في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{كَذَّبَتۡ قَوۡمُ نُوحٍ ٱلۡمُرۡسَلِينَ} (105)

105

( كذبت قوم نوح المرسلين ) . .

تلك هي النهاية . نهاية القصة . يبدأ بها لإبرازها منذ البداية . ثم يأخذ في التفصيل .

وقوم نوح لم يكذبوا إلا نوحا . ولكنه يذكر أنهم كذبوا المرسلين . فالرسالة في أصلها واحدة ، وهي دعوة إلى توحيد الله ، وإخلاص العبودية له . فمن كذب بها فقد كذب بالمرسلين أجمعين ، فهذه دعوتهم أجمعين . والقرآن يؤكد هذا المعنى ويقرره في مواضع كثيرة ، بصيغ متعددة ، لأنه كلية من كليات العقيدة الإسلامية ، تحتضن بها الدعوات جميعا ؛ وتقسم بها البشرية كلها إلى صفين : صف المؤمنين وصف الكافرين ، على مدار الرسالات ومدار القرون . وينظر المسلم فإذا الأمة المؤمنة لكل دين وكل عقيدة من عند الله هي أمته ، منذ فجر التاريخ إلى مشرق الإسلام دين التوحيد الأخير . وإذا الصف الآخر هم الكفار في كل ملة وفي كل دين . وإذا المؤمن يؤمن بالرسل جميعا ، ويحترم الرسل جميعا ، لأنهم جميعهم حملة رسالة واحدة هي رسالة التوحيد .

إن البشرية لا تنقسم في تقدير المسلم إلى أجناس وألوان وأوطان . إنما تنقسم إلى أهل الحق وأهل الباطل . وهو مع أهل الحق ضد أهل الباطل . في كل زمان وفي كل مكان . وهكذا يتوحد الميزان في يد المسلم على مدار التاريخ كله ؛ وترتفع القيم في شعوره عن عصبية الجنس واللون واللغة والوطن ، والقرابات الحاضرة أو الموغلة في بطن التاريخ . ترتفع فتصبح قيمة واحدة . هي قيمة الإيمان يحاسب بها الجميع ، ويقوم بها الجميع .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{كَذَّبَتۡ قَوۡمُ نُوحٍ ٱلۡمُرۡسَلِينَ} (105)

قصة نوح عليه السلام مع قومه

[ 105-122 ]

{ كذبت قوم نوح المرسلين( 105 ) إذ قال لهم أخوهم ألا تتقون( 106 ) إني لكم رسول أمين( 107 ) فاتقوا الله وأطيعون ( 108 ) وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين( 109 ) فاتقوا الله وأطيعون( 110 )*قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون( 111 ) قال وما علمي بما كانوا يعملون( 112 ) إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون( 113 ) وما أنا بطارد المؤمنين( 114 ) إن أنا إلا نذير مبين( 115 ) قالوا لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين( 116 ) قال رب إن قومي كذبون( 117 ) فافتح بيني وبينهم فتحا ونجني ومن معي من المؤمنين( 118 ) فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون( 119 ) ثم أغرقنا بعد الباقين( 120 ) إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين( 121 ) وإن ربك لهو العزيز الرحيم( 122 ) } .

المفردات :

القوم : اسم لا واحد له من لفظه ، كرهط ونفر ، يذكر ويؤنث .

105

التفسير :

105 ، 106- { كذبت قوم نوح المرسلين*إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون } .

تأتي قصة نوح في سلسلة عدد من المرسلين ، دعوا أقوامهم إلى توحيد الله ، والتمسك بالفضائل ، ولكن أقوامهم كذبوهم فاستحقوا عقاب الله تعالى .

ونلحظ هنا أن قوم نوح كذبوا نوحا وحده ، لكن لما كانت دعوة الرسل واحدة ، كان تكذيب رسول منهم تكذيبا لهم أجمعين .

والمعنى :

كذبت قوم نوح رسالات السماء ، حين قال لهم أخوهم نوح : ألا تتقون الله وتراقبونه ، وتؤمنون به سبحانه .

ونلحظ أن نوحا نشأ بينهم ، وهم يعرفون حسبه ونسبه وأمانته ، وكل ذلك يكون داعيا إلى تصديقه . لكن المكذبين يرون أن الرسالة امتياز ، فيجحدون ويكذبون ، حتى لا يتفضل الرسول على قومه ، ولا يتميز عليهم ، وهو لون من ألوان الحقد ، كما قال تعالى على لسان قوم نوح : { ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم . . } [ المؤمنون : 24 ] .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{كَذَّبَتۡ قَوۡمُ نُوحٍ ٱلۡمُرۡسَلِينَ} (105)

قوله تعالى : { كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ ( 105 ) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ ألا تَتَّقُونَ ( 106 ) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ( 107 ) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ( 108 ) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ ( 109 ) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ( 110 ) قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ ( 111 ) قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ( 112 ) إِنْ حِسَابُهُمْ إِلا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ ( 113 ) وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ ( 114 ) إِنْ أَنَا إِلا نَذِيرٌ مُّبِينٌ ( 115 ) قَالُوا لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ ( 116 ) قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ ( 117 ) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَن مَّعِي مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( 118 ) فَأَنجَيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ( 119 ) ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ ( 120 ) إِنَّ فِي ذَلِكَ لآية وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ ( 121 ) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ } .

ذلك إخبار من الله عن عبد عظيم من عباده المصطفين أولي العزم من الرسل وهو نوح عليه السلام ؛ إذ بعثه الله إلى أهل الأرض داعيا لهم على عبادة الله وحده ونبذ الأصنام وعدم الاغترار بها فإنها جامدة هامدة بلهاء . لكن قومه الضالين كذبوه وخالفوه وتصدوا له بالإيذاء والتنكيل وهو قوله : { كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ } أي كذبت جماعة قوم نوح المرسلين . وذكر المرسلين بالجمع مع أن المراد رسول الله نوح ، لان من كذب رسولا فقد كذب سائر الرسل . فالإيمان وحدة متكاملة لا تتجزأ وإنما يناط بالمؤمنين من كل الأمم والشعوب أن يؤمنوا بالنبيين والمرسلين كافة دون تفريق بين أحد منهم .