عظيما ، وفضلا غامرا جزيلا ، فإن إنعام الله على العبد بهدايته لحبه وتعريفه هذا المذاق الجميل الفريد ، الذي الذي لا نظير له في مذاقات الحب كلها ولا شبيه . . هو إنعام هائل عظيم . . وفضل غامر جزيل .

وإذا كان حب الله لعبد من عبيده أمرا فوق التعبير أن يصفه ، فإن حب العبد لربه أمر قلما استطاعت العبارة أن تصوره إلا في فلتات قليلة من كلام المحبين . . وهذا هو الباب الذي تفوق فيه الواصلون من رجال التصوف الصادقين - وهم قليل من بين ذلك الحشد الذي يلبس مسوح التصوف ويعرف في سجلهم الطويل - ولا زالت أبيات رابعة العدوية تنقل إلى حسي مذاقها الصادق لهذا الحب الفريد ، وهي تقول :

فليتك تحلو والحياة مريرة *** وليتك ترضى والأنام غضاب

وليت الذي بيني وبينك عامر*** وبيني وبين العالمين خراب

إذا صح منك الود فالكل هين*** وكل الذي فوق التراب تراب

وهذا الحب من الجليل للعبد من العبيد ، والحب من العبد للمنعم المتفضل ، يشيع في هذا الوجود ويسري في هذا الكون العريض ، وينطبع في كل حي وفي كل شيء ، فإذا هو جو وظل يغمران هذا الوجود ، ويغمران الوجود الإنساني كله ممثلا في ذلك العبد المحب المحبوب . .

والتصور الإسلامي يربط بين المؤمن وربه بهذا الرباط العجيب الحبيب . . وليست مرة واحدة ولا فلتة عابرة . . إنما هو أصل وحقيقة وعنصر في هذا التصور أصيل : ( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودًا ) . . ( إن ربي رحيم ودود ) . . ( وهو الغفور الودود ) . . ( وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان ) . . ( والذين آمنوا أشد حبا لله ) . . ( قل : إن كنم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ) . . وغيرها كثير . .

وعجبا لقوم يمرون على هذا كله ، ليقولوا : إن التصور الإسلامي تصور جاف عنيف ، يصور العلاقة بين الله والإنسان علاقة قهر وقسر ، وعذاب وعقاب ، وجفوة وانقطاع . . . لا كالتصور الذي يجعل المسيح ابن الله وأقنوم الإله ، فيربط بين الله والناس ، في هذا الازدواج !

إن نصاعة التصور الإسلامي في الفصل بين حقيقة الألوهية وحقيقة العبودية ، لا تجفف ذلك الندى الحبيب ، بين الله والعبيد ، فهي علاقة الرحمة كما أنها علاقة العدل ، وهي علاقة الود كما أنها علاقة التجريد ، وهي علاقة الحب كما أنها علاقة التنزية . . إنه التصور الكامل الشامل لكل حاجات الكينونة البشرية في علاقتها برب العالمين .

وهنا - في صفة العصبة المؤمنة المختارة لهذا الدين - يرد ذلك النص العجيب : ( يحبهم ويحبونه ) ويطلق شحنته كلها في هذا الجو ، الذي يحتاج إليه القلب المؤمن ، وهو يضطلع بهذا العبء الشاق . شاعرا أنه الاختيار والتفضل والقربى من المنعم الجليل . .

ثم يمضي السياق يعرض بقية السمات :

( أذلة على المؤمنين ) . .

وهي صفة مأخوذة من الطواعية واليسر واللين . . فالمؤمن ذلول للمؤمن . . غير عصي عليه ولا صعب . هين لين . . ميسر مستجيب . . سمح ودود . . وهذه هي الذلة للمؤمنين .

وما في الذلة للمؤمنين من مذلة ولا مهانة . إنما هي الأخوة ، ترفع الحواجز ، وتزيل التكلف وتخلط النفس بالنفس ، فلا يبقى فيها ما يستعصي وما يحتجز دون الآخرين .

