والآية الثالثة تعقيب على الأحكام السابقة جميعا :
( كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون ) . .
كذلك . . كهذا البيان الذي سلف في هذه الأحكام . . وهو بيان محكم دقيق موح مؤثر . . كذلك يبين الله لكم آياته عسى أن تقودكم إلى التعقل والتدبر فيها ، وفي الحكمة الكامنة وراءها ، وفي الرحمة المتمثلة في ثناياها ، وفي النعمة التي تتجلى فيها . نعمة التيسير والسماحة ، مع الحسم والصرامة ، ونعمة السلام الذي يفيض منها على الحياة .
ولو تعقل الناس وتدبروا هذا المنهج الإلهي لكان لهم معه شأن . . هو شأن الطاعة والاستسلام والرضى والقبول . . والسلام الفائض في الأرواح والعقول . .
{ كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون }
أي بمثل هذا البيان الحكيم الواضح ، لأحكام النكاح والطلاق والعدة بأنواعها والمتعة وغير ذلك يبين الله لكم آياته كلها في شريعته ، لكي تدركوا أسرارها وتعقلوا أغراضها فتنفذوها عن يقين واقتناع .
وإلى هنا تكون سورة البقرة قد بينت لنا في أكتر من عشرين آية ، بعض الأحكام التي تتعلق بالأسرة وصيانتها وسعادتها ، بأسلوب مؤثر وحكيم ، وبطريقة تهدي إلى أفضل الأخلاق وأقوم العلاقات بين الأفراد والجماعات ، وإن المتأمل في هذه الآيات وما اشتملت عليه من توجيهات سامية ، ليوقن بأن هذا القرآن غنما هو من عند الله ، الذي شرع لعباده ما فيه صلاحهم وسعادتهم .
ولما بيّن سبحانه وتعالى هذه الأحكام هذا البيان الشافي كان كأن{[11375]} سائلاً قال : هل يبين غيرها مثلها{[11376]} ؟ فقال : { كذلك } أي مثل هذا البيان { يبين الله } {[11377]}أي الذي له الحكمة البالغة لأنه المحيط بكل شيء{[11378]} { لكم آياته } أي المرئية بما يفصل{[11379]} لكم في آياته المسموعة { لعلكم تعقلون{[11380]} * } أي لتكونوا على حال يرجى لكم معها التفكر في الآيات المسموعات والآيات المرئيات كما يفعل العقلاء فيهديكم ذلك إلى سواء السبيل ؛ وقد كرر مثل هذا القول كثيراً وفصلت به الآيات تفصيلاً{[11381]} وكان لعمري يكفي الفطن السالم من مرض القلب وآفة{[11382]} الهوى إيراده مرة واحدة{[11383]} في الوثوق بمضمونه والركون{[11384]} إلى مدلوله ، وإنما كرر تنبيهاً على بلاغة الآيات المختومة به وخروجها عن طوق{[11385]} البشر وقدرة المخلوق ، وذلك أنهم كلما سمعوا شيئاً من ذلك وهم أهل السبق في البلاغة والظفر على جميع أرباب الفصاحة والبراعة{[11386]} فرأوه فائتاً{[11387]} لقواهم وبعيداً من قدرهم{[11388]} خطر لهم{[11389]} السؤال عن مثل ذلك البيان ناسين لما تقدم من صادق الوعد وثابت القول بأن الكل على هذا المنوال البديع المثال البعيد المنال ، لما اعتراهم من دهش العقول وانبهار الألباب والفهوم .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.