في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{۞مِنۡهَا خَلَقۡنَٰكُمۡ وَفِيهَا نُعِيدُكُمۡ وَمِنۡهَا نُخۡرِجُكُمۡ تَارَةً أُخۡرَىٰ} (55)

ويكمل السياق حكاية قول موسى بقول مباشر من الله جل وعلا :

( منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى . ولقد أريناه آياتنا كلها فكذب وأبى ) .

من هذه الأرض التي جعلناها لكم مهدا وسلكنا لكم فيها سبلا وأنزلنا من السماء ماء فأنبتنا به أزواجا من نبات شتى ، للأكل والمرعى . . من هذه الأرض خلقناكم ، وفي هذه الأرض نعيدكم ، ومنها نخرجكم بعد موتكم .

والإنسان مخلوق من مادة هذه الأرض . عناصر جسمه كلها من عناصرها إجمالا . ومن زرعها يأكل ، ومن مائها يشرب ، ومن هوائها يتنفس . وهو ابنها وهي له مهد . وإليها يعود جثة تطويها الأرض ، ورفاتا يختلط بترابها ، وغازا يختلط بهوائها . ومنها يبعث إلى الحياة الأخرى ، كما خلق في النشأة الأولى .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{۞مِنۡهَا خَلَقۡنَٰكُمۡ وَفِيهَا نُعِيدُكُمۡ وَمِنۡهَا نُخۡرِجُكُمۡ تَارَةً أُخۡرَىٰ} (55)

قوله تعالى : " منها خلقناكم " يعني آدم عليه السلام لأنه خلق من الأرض ، قاله أبو إسحاق الزجاج وغيره . وقيل : كل نطفة مخلوقة من التراب ، على هذا يدل ظاهر القرآن . وروى أبو هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما من مولود وقد ذر عليه من تراب حفرته ) أخرجه أبو نعيم الحافظ في باب ابن سيرين ، وقال : هذا حديث غريب من حديث عون لم نكتبه إلا من حديث أبي عاصم النبيل ، وهو أحد الثقات الأعلام من البصرة . وقد مضى هذا المعنى مبينا في سورة " الأنعام " {[11098]} . عن ابن مسعود . وقال عطاء الخراساني : إذا وقعت النطفة الرحم انطلق الملك الموكل بالرحم فأخذ من تراب المكان الذي يدفن فيه على النطفة فيخلق الله النسمة من النطفة ومن التراب ، فذلك قوله تعالى " منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى " . وفي حديث البراء عن النبي صلى الله عليه وسلم ( إن العبد المؤمن إذا خرجت روحه صعدت به الملائكة فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا ما هذه الروح الطيبة ؟ فيقولون : فلان بن فلان بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا فيستفتحون لها فيستفتحون فيفتح فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها حتى ينتهي بها إلى السماء السابعة فيقول الله عز وجل : " اكتبوا لعبدي كتابا في عليين وأعيدوه إلى الأرض فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى " فتعاد روحه في جسده ) وذكر الحديث . وقد ذكرناه بتمامه في كتاب " التذكرة " وري من حديث علي رضي الله عنه ، ذكره الثعلبي . ومعنى " وفيها نعيدكم " أي بعد الموت " ومنها نخرجكم " أي للبعث والحساب . " تارة أخرى " يرجع هذا إلى قوله : " منها خلقناكم " لا إلى " نعيدكم " . وهو كقولك اشتريت ناقة ودارا وناقة أخرى ، فالمعنى : من الأرض أخرجناكم ونخرجكم بعد الموت من الأرض تارة أخرى .


[11098]:راجع جـ 6 ص 387 فما بعد.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{۞مِنۡهَا خَلَقۡنَٰكُمۡ وَفِيهَا نُعِيدُكُمۡ وَمِنۡهَا نُخۡرِجُكُمۡ تَارَةً أُخۡرَىٰ} (55)

ولما أخبر سبحانه وتعالى عما خلق في الأرض من المنافع الدالة على تمام علمه وباهر قدرته ، على وجه دالّ على خصوص القدرة على البعث{[49345]} ، وكان من الفلاسفة تناسخيتهم وغيرهم من يقر لله بالوحدانية ولا يقر بقول أهل الإسلام : إن الروح جسم لطيف سار في الجسم سريان النار في الفحم ، بل يقول : إنها ليست بجسم ولا قوة في جسم ولا صورة لجسم وليست متصلة به اتصال انطباع ولا حلول فيه ، بل اتصال تدبير وتصرف ، وأنها إذا فارقت البدن اتصلت بالروحانيين من العالم العقلي الذي هو عالم المجردات وانخرطت في سلك الملائكة المقربين ، أو اتصلت ببعض الأجرام السماوية من كوكب أو غيره كاتصالها بالبدن الأول وانقطع تعلقها به فلم تعد إليه حتى ولا يوم البعث عند من يقول منهم بالحشر{[49346]} ، وصل بذلك قوله تعالى ، يرد عليهم ، معبراً بالضمير الذي يعبر به الهيكل المجتمع من البدن والنفس{[49347]} : { منها } أي الأرض لا من غيرها{[49348]} { خلقناكم } إذ أخرجناكم منها {[49349]}بالعظمة الباهرة{[49350]} في النشأة الأولى بخلق أبيكم آدم عليه السلام { وفيها } لا في غيرها كما أنتم كذلك تشاهدون{[49351]} { نعيدكم } بالموت كذلك أجساماً وأرواحاً{[49352]} ، فتصيرون تراباً كما كنتم ، وللروح مع ذلك وإن كانت في عليين تعلق ببدنها بوجه ما ، يدرك البدن به اللذة بالتذاذها والألم بتألهما ، وقد صح أن الميت يقعد في قبره ويجيب سؤال الملكين عليهما السلام{[49353]} ، لا{[49354]} يقدر أحد منكم أن يخلص من تلك العظمة المحيطة بجليل عظمته ولا بدقيق حكمته { ومنها } لا من غيرها{[49355]} { نخرجكم } يوم البعث{[49356]} بتلك العظمة بعينها{[49357]} { تارة أخرى* } كما بدأناكم أول مرة{[49358]} مثل ما فعلنا في النبات سواء ، فقد علم أن هذا فعل الواحد المختار ، لا فعل الطبائع ، فمرة جعلكم أحياء من شيء ليس له أصل في الحيوانية أصلاً ، وكرة{[49359]} ردكم إلى ما كنتم عليه قبل الحياة تراباً لا روح فيه ولا ما يشبهها ، فلا ريب أن فاعل ذلك قادر على أن يخرجكم منها أحياء كما ابتدأ ذلك ، بل الإعادة أهون في مجاري العادة .


[49345]:زيد من ظ ومد.
[49346]:زيد ما بين الحاجزين من مد.
[49347]:زيد ما بين الحاجزين من مد.
[49348]:زيد ما بين الحاجزين من مد.
[49349]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[49350]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[49351]:زيد ما بين الحاجزين من مد.
[49352]:زيد ما بين الحاجزين من مد.
[49353]:زيد ما بين الحاجزين من مد.
[49354]:من مد، وفي الأصل: لم والعبارة من هنا إلى "بدقيق حكمته" ساقطة من ظ.
[49355]:زيد من مد.
[49356]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[49357]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[49358]:زيد من مد.
[49359]:من ظ ومد في الأصل: مرة.