إن حساسية الفرد بذاته متحوصلة متحيزة هي التي تجعله شموسا عصيا شحيحا على أخيه . فأما حين يخلط نفسه بنفوس العصبة المؤمنة معه ، فلن يجد فيها ما يمنعه وما يستعصي به . . وماذا يبقى له في نفسه دونهم ، وقد اجتمعوا في الله إخوانا ؛ يحبهم ويحبونه ، ويشيع هذا الحب العلوي بينهم ويتقاسمونه ؟ !

( أعزة على الكافرين ) . .

فيهم على الكافرين شماس وإباء واستعلاء . . ولهذه الخصائص هنا موضع . . إنها ليست العزة للذات ، ولا الاستعلاء للنفس . إنما هي العزة للعقيدة ، والاستعلاء للراية التي يقفون تحتها في مواجهة الكافرين . إنها الثقة بأن ما معهم هو الخير ، وأن دورهم هو أن يطوعوا الآخرين للخير الذي معهم لا أن يطوعوا الآخرين لأنفسهم ولا أن يطوعوا أنفسهم للآخرين وما عند الآخرين ! ثم هي الثقة بغلبة دين الله على دين الهوى ؛ وبغلبة قوة الله على تلك القوى ؛ وبغلبة حزب الله على أحزاب الجاهلية . . فهم الأعلون حتى وهم ينهزمون في بعض المعارك ، في أثناء الطريق الطويل . .

( يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ) . .

فالجهاد في سبيل الله ، لإقرار منهج الله في الأرض ، وإعلان سلطانه على البشر ، وتحكيم شريعته في الحياة ، لتحقيق الخير والصلاح والنماء للناس . . هي صفة العصبة المؤمنة التي يختارها الله ليصنع بها في الأرض ما يريد . .

وهم يجاهدون في سبيل الله ؛ لا في سبيل أنفسهم ؛ ولا في سبيل قومهم ؛ ولا في سبيل وطنهم ؛ ولا في سبيل جنسهم . . في سبيل الله . لتحقيق منهج الله ، وتقرير سلطانه ، وتنفيذ شريعته ، وتحقيق الخير للبشر عامة عن هذا الطريق . . وليس لهم في هذا الأمر شيء ، وليس لأنفسهم من هذا حظ ، إنما هو لله وفي سبيل الله بلا شريك . .

وهم يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم . . وفيم الخوف من لوم الناس ، وهم قد ضمنوا حب رب الناس ؟ وفيم الوقوف عند مألوف الناس ، وعرف الجيل ، ومتعارف الجاهلية ، وهم يتبعون سنة الله ، ويعرضون منهج الله للحياة ؟ إنما يخشى لوم الناس من يستمد مقاييسه وأحكامه من أهواء الناس ؛ ومن يستمد عونه ومدده من عندالناس ؛ أما من يرجع إلى موازين الله ومقاييسه وقيمه ليجعلها تسيطر على أهواء الناسوشهواتهم وقيمهم ؛ وأما من يستمد قوته وعزته من قوة الله وعزته ، فما يبالي ما يقول الناس وما يفعلون . كائنا هؤلاء الناس ما كانوا ؛ وكائنا واقع هؤلاء الناس ما كان ، وكائنة " حضارة " هؤلاء الناس وعلمهم وثقافتهم ما تكون !

إننا نحسب حسابا لما يقول الناس ؛ ولما يفعل الناس ؛ ولما يملك الناس ؛ ولما يصطلح عليه الناس ؛ ولما يتخذه الناس في واقع حياتهم من قيم واعتبارات وموازين . . لأننا نغفل أو نسهو عن الأصل الذي يجب أن نرجع إليه في الوزن والقياس والتقويم . . إنه منهج الله وشريعته وحكمه . . فهو وحده الحق وكل ما خالفة فهو باطل ؛ ولو كان عرف ملايين الملايين ، ولو أقرته الأجيال في عشرات القرون !

إنه ليست قيمة أي وضع ، أو أي عرف ، أو أي تقليد ، أو أية قيمة . . أنه موجود ؛ وأنه واقع ؛ وأن ملايين البشر يعتنقونه ، ويعيشون به ، ويتخذونه قاعدة حياتهم . . فهذا ميزان لا يعترف به التصور الإسلامي . إنما قيمة أي وضع ، وأي عرف ، وأي تقليد ، وأية قيمة ، أن يكون لها أصل في منهج الله ، الذي منه - وحده - تستمد القيم والموازين . .

ومن هنا تجاهد العصبة المؤمنة في سبيل الله ولا تخاف لومة لائم . . فهذه سمة المؤمنين المختارين . .

ثم إن ذلك الاختيار من الله ، وذلك الحب المتبادل بينه وبين المختارين ، وتلك السمات التي يجعلها طابعهم وعنوانهم ، وهذا الاطمئنان إلى الله في نفوسهم ، والسير على هداه في جهادهم . . ذلك كله من فضل الله .

( ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء . والله واسع عليم ) .

يعطي عن سعة ، ويعطي عن علم . . وما أوسع هذا العطاء ؛ الذي يختار الله له من يشاء عن علم وعن تقدير .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرۡتَدَّ مِنكُمۡ عَن دِينِهِۦ فَسَوۡفَ يَأۡتِي ٱللَّهُ بِقَوۡمٖ يُحِبُّهُمۡ وَيُحِبُّونَهُۥٓ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ يُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوۡمَةَ لَآئِمٖۚ ذَٰلِكَ فَضۡلُ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ} (54)

ولما نهى{[26442]} عن موالاتهم وأخبر أن فاعلها منهم . نفى المجاز مصرحاً بالمقصود فقال مظهراً لنتيجة ما سبق : { يا أيها الذين آمنوا } أي أقروا بالإيمان ! من يوالهم{[26443]} منكم - هكذا كان الأصل ، ولكنه صرح{[26444]} بأن ذلك{[26445]} ترك الدين فقال : { من يرتد } ولو على وجه خفي - بما أشار إليه الإدغام في قراءة من سوى المدنيين وابن عامر { منكم عن دينه } أي{[26446]} الذي معناه موالاة أولياء الله ومعاداة{[26447]} أعداء الله ، فيوالون أعداءه ويتركون أولياءه ، فيبغضهم الله ويبغضونه ، ويكونون أعزة على المؤمنين أذلة على الكافرين ، فالله غني عنهم { فسوف يأتي الله } اي الذي له الغنى المطلق والعظمة البالغة مكانهم وإن طال المدى بوعد صادق لا خلف فيه { بقوم{[26448]} } أي{[26449]} يكون حالهم ضد حالهم ، يثبتون على دينهم{[26450]} ، وهم أبو بكر والتابعون له بإحسان - رضي الله عنهم .

{[26451]} ولما كانت محبته أصل كل سعادة قدمها فقال : { يحبهم } فيثبتهم عليه ويثيبهم بكرمه أحسن الثواب { ويحبونه } فيثبتون عليه ، ثم وصفهم بما يبين ذلك فقال : { أذلة } وهو جمع ذليل{[26452]} ؛ ولما كان ذلهم هذا إنما هو الرفق ولين الجانب لا الهوان ، كان في الحقيقة عزاً ، فأشار{[26453]} إليه بحرف الاستعلاء مضمناً له معنى الشفقة ، فقال{[26454]} مبيناً أن تواضعهم عن علو منصب وشرف{[26455]} : { على{[26456]} المؤمنين } أي لعلمهم أن الله يحبهم { أعزة على الكافرين } أي يظهرون{[26457]} الغلظة والشدة عليهم لعلمهم أن الله خاذلهم ومهلكهم وإن اشتد أمرهم وظهر علوهم وقهرهم ، فالآية من الاحتباك : حذف أولاً البغض وما يثمره لدلالة الحب عليه ، وحذف ثانياً الثبات لدلالة الردة عليه ؛ ثم علل ذلك بقوله : { يجاهدون } أي يوقعون الجهاد على الاستمرار لمن يستحقه من غير ملال ولا تكلف كالمنافقين ، وحذف المفعول تعميماً ودل عليه مؤذناً بأن الطاعة محيطة بهم فقال : { في سبيل الله } أي طريق الملك الأعظم الواسع المستقيم الواضح ، لا لشيء غير ذلك كالمنافقين .

ولما كان المنافقون يخرجون في الجهاد{[26458]} ، فصلهم منهم بقوله : { ولا } أي والحال أنهم لا { يخافون لومة } أي واحدة من لوم { لائم } وإن كانت عظيمة وكان هو عظيماً ، فبسبب{[26459]} ذلك هم صلاب في دينهم ، إذا شرعوا في أمر من أمور الدين{[26460]} - أمر بالمعروف أو نهي عن منكر - كانوا كالمسامير{[26461]} المحماة ، لا يروِّعهم قول قائل ولا اعتراض معترض ، ويفعلون في الجهاد في{[26462]} ذلك جميع{[26463]} ما تصل{[26464]} قدرتهم وتبلغ قوتهم إليه من إنكال{[26465]} الأعداء وإهانتهم ومناصرة الأولياء ومعاضدتهم ، وليسوا كالمنافقين يخافون لومة{[26466]} أوليائهم من اليهود فلا يفعلون وإن كانوا مع{[26467]} المؤمنين شيئاً ينكيهم .

ولما كانت هذه الأوصاف من العلو في رتب المدح بمكان لا يلحق ، قال مشيراً إليها بأداة البعد واسم المذكر : { ذلك } أي الذي تقدم من أوصافهم العالية { فضل الله } أي الحاوي لكل كمال { يؤتيه } أي الله لأنه خالق لجميع أفعال العباد { من يشاء } أي فليبذل الإنسان كل الجهد في طاعته لينظر إليه هذا النظر{[26468]} برحمته { والله } أي الذي له الإحاطة الكاملة { واسع } أي محيط بجميع أوصاف الكمال ، فهو يعطي من سعة ليس لها حد ولا يلحقها أصلاً نقص{[26469]} { عليم * } أي بالغ العلم بمن يستحق الخير ومن يستوجب غيره ، وبكل ما يمكن علمه{[26470]} .


[26442]:في ظ: أنهى.
[26443]:من ظ، وفي الأصل: يواليهم.
[26444]:في ظ: بذلك.
[26445]:في ظ: بذلك.
[26446]:سقط من ظ.
[26447]:في ظ: معادة.
[26448]:زيد بعده في ظ: يحبهم ويحبونه.
[26449]:سقط من ظ.
[26450]:من ظ، وفي الأصل: دينه.
[26451]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[26452]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[26453]:من ظ، وفي الأصل: أشار.
[26454]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[26455]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[26456]:زيد قبله في ظ: أذلة.
[26457]:من ظ، وفي الأصل: يظهر كل – كذا.
[26458]:زيد بعده في ظ: به.
[26459]:في ظ: فسبب.
[26460]:في ظ: لنهي.
[26461]:في ظ: كالمنامير.
[26462]:من ظ، وفي الأصل: جميع ذلك.
[26463]:من ظ، وفي الأصل: جميع ذلك.
[26464]:في ظ: يصل.
[26465]:في ظ: انكا.
[26466]:في ظ: لوم.
[26467]:في ظ: من.
[26468]:زيد من ظ.
[26469]:في ظ: بعض.
[26470]:في ظ: حكمه.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرۡتَدَّ مِنكُمۡ عَن دِينِهِۦ فَسَوۡفَ يَأۡتِي ٱللَّهُ بِقَوۡمٖ يُحِبُّهُمۡ وَيُحِبُّونَهُۥٓ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ يُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوۡمَةَ لَآئِمٖۚ ذَٰلِكَ فَضۡلُ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ} (54)

قوله تعالى : { يأيها الذين ءامنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونهم أذلة على المؤمنين أعزة على الكفرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم ( 54 ) إنما وليكم الله ورسوله والذين ءامنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهو راكعون ( 55 ) ومن يتول الله ورسوله والذين ءامنوا فإن حزب الله هم الغالبون } .

نزلت هذه الآية في أهل الردة . وهذا من إعجاز القرآن ، إذ أخبر عن ارتداد العرب عقب وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم . فكان ما أخبره به الله في قرآنه قبل وقوعه . فقد ورد في السيرة عن ابن إسحق قال : لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم عظمت به مصيبة المسلمين . فكانت عائشة ، فيما بلغني تقول : لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتدت العرب واشرأبت اليهودية والنصرانية ونجم النفاق وصار المسلمون كالغنم المطيرة في الليلة الشاتية ، لفقد نبيهم صلى الله عليه وسلم ، حتى جمعهم الله على أبي بكر . وفيما ذكر أيضا أن أكثر أهل مكة لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم هموا بالرجوع عن الإسلام حتى خافهم عتاب بن أسيد ( والي مكة حينئذ ) فتوارى . فقام سهيل بن عمرو فحمد الله وأثنى عليه ثم ذكر وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : إن ذلك لم يزد الإسلام إلا قوة ، فمن رابنا ضربنا عنقه . فتراجع الناس وكفوا عما هموا به ، وظهر عتاب بن أسيد . فهذا المقام الذي أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله لعمر بن الخطاب : إنه عسى أن يقوم مقاما لا تذمه{[1006]} .

يتبين من مثل هذه القصة وغيرها من الأشباه والنظائر أن هذا القرآن معجز وأنه من عند الله وأن النبي صلى الله عليه وسلم مرسل من ربه ليكون للناس بشيرا ونذيرا .

قوله : { من يرتد منكم عن دينه } أصل يرتد يرتدد : بدالين . ويرتد بدال واحدة مشددة للإدغام .

وتأويل الآية يحتمل وجهين :

الأول : وهو تحذير المؤمنين من تولي المشركين ومناصرتهم في محاربة المسلمين .

فإن موالاة الكافرين ومعاضدتهم وذل العون والنصرة لهم لحرب المسلمين ليس إلا الردة التي ينسلخ بها المنافق من ربقة الإسلام ليكون في عداد الكافرين الذين تحل دماؤهم ، وليعلم هؤلاء أن الله سيأتي بأقوام آخرين ينصرون دينه .

الوجه الثاني : الكشف عن علم الله بأن قوما من المسلين سيرجعون عن الإسلام بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرهم الله أنه سيأتي بقوم يحبهم ويحبونه ، وعلى هذا الوجه فإن الآية إخبار عن غيب مستور ، وقد وقع ما أخبرت الآية به . وذلك وجه من وجوه الإعجاز في الكتاب الحكيم . وهذا مقتضى قوله تعالى : { فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه } ومحبة الله لعباده المؤمنين إنما هي على الكيفية والمعنى اللذين أرادهما الله . ومن ظواهر محبة الله للعباد أن يثيبهم أحسن الثواب على طاعتهم ويجزيهم بفيض الرضا والثناء . وأما محبة العباد لربهم فهو أن تميل قلوبهم ومشاعرهم إلى الله بما يشير إلى كامل التوجه إليه وصادق الإخلاص له وحده جل شأنه . وهو ما يقتضي منهم طاعة ربهم وابتغاء رضوانه ومجانبة زواجره ونواهيه .

قوله : { أذلة على المؤمنين } أذلة صفة لقوم . وهو جمع ذليل وليس ذلولا فجمعه ذلل . وليس المراد من كونهم أذلة أنهم مهانون يجدون في أنفسهم استخذاء وزراية . بل إن المراد المبالغة في وصفهم بالرفق والهوادة ولين الجانب . وذلك هو خلق المسلمين الحقيقيين فيما بينهم . فهم لا جرم أخوة متوادون متراحمون يعامل بعضهم بعضا بالتسامح والرأفة وفي غاية التواضع والرحمة .

قوله : { أعزة على الكفرين } أي أشداء في مواجهتهم متغلبون عليهم . من قوله عزّه أي غلبه . والمسلمون في ذلك يجدون في أنفسهم الإحساس بالعزة والاستعلاء لما تحفل به أذهانهم وتصوراتهم من مطلق القناعة الكاملة بروعة الإسلام وكماله وصلوحه . فهم بذلك على الحق ويدعون الناس إلى الحق .

قوله : { يجاهدون في سبيل الله } وذلك بكل أساليب الجهاد سواء بالكلمة الحانية المثلى أو المجادلة المؤثرة النافذة إلى القلوب والعقول ، أو القتال إذا لم تجد أسباب الهداية والمنطق والرفق . وذلك كله من أجل إعلاء كلمة الله وإحقاق الحق ليشيع في الآفاق وكيما تترسخ في الدنيا قواعد العدل والأمن والرحمة .

