في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَإِنَّهُۥ يَتُوبُ إِلَى ٱللَّهِ مَتَابٗا} (71)

63

وباب التوبة دائما مفتوح ، يدخل منه كل من استيقظ ضميره ، وأراد العودة والمآب . لا يصد عنه قاصد ، ولا يغلق في وجه لاجى ء ، أيا كان ، وأيا ما ارتكب من الآثام .

روى الطبراني من حديث أبي المغيرة عن صفوان بن عمر عن عبد الرحمن بن جبير عن أبي فروة ، أنه أتى النبي [ صلى الله عليه وسلم ] فقال : أرأيت رجلا عمل الذنوب كلها ولم يترك حاجة ولا داجة ، فهل له من توبة ? فقال : " أسلمت ? " فقال : نعم . قال : " فافعل الخيرات واترك السيئات ، فيجعلها الله لك خيرات كلها " قال : وغدراتي وفجراتي ? قال : " نعم " . فما زال يكبر حتى توارى .

ويضع قاعدة التوبة وشرطها : ( ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا ) . . فالتوبة تبدأ بالندم والإقلاع عن المعصية ، وتنتهي بالعمل الصالح الذي يثبت أن التوبة صحيحة وأنها جدية . وهو في الوقت ذاته ينشئ التعويض الإيجابي في النفس للإقلاع عن المعصية . فالمعصية عمل وحركة ، يجب ملء فراغه بعمل مضاد وحركة ، وإلا حنت النفس إلى الخطيئة بتأثير الفراغ الذي تحسه بعد الإقلاع . وهذه لمحة في منهج التربية القرآني عجيبة ، تقوم على خبرة بالنفس الإنسانية عميقة . ومن أخبر من الخالق بما خلق ? سبحانه تعالى !

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَإِنَّهُۥ يَتُوبُ إِلَى ٱللَّهِ مَتَابٗا} (71)

63

71-{ ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا }

أي : من رجع عن عمل الذنوب ، واستقام على عمل الأعمال الصالحة ، فقد حظي بالقبول والتوبة ، والرجوع إلى الله رجوعا صحيحا مقبولا ، ويا له من عمل عظيم ، حتى رأينا الخبر هو نفس المبتدأ ، تفخيما للموضوع وتعظيما ، أي : من تاب وعمل صالحا ، