في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ وَٱلنُّجُومُ مُسَخَّرَٰتُۢ بِأَمۡرِهِۦٓۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ} (12)

والفوج الثالث من أفواج الآيات :

( وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر ، والنجوم مسخرات بأمره . إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون ) . .

ومن مظاهر التدبير في الخلق ، وظواهر النعمة على البشر في آن : الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم . فكلها مما يلبي حاجة الإنسان في الأرض . وهي لم تخلق له ولكنها مسخرة لمنفعته . فظاهرة الليل والنهار ذات أثر حاسم في حياة هذا المخلوق البشري . ومن شاء فليتصور نهارا بلا ليل أو ليلا بلا نهار ، ثم يتصور مع هذا حياة الإنسان والحيوان والنبات في هذه الأرض كيف تكون .

كذلك الشمس والقمر . وعلاقتهما بالحياة على الكوكب الأرضي ، وعلاقة الحياة بهما في أصلها وفي نموها ، ( والنجوم مسخرات بأمره )للإنسان ولغير الإنسان مما يعلم الله . .

وكل أولئك طرف من حكمة التدبير ، وتناسق النواميس في الكون كله ، يدركه أصحاب العقول التي تتدبر وتعقل وتدرك ما وراء الظواهر من سنن وقوانين : ( إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون ) .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ وَٱلنُّجُومُ مُسَخَّرَٰتُۢ بِأَمۡرِهِۦٓۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ} (12)

قوله تعالى : " وسخر لكم الليل والنهار " أي للسكون والأعمال ، كما قال : " ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله{[9820]} " [ القصص : 73 ] . " والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره " أي مذللات لمعرفة الأوقات ونضج الثمار والزرع والاهتداء بالنجوم في الظلمات . وقرأ ابن عامر وأهل الشام " والشمس والقمر والنجوم مسخرات " بالرفع على الابتداء والخبر . الباقون بالنصب عطفا على ما قبله . وقرأ حفص عن عاصم برفع " والنجوم " ، " مسخرات " خبره . وقرئ " والشمس والقمر والنجوم " بالنصب . " مسخرات " بالرفع ، وهو خبر ابتداء محذوف أي في مسخرات ، وهي في قراءة من نصبها حال مؤكدة ، كقوله : " وهو الحق مصدقا " {[9821]} [ البقرة : 91 ] . " إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون " أي يعقلون عن الله ما نبههم عليه ووفقهم له .


[9820]:راجع ج 13 ص 308.
[9821]:راجع ج 2 ص 29.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ وَٱلنُّجُومُ مُسَخَّرَٰتُۢ بِأَمۡرِهِۦٓۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ} (12)

ولما كان ربما قال بعض الضلال : إن هذه الأشياء مستندة إلى تأثير الأفلاك ، نبه على أنها لا تصلح لذلك بكونها متغيرة فلا بد لها من قاهر أثر فيها التغير ، ولا يزال الأمر كذلك إلى أن ينتهي إلى واحد قديم فاعل بالاختيار ، لما تقرر من بطلان التسلسل ، فقال تعالى : { وسخر لكم } أي أيها الناس لإصلاح أحوالكم { الَّيل } للسكنى { والنهار } للابتغاء ؛ ثم ذكر آية النهار فقال تعالى : { والشمس } أي لمنافع اختصها بها ، ثم ذكر آية الليل فقال : { والقمر } لأمور علقها به { والنجوم } أي لآيات نصبها لها ، ثم نبه على تغيرها بقوله : { مسخرات } أي بأنواع التغير لما خلقها له على أوضاع دبرها { بأمره } سبباً لصلاحكم وصلاح ما به قوامكم ، دلالة على وحدانيته وفعله بالاختيار ، ولو شاء لأقام أسباباً غيرها أو أغنى عن الأسباب .

ولما كان أمرها مع كونه محسوساً - ليس فيه من المنافع القريبة الأمر السهلة الملابسة ما يشغل عن الفكر فيه ، لم يحل أمره إلى غير مطلق العقل ، إشارة إلى وضوحه وإن كان لا بد فيه من استعمال القوة المفكرة ، ولأن الآثار العلوية أدل على القدرة الباهرة ، وأبين شهادة للكبرياء والعظمة ، فقال : { إن في ذلك } أي التسخير العظيم { لآيات } أي كثيرة متعددة عظيمة { لقوم يعقلون } وجمع الآيات لظهور تعدادها بالتحديث عنها مفصلة .