والفوج الثاني من آيات الخلق والنعمة :
( هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ، ومنه شجر فيه تسيمون ، ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ، ومن كل الثمرات . إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون ) . .
والماء ينزل من السماء وفق النواميس التي خلقها الله في هذا الكون ، والتي تدبر حركاته ، وتنشيء نتائجها وفق إرادة الخالق وتدبيره ، بقدر خاص من أقداره ينشيء كل حركة وكل نتيجة . هذا الماء يذكر هنا نعمة من نعم الله ( لكم منه شراب )فهي خصوصية الشراب التي تبرز في هذا المجال ثم خصوصية المرعى ( ومنه شجر فيه تسيمون )وهي المراعي التي تربون فيها السوائم . ذلك بمناسبة ذكر الأنعام قبلها وتنسيقا للجو العام بين المراعي والأنعام .
الشراب ما يشرب ، والشجر معروف . أي ينبت من الأمطار أشجارا وعروشا ونباتا . و " تسيمون " ترعون إبلكم ، يقال : سامت السائمة تسوم سوما أي رعت ، فهي سائمة . والسوام والسائم بمعنى ، وهو المال الراعي . وجمع السائم والسائمة سوائم . وأسمتها أنا أي أخرجتها إلى الرعي ، فأنا مسيم وهي مسامة وسائمة . قال :
أولى لك ابنَ مُسِيمَةِ الأجمالِ{[9815]}
وأصل السوم الإبعاد في المرعى . وقال الزجاج : أخذ من السومة وهي العلامة ، أي أنها تؤثر في الأرض علامات برعيها ، أو لأنها تعلم للإرسال في المرعى .
قلت : والخيل المسومة تكون المرعية . وتكون المعلمة . وقوله : " مسومين " [ آل عمران : 125 ] قال الأخفش : تكون معلمين وتكون مرسلين ، من قولك : سوم فيها الخيل أي أرسلها ، ومنه السائمة ، وإنما جاء بالياء والنون ؛ لأن الخيل سومت وعليها ركبانها .
ولما كان ما مضى كفيلاً ببيان أنه الواحد المختار ، شرع يوضح ذلك بتفصيل الآيات إيضاحاً يدعه في أتم انكشاف في سياق معدّد للنعم مذكر بها داع إلى شكرها ، فقال بعد ما دل به من الإنسان وما يليه في الشرف من الحيوان مبتدئاً بما يليهما في الشرف من النبات الذي هو قوام حياة الإنسان وما به قوام حياته من الحيوان : { هو } لا غيره مما تدعي فيه الإلهية { الذي أنزل } أي بقدرته الباهرة { من السماء } قيل : نفسها . وقيل : جهتها ، وقيل : السحاب - كما هو مشاهد { ماء } أي واحداً تحسونه بالذوق والبصر { لكم منه } أي خاصة { شراب } ظاهر على وجه الأرض من العيون والأنهار والغدران وغيرها .
ولما كان أول ما يقيم الآدمي شراب اللبن الناشىء عن الماء فقدمه ، أتبعه ما ينشأ منه أشرف أغذيته وهو الحيواني ، فقال تعالى : { ومنه شجر } لسريانه في الأرض الواحدة واختلاطه بها ، فينعقد من ذلك نبات { فيه تسيمون * } أي ترعون على سبيل الإطلاق ليلاً ونهاراً ما خلق لكم من البهائم ، والشجر هنا - بما أفهمته الإسامة - عام لما يبقى في الشتاء حقيقة ، ولغيره مجازاً ؛ قال القزاز : الشجر ما بقي له ساق في الشتاء إلى الصيف ، ثم يورق ، والبقل ما لا يبقى له ساق ، قال الخليل : جل الشجر عظامه وما يبقى منه في الشتاء ، ودقه صنفان : أحدهما تبقى له أرومة في الأرض في الشتاء ، وينبت في الربيع ، ومنه ما ينبت من الأرض كما تنبت البقلة ، والفرق بينه وبين البقل أن الشجر يبقى له أرومة على الشتاء ولا يبقى للبقل ، وعن أبي حنيفة رضي الله عنه أن النبات ثلاثة أقسام : شجر وهو ما يبقى في الشتاء ، ولا يذهب فرعه ولا أصله ، وما نبت في بزر ولم ينبت في أرومة ثابتة فهو البقل ، وما نبت في أرومة - أي أصل - وكان مما يهلك فرعه وأصله في الشتاء فهو الجنبة ، لأنه فارق الشجر الذي يبقى فرعه وأصله ، والبقل الذي يبيد فرعه وأصله ، فكان جنبة بينهما .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.