في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوۡنَ مِنكُمۡ وَيَذَرُونَ أَزۡوَٰجٗا يَتَرَبَّصۡنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرۡبَعَةَ أَشۡهُرٖ وَعَشۡرٗاۖ فَإِذَا بَلَغۡنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ فِيمَا فَعَلۡنَ فِيٓ أَنفُسِهِنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ} (234)

221

وبعد استيفاء التشريع للمطلقات وللآثار المتخلفة عن الطلاق يأخذ في بيان حكم المتوفى عنها زوجها . . عدتها . وخطبتها بعد انقضاء العدة . والتعريض بالخطبة في أثنائها :

( والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا . فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف . والله بما تعملون خبير ) .

( ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم في أنفسكم . علم الله أنكم ستذكرونهن . ولكن لا تواعدوهن سرا ، إلا أن تقولوا قولا معروفا . ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله . واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه . واعلموا أن الله غفور حليم ) . .

والمتوفى عنها زوجها كانت تلقى الكثير من العنت من الأهل وقرابة الزوج والمجتمع كله . . وعند العرب كانت إذا مات زوجها دخلت مكانا رديئا ولبست شر ثيابها ولم تمس طيبا ولا شيئا مدة سنة ، ثم تخرج فتقوم بعدة شعائر جاهلية سخيفة تتفق مع سخف الجاهلية ، من أخذ بعرة وقذفها ومن ركوب دابة : حمار أو شاة . . . إلخ . . فلما جاء الإسلام خفف عنها هذا العنت ، بل رفعه كله عن كاهلها ؛ ولم يجمع عليها بين فقدان الزوج واضطهاد الأهل بعده . . وإغلاق السبيل في وجهها دون حياة شريفة ، وحياة عائلية مطمئنة . جعل عدتها أربعة أشهر وعشر ليال - ما لم تكن حاملا فعدتها عدة الحامل - وهي أطول قليلا من عدة المطلقة . تستبريء فيها رحمها ، ولا تجرح أهل الزوج في عواطفهم بخروجها لتوها . وفي أثناء هذه العدة تلبس ثيابا محتشمة ولا تتزين للخطاب . فأما بعد هذه العدة فلا سبيل لأحد عليها . سواء من أهلها أو من أهل الزوج . ولها مطلق حريتها فيما تتخذه لنفسها من سلوك شريف في حدود المعروف من سنة الله وشريعته ، فلها أن تأخذ زينتها المباحة للمسلمات ، ولها أن تتلقى خطبة الخطاب ، ولها أن تزوج نفسها ممن ترتضي . لا تقف في سبيلها عادة بالية ، ولا كبرياء زائفة . وليس عليها من رقيب إلا الله :

( والله بما تعملون خبير ) . .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوۡنَ مِنكُمۡ وَيَذَرُونَ أَزۡوَٰجٗا يَتَرَبَّصۡنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرۡبَعَةَ أَشۡهُرٖ وَعَشۡرٗاۖ فَإِذَا بَلَغۡنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ فِيمَا فَعَلۡنَ فِيٓ أَنفُسِهِنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ} (234)

عدة المتوفى عنها زوجها

221

{ والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف والله بما تعملون خبير( 234 ) }

المفردات :

ويذرون أزواجا : جمع زوج ، ويستوي فيه المذكر والمؤنث والمقصود هنا الزوجات أي يتركون زوجات لهم في عصمتهم وقت الوفاة .

يتربصن : ينتظرن في بيت لزوجية .

المعنى الإجمالي :

والذين يتوفون منكم أيها الرجال ويتركون زوجات لهم غير حوامل ، فعليهن أن يمكثن بعدهم دون تعرض للزواج ، مدة أربعة أشهر هلالية وعشر ليال بأيامها ، استبراء للرحم وحدادا على الأزواج ، فإذا انتهت هذه المدة فلا تبعة عليكم أيها الأولياء لو تركتموهن يأتين من شريف الأعمال التي يرضاها الشرع ليصلن بها إلى الزواج فلا ينبغي أن تمنعوهن من ذلك ولا يجوز لهن أن يأتين من الأعمال ما ينكره الشرع ويأباه ، فإن الله مطلع على سرائركم ويعلم أعمالكم فيحاسبكم على ما تعملون .