قوله : { ولا يخافون لومة لائم } الواو للعطف . أي أن المؤمنين الصادقين من شأنهم أنهم مجاهدون ابتغاء رضوان الله وأنهم أقوياء صلاب في الحق وفي الدعوة إلى الله مجاهرين عن ثقة ويقين بالإعلان عن دين الإسلام من غير أن يثنيهم عن ذلك خوف أو وجل ، أو تصدهم عنه لومة اللائمين على اختلاف مراتبهم ومسمياتهم . إن الدعاة إلى الإسلام لا يعبأون بكل هاتيك العراقيل التي ينصبها المعوقون والمبطلون والظالمون في طريق الإسلام . فهم ماضون على طريق الله داعين إليه على بصيرة مهما تفاقمت النوائب والخطوب حتى يحكم الله بأمره بين الناس وهو خير الحاكمين .

قوله : { ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم } اسم الإشارة هنا إلى ما تقدم ذكره من أوصاف المؤمنين بالتواد والتراحم فيما بينهم ، والعزة على الظالمين ، والمجاهدة لإعلاء كلمة الله ، وعدم الخشية من لومة اللائمين ، فإن ذلك كله حاصل للمؤمنين بفضل من الله وإحسان . والله جلت قدرته { واسع } أي كثير الفضل ، جواد . وهو كذلك { عليم } أي كامل العلم لا يخفى عليه شيء في الكون ، فلا يقع في إخباره ومواعيده خلف أو هو عليم بمصالح العباد{[1007]} .

وثمة مسألة عن المراد بالقوم الذين سيأتي بهم الله ، والذين يحبهم الله وهم يحبونه فقد قيل : إنهم أبو بكر وأصحابه الأبرار ، لأنهم هم الذين قاتلوا المرتدين فكسروا شوكتهم وأخضعوهم لسلطان الله وشرعه . وهو قول علي وآخرين من أهل العلم . وقيل : نزلت الآية في الأنصار ، لأنهم هم الذين نصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعانوه على إظهار الإسلام . وقيل : نزلت في أهل اليمن . ففي الحديث المرفوع أنه لما نزلت هذه الآية أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى أبي موسى الأشعري وقال : " هم قوم هذا " وقيل : غير ذلك .

أما ما تحذلقت به حناجر الروافض من أن الذين أقروا بخلافة أبي بكر وإمامته كلهم كافرون مرتدون ، فإنه ضرب من الهذيان الأرعن الذي لا يستحق غير الاستهجان والاستقباح والازدراء ، فهو تخريص باطل ومكذوب وفي غاية التهافت الفاجر والإسفاف الظلوم .

ومن الحق واليقين أن كلا من الخلفاء الراشدين الأربعة موضع ثقة وائتمان خالصين . وأن إمامتهم موضع احترام واعتبار وتقدير لدى كل المسلمين في سائر الأزمان . أما استدلال الروافض بهذه الآية على أن الإمام بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم هو علي ابن أبي طالب وأن أبا بكر وعمر وعثمان كانوا خاطئين لمخالفتهم مدلول هذه الآية وبانتزاعهم الإمامة من علي مع التشنيع عليهم بفاحش القول ، ومهين الشتائم ، فذلك محض فسق وافتراء وإيغال شنيع في الجهالة . بل إنه بهتان من القول تتقزز منه مشاعر المؤمنين الصادقين وفي طليعتهم على بن أبي طالب كرم الله وجهه ، فقد كان من أعلم الناس بتأويل الكتاب الحكيم وهو أعلم من هؤلاء الروافض بذلك قطعا فلو كانت الآية دالة على إمامته هو دون غيره لاحتج بها ولو مرة واحدة .


[1006]:- سيرة ابن هشام ج 4 ص 316.
[1007]:- تفسير القرطبي ج 6 ص 219- 221 وروح المعاني ج 6 ص 162- 164 وتفسير الرازي ج 12 ص 21- 26.