التفسير :

{ والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا . . . }

والذين يتوفاهم الله تعالى منكم أيها المسلمون ويتركون من خلفهم أزواجا ، فعلى هؤلاء الأزواج اللاتي ارتبطن برجالهن ارتباطا قويا متينا ، ثم فرق الموت بينهم وبينهن ، عليهن أن : { يتربصن بأنفسهم أربعة أشهر وعشرا . . . } أي عليهم أن ينتظرن انقضاء عدتهن ، فيحسبن أنفسهم عن الزواج وعن التزيين وعن التعرض للخطاب ، مدة أربعة أشهر وعشر ليال ، وفاء لحق الزوج المتوفي واستبراء للرحم .

قال الأستاذ سيد قطب : " والمتوفي عنها زوجها كانت تلقي الكثير من العنت من الأهل وقرابة الزوج والمجتمع كله .

وعند العرب كانت المرأة إذا مات زوجها دخلت مكانا رديئا ، ولبست شر ثيابها ولم تمس طيبا ولا شيئا مدة سنة ، ثم تخرج فتقوم بعدة شعائر الجاهلية ، من أخذ بعرة وقذفها ومن ركوب دابة كالحمار . . . إلخ . فلما جاء الإسلام خفف عنها هذا النعت بل رفعه كله عن كاهلها ، ولم يجمع عليها بين فقدان الزوج واضطهاد الأهل بعده . . . وإغلاق السبيل في وجهها دون حياة شريفة ، وحياة عائلية مطمئنة . . جعل عدتها أربعة أشهر وعشر ليال ما لم تكن حاملا فعدتها عدة الحامل ، وهي أطول قليلا من عدة المطلقة . تستبرئ فيها رحمها ولا تجرح أهل الزوج في عواطفهم بخروجها لتوها وفي أثناء هذه العدة تلبس ثيابا محتشمة ولا تتزين للخطاب . فأما بعد هذه العدة فلا سبيل لأحد عليها ، سواء من أهلها أو من أهل الزوج ، ولها مطلق الحرية فيما تتخذه لنفسها من سلوك شريف في حدود المعروف من سنة الله تعالى وشريعته ، فلها أن تأخذ زينتها المباحة للمسلمات ولها أن تتلقى خطبة الخطاب ولها أن تزوج نفسها ممن ترضى لا تقف في سبيلها عادة بالية ولا كبرياء زائفة ، وليس عليها من رقيب إلا الله( 279 ) .

والتعبير بقوله : { يتربصن بأنفسهن } تعبير دقيق حكيم أي عليهن أن يمنعن أنفسهن عن النكاح وعن التزيين وعن الخروج من منزل الزوجية إلا إذا كانت هناك ضرورة لهذا الخروج مدة أربعة أشهر وعشرة أيام ، وذلك لأن المرأة المؤمنة الوفية يأبى عليها دينها ووفاؤها لزوجها المتوفى عنها ، أن تعرض نفسها على غيره بعد فترة قصيرة من وفاته ، فإن هذا أمر مستهجن في شرع الله ، وفي عرف العقلاء من الناس ، إذ هذه المدة التي جاءت في الآية التي حددها الله تعالى لمعرفة براءة الرحم من الحمل ، وهي التي تخف فيها مرارة الفراق بين زوجين ، ربط الله بينهما برابطة المودة والرحمة .

والحكمة من جعل العدة أربعة أشهر وعشرا أمران :

أولهما : أن الأشهر الأربعة هي المدة التي فيها الحمل ويستبين ، وقد جعلت العشر بعدها للاحتياط .

ثانيهما : أن مدة أربعة الأشهر هي المدة التي قدرها الشارع أقصى مدة للحرمان من الرجال ، ولذلك جعل الإيلاء مدته أربعة أشهر . فكان التنسيق بالأحكام الشرعية أن تجعل مدة الإحداد على الأزواج في حدود هذه المدة ومقاربة لها في الجملة( 280 ) .

{ فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف }

أي فإذا بلغن أجلهن واستوفين عدة الوفاة الواجبة عليهن كاملة دون نقص واستبان حال الرحم ، فلم يكن فيه حمل ، فلا جناح ليكم أيها المسلمون فيما فعلن في أنفسهم من زينة وغيرها مما امتنعن عنه إبان فترة العدة .

وينبغي أن يكون الفطام تدريجيا ويجوز أن يفطم الصغير لأقل من عامين من ولادته ، إذا كانت صحته تعاونه على ذلك ، أما إذا كانت صحته لا تعاونه ، ولا يستسيغ الطعام الخارجي فإنه يستمر حتى يتم حولين كاملين وبعدهما يمكن أن يستغني الطفل استغناءا كاملا عن لبن الأم .

وقد أثبت الأطباء الثقاة أهمية لبن الأم وحنانها ورعايتها ، في تحسين أحوال الطفل النفسية والصحية .

{ لمن أراد أن يتم الرضاعة } أي أن هناك الحكم لمن أراد إتمام الرضاعة ف‘ذا أراد الأبوان أن ينقصا مدة الرضاع عن الحولين كان لهما ذلك .

قال النسفي : والحاصل أن الأب يجب عليه إرضاع ولده دون الأم ، وعليه أن يتخذ له ظئرا إلا إذا تطوعت الأم بإرضاعه وهي مندوبة إلى ذلك ولا تجبر عليه ، ولا يجوز استئجار الأم ما دامت زوجته أو معتدة( 277 ) .

ونرى أن الأب والأم كلاهما شريك في التبعة وكلاهما مسئول تجاه هذا الصغير الرضيع وهي تمده باللبن والحضانة ، وأبوه يمدها بالغذاء والكساء لترعاه ، وهناك تكامل وتعاون إنساني وعاطفي في رعاية الصغير ، فالفطرة توجب على الأم كفالة الطفل وإرضاعه والعناية به ، كما أوجب الله تعالى على الآباء أن يقدموا إلى الوالدات ما يلزمهن من نفقة وكسوة بالمعروف ، أي بالطريقة التي تعارف عليها العقلاء دون إسراف أو تقتير .

{ وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف } والمراد برزقهن نفقتهن .

وقد أوجبت الآية على الوالد أن ينفق على أم رضيعه يكسوها سواء أكانت زوجة له أو مطلقة منه ، وذلك أجرة لها على إرضاع ولدهما ، بهذا قال الشافعي .

وعند الأحناف : لا تأخذ الزوجة أجرة على الرضاع ما دامت في عصمة الزوج أو العدة ، اكتفاء بنفقتها المشروعة لها وكل من النفقة والكسوة واجبان حسب المعروف بين الناس ، بلا إسراف ولا تقتير بحيث تكون في وسع طاقته .

{ لا تكلف نفس إلا وسعها . . . }

فكل منهما يؤدي واجبه في حدود طاقته ، فلا يلزم الوالد بما يشق عليه ، بل يكون الأجر في حدود طاقته . ولا تلزم الأم بالإرضاع دون نفقة كافية لها وللرضيع ، بل ينبغي أن يتعاونا الطرفان وأن يقوم كل طرف بواجبه نحو ولده .

{ لا تضار والدة بولدها ولا مولود بولده . . . }

فلا يستغل الأب عواطف الأم وحنانها ولفتها ليهددها فيه ، أو تقبل رضاعه بلا مقابل ، ولا ينبغي أن يكلفها بما ليس في مقدورها ، أو ما يخالف وظيفتها ولا ينبغي أن يمنعها شيئا من نفقتها .

ولا تضار والدة زوجها بسبب ولدها ، بأن تطلب منه ما ليس بعدل من الرزق والكسوة ، وأن تشغل قلبه بالتفريط في شأن الولد ، وأن تقول اطلب مرضعا ، بعد أن ألفها الرضيع .

وقدمت الأم في الجملة الكريمة لأن الشأن فيها أن يكون حنانها أشد ، وعاطفتها أرق ، ولأن مظنة إنزال العنف والأذى بها أقرب لضعفها عن الأب .

فالجملة الكريمة توجيه سديد وإرشاد حكيم للآباء والأمهات ، إلى أن يقوم كل منهما بواجبه نحو الأولاد الذين هم ثمار لهما .

{ وعلى الوارث مثل ذلك }

والوارث هو من يصير إليه مال الميت بعد الموت بحق الإرث والإشارة بقوله : ذلك تعود إلى الحكم المتقدم وهو الرزق والكسوة وترك الأضرار .

أي أن والد الرضيع إذا مات قام وارثه بالرزق والكسوة ، بالمعروف لوالدة الطفل التي ترضعه .

وقال الألوسي ما ملخصه : " والمراد بالوارث وارث الود ، فإنه يجب عليه مثل ما وجب على الأب ، من الرزق والكسوة بالمعروف ، إن لم يكن للولد مال وهو التفسير المأثور عن عمر وابن عباس وقتادة وخلق كثير . وخص الإمام أبو حنيفة هذا الوارث بمن كان ذا رحم محرم من الصبي . وقال الشافعي : المراد وارث الأب يجب عليه عند موت الأب كل ما كان واجبا على الأب .

وقيل : المراد بالوارث الباقي من الأبوين ، وجاء الوارث بمعنى الباقي كما في قوله صلى الله عليه وسلم " اللهم متعني بسمعي وبصري واجعلهما الوارث مني " ( 278 ) .

وعلى أية حال فالجملة الكريمة تغرس معاني الإخاء والتراحم والتكافل بين أبناء الأسرة الواحدة فالقادر ينفق على العاجز والغني يمد الفقير بحاجته ، وبذلك تسعد الأسرة وتسودها روح المحبة والمودة ، وهكذا لا يضيع الطفل إذا مات والده ، فحقه مكفول وحق أمه في جميع الحالات .

{ فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما . . . }

قال القرطبي : الفصال والفصل : وأصله التفريق فهو تفريق بين الصبي والثدي ومنه سمي الفصيل .

فإذا شاء الوالد والوالدة فطام الرضيع قبل استيفاء العامين لأنهما يريان مصلحة للطفل في ذلك الفطام ، لسبب صحي أو سواه ، فلا جناح عليهما إذ تم هذا بالرضا بينهما ، وبالتشاور في مصلحة الرضيع الموكل إليهما رعايته ، المفروض عليهما حمايته .

{ وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف . . . }

أي وإن أردتم أيها الآباء أن تسترضعوا مراضع لأولادكم ، ورضيت الأمهات بذلك ، فلا إثم عليكم فيما تفعلون ، ما دمتم تقصدون مصلحة أولادكم ، وعليكم أن تسلموا هؤلاء المراضع أجرهن ، بالطريقة التي يقرها الشرع وتستحسنها العقول السليمة والأخلاق القويمة .

" عليه لا يجوز ، وكذلك أجمعت على أن الكلام معها بما و رفث وذكر جماع أو تحريض عليه لا يجوز ، وكذلك ما أشبهه ، وجوز ماعدا ذلك ولا يجوز التعريض لخطبة المطلقة رجعيا لأنها كالزوجة ، وأما من كانت في عدة البينونة فالصحيح جواز التعريض لخطبتها " ( 283 ) .

{ علم الله أنكم ستذكرونهن ولكن لا تواعدوهن إلا أن تقولوا قولا معروفا . . . }

فهذه الجملة كالتعليل لما قبلها ، وقد أباح الله للرجال أن يفكر في الزواج من المرأة وأن تهفو نفسه إليها ، وأن يذكرها مع نفسه ، فذلك يتعلق بأمر فطري ، والإسلام يلحظ ألا يحطم الميول الفطرية إنما يهذبها ، ولا يكبت النوازع البشرية إنما يضبطها ومن ثم ينهي فقط عما يخالف نظافة الشعور ، وطهارة الضمير ولذلك حرم الوعد السري بين الرجل والمرأة المعتدة ، وأباح الكلمة الطيبة ، والإشارة والتلميح بالمعروف .

{ ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله . . . }

ولا تقصدوا قصد جازما تنفيذ هذا النكاح ، حتى ينتهي ما كتب وفرض في العدة ، إذ العاقل لا يستعجل أمرا قبل حلول وقته ، وإنما الذي يسوغ لكم هو أن تتموا عقد الزواج بعد انتهاء العدة ، وبعد أن يكون جو الأحزان قد فتر وخفت حدته .

وإذا كان قد نهى عن العزم على العقل قبل فراغ العدة ، عن العقد من باب أولي ، ومن المعلوم أن عقد النكاح في زمن العدة باطل ، والمباشرة حينئذ زنا ، والتفريق بينهما واجب لأن من استحل شيئا قبل أوانه عوقب بحرمانه ، كالقاتل يعاقب بحرمانه من ميراث المقتول ، وهذا رأي جمهور العلماء .

وقيل : يفسخ النكاح بينهما ، فإذا انتهت العدة حلت له ، ولم يتأبد التحريم ، ولكل فريق أدلته في كتب الفقه .

{ واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه . . . }

اعلموا أن الله مطلع عليكم رقيب على ضمائركم ، وشهيد على أفعالكم ، فاتقوا غضبه واحذروا بطشه ، وثقوا بعفوه وغفرانه .

{ واعلموا أن الله غفور حليم }

غفور : يغفر خطيئة القلب الشاعر بالله ، حليم : لا يعجل بالعقوبة ، فلعل عبده الخاطئ أن يتوب .

وبذلك تكون الآية الكريمة قد أرشدت الناس إلى ما يقره الشرع ويرتضيه الخلق الكريم ، ونهتهم عما يتنافى مع تعاليم الإسلام ، بأسلوب حكيم جمع بين الشدة واللين ، والخوف والرجاء .

* * *

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوۡنَ مِنكُمۡ وَيَذَرُونَ أَزۡوَٰجٗا يَتَرَبَّصۡنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرۡبَعَةَ أَشۡهُرٖ وَعَشۡرٗاۖ فَإِذَا بَلَغۡنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ فِيمَا فَعَلۡنَ فِيٓ أَنفُسِهِنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ} (234)

ولما ذكر الرضاع وكان من تقاديره ما إذا مات الأب ذكر عدة الوفاة{[10931]} لذلك وتتميماً لأنواع العدد فقال{[10932]} . وقال الحرالي : لما ذكر عدة الطلاق الذي هو فرقة الحياة انتظم برأس آيته{[10933]} ذكر عدة الوفاة الذي هو فراق الموت واتصل بالآية السابقة لما انجر في ذكر الرضاع من موت الوالد وأمر الوارث وكذلك كل آية تكون رأساً لها متصلان متصل بالرأس النظير لها المنتظمة به ومتصل بالآية السابقة قبلها بوجه ما- انتهى . فقال : { والذين{[10934]} } أي وأزواج الذين { يتوفون منكم } أي {[10935]}يحصل وفاتهم{[10936]} بأن{[10937]} يستوفي{[10938]} أنفسهم التي كانت عارية في أبدانهم الذي{[10939]} أعارهم إياها . قال الحرالي : من الوفاة وهو استخلاص الحق من حيث وضع ، إن الله عز وجل نفخ الروح وأودع النفس ليستوفيها بعد أجل من حيث أودعها فكان ذلك توفياً{[10940]} تفعلاً{[10941]} من الوفاء وهو أداء الحق { ويذرون } من الوذر{[10942]} وهو أن يؤخذ المرء عما شأنه إمساكه { أزواجاً } بعدهم . ولما أريد تأكيد{[10943]} التربص مراعاة لحق{[10944]} الأزواج وحفظاً لقلوب الأقارب واحتياطاً للنكاح أتى به في صيغة الخبر الذي من شأنه أن يكون قد وجد وتمّ فقال : { يتربصن } أي ينتظرن أزواجهن{[10945]} لانقضاء العدة . ولما كان الممنوع إنما هو العقد والتعرض له بالأفعال دون طلبه بالتعريض قال {[10946]}معبراً بالنفس لذلك وللتنبيه على أن العجلة عن ذلك إنما تكون شهوة نفسانية بهيمية ليكون ذلك حاويا{[10947]} على{[10948]} البعد عنها : { بأنفسهن } فلا يبذلنها{[10949]} لزوج{[10950]} ولا يخرجن من{[10951]} منزل الوفاة ويتركن الزينة وكل ما للنفس فيه شهوة تدعو{[10952]} إلى النكاح كما بينت ذلك السنّة { أربعة أشهر وعشراً } إن كن حرائر{[10953]} ولم يكن حمل{[10954]} {[10955]}سواء كانت صغيرة أو كبيرة تحيض أو لا ، ابتداؤها من حين الوفاة لأنها السبب{[10956]} وغلب الليالي فأسقط{[10957]} التاء لأن أول الشهر الليل { فإذا بلغن أجلهن } ولما كان الله{[10958]} سبحانه وتعالى قد جعل المسلمين كالجسد الواحد وكان الكلام في أزواج الموتى أعلم سبحانه وتعالى بأنه يجب على إخوانهم المسلمين من حفظ حقوقهم ما كانوا يحفظونه لو كانوا أحياء بقوله : { فلا جناح عليكم } أي يا أهل الدين { فيما } ولما كان لا بد من إذن المرأة وقد تأذن للقاضي على رغم{[10959]} الولي عند عضله مثلا أسند الفعل إليهن فقال : { فعلن في أنفسهن{[10960]} } أي من النكاح ومقدماته {[10961]}التي كانت ممنوعة منها بالإحداد{[10962]} ، ولا يحمل هذا على المباشرة ليكون{[10963]} دليلاً على{[10964]} - إنكاح المرأة نفسها لمعارضة آية { ولا تعضلوهن } المتأيدة{[10965]} بالسنّة . ولما كان ذلك قد لا يكون على وجه شرعي قال : { بالمعروف } لينصرف إلى الكامل فلا يكون في ذلك شوب نكارة{[10966]} ، فإن فعلن ما ينكر كان على الناس الجناح بترك الأمر{[10967]} كما عليهن بالفعل ؛ وأجمع الفقهاء غير أبي مسلم الأصفهاني على أن هذه الآية ناسخة لآية العدة بالحول ، والتقدم في التلاوة لا يمنع التأخر في النزول لأن{[10968]} الترتيب ليس على ترتيب النزول - نقل ذلك الشمس الأصفهاني ، ويرد عليه ما سيأتي{[10969]} نقله له{[10970]} عن مجاهد .

ولما كان التقدير : فالله حد لكم هذه الحدود فاحفظوها عطف عليه{[10971]} قوله محذراً من التهاون في شيء منها في أنفسهم أو من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في حق غيرهم : { والله } أي الذي له صفات الكمال { بما تعملون } من سر وعلانية . ولما كان هنا من أمر{[10972]} العدة{[10973]} ما لم تعرفه العرب قبل فربما أنكرته القلوب لكونها{[10974]} لم تفهم سره وكان أمر النكاح وإن قيد بالمعروف باطناً ختم بقوله{[10975]} { خبير {[10976]}* } أي يعلم خفايا البواطن كما يعلم ظواهرها فاحذروا مخالفته وأطيعوا أمره .


[10931]:من م ومد وظ، وفي الأصل: الوفا.
[10932]:ليس في ظ.
[10933]:من م ومد وظ، وفي الأصل: آتية.
[10934]:مناسبة هذه الآية لما قبلها أنه لما تقدم ذكر عدة طلاق الحيض واتصلت الأحكام إلى ذكر الرضاع وكان في ضمنها قوله "وعلى الوارث مثل ذلك" أي وارث المولود له ذكر عدة الوفاة إذ كانت مخالفة لعدة طلاق الحيض، وقرأ الجمهور: يتوفون – بضم الياء مبنيا للمفعول، وقرأ على والمفضل عن عاصم بفتح الياء مبنيا للفاعل، ومعنى هذه القراءة أنهم يستوفون آجالهم – البحر المحيط 2 / 221.
[10935]:سقطت من ظ، وفي مد: تحصل وفاتهم.
[10936]:سقطت من ظ، وفي مد: تحصل وفاتهم.
[10937]:من م ومد، وفي الأصل: كان، وفي ظ: أي.
[10938]:في م ومد: تستوفي.
[10939]:في م: التي.
[10940]:من م ومد وظ، وفي الأصل: ترقبا.
[10941]:من م وظ وفي الأصل: تفصيلا، ولا يتضح في مد.
[10942]:يذر معناه يترك، ويستعمل منه الأمر ولا يستعمل منه اسم الفاعل ولا المفعول وجاء الماضي منه على طريق الشذوذ – قاله الأندلسي في البحر المحيط 2 / 220.
[10943]:سقط من م ولا يتضح في مد.
[10944]:في الأصل: بحق، والتصحيح من م وظ ومد.
[10945]:في ظ: أزواجهم.
[10946]:العبارة من هنا إلى "البعد عنها" ساقطة من ظ.
[10947]:من مد، وفي الأصل وم: حاديا.
[10948]:في الأصل: عن، والتصحيح من م ومد.
[10949]:من مد وظ وفي الأصل وم: فلا يبدلنها.
[10950]:العبارة من هنا إلى "السنة" ليست في ظ.
[10951]:من م ومد وفي الأصل: عن.
[10952]:من م، وفي الأصل: يدعوا ولا يتضح في مد.
[10953]:في الأصل: حرير، والتصحيح من بقية الأصول.
[10954]:زيد في الأصل "حمل" مكرر فحذف. وقال أبو حيان الأندلسي في البحر المحيط 2 / 22: وقال الراغب: ذكر الأطباء أن الولد في الأكثر إذا كان يتحرك بعد ثلاثة أشهر وإذا كان أنثى بعد أربعة أشهر، وزيد على ذلك "عشرا" استظهارا، قال: وخصت العشرة بالزيادة لكونها أكمل الأعداد وأشرفها لما تقدم في "تلك عشرة كاملة" قال القشيري: لما كان حمل الميت أعظم لأن فراقه لم يكن بالاختيار كانت مدة وفاته أطول وفي ابتداء الإسلام كانت عدة الوفاة سنة ثم ردت إلى أربعة أشهر وعشرة أيام لتخفيف براءة الرحم عن ماء الزوج، ثم إذا انقضت العدة أبيح لها التزوج بزوج آخر إذ الموت لا يستديم موافاة إلى آخر عمر أحد كما قيل: وكما تبلى وجوه في الثرى فكذا يبلى عليهن الحزن.
[10955]:العبارة من هنا إلى "لأنها السبب" ليست في ظ.
[10956]:من م ومد، وفي الأصل: المسبب.
[10957]:زيدت من م وظ ومد، وفي البحر المحيط 2 / 223: قالوا معناه وعشر ليال ولذلك حذف التاء وهي قراءة ابن عباس والمراد عشر ليال بأيامها فيدخل اليوم العاشر، قيل وغلب حكم الليالي إذ الليالي أسبق من الأيام والأيام في ضمنها وعشر أخف في اللفظ، ولا تنقضي عدتها إلا بانقضاء اليوم العاشر – هذا قول الجمهور.
[10958]:زيد من م وظ ومد.
[10959]:من م ومد وظ، وفي الأصل: زعم.
[10960]:قال الزمخشري: "فيما فعلن في أنفسهن" من التعرض للخطاب بالمعروف بالوجه الذي لا ينكره الشرع، والمعنى أنهن لو فعلن ما هو منكر كان على الأئمة أن يكفوهن، وإن فرطوا كان عليهم الجناح – انتهى كلامه، وهو حسن – البحر المحيط 2 / 225.
[10961]:ليست في ظ.
[10962]:ليست في ظ.
[10963]:في م: لتكون.
[10964]:زيد من م وظ ومد.
[10965]:في مد: المتابدة .
[10966]:في ظ: نكادة، ولا يتضح في مد.
[10967]:في مد: لامر.
[10968]:من م ومد وظ وفي الأصل: لأنه.
[10969]:في مد: يأتي.
[10970]:زيد من م وظ ومد.
[10971]:سقط من م.
[10972]:ليس في مد وظ.
[10973]:ليست في مد وظ.
[10974]:ليست في مد وظ.
[10975]:العبارة المحجوزة زيدت من م ومد وظ.
[10976]:أخره في الأصل: عن "ظواهرها" وفي البحر المحيط 2 / 220: خبير للمبالغة من خبرت الشيء علمته، ومنه قتل أرضا خابرها وخبرت زيدا اختبرته، ولهذه المادة يرجع الخبر لأنه الشيء المعلم به، والخبار الأرض اللينة، وفيه 2 / 225: وهو العلم بما لطف والتقصى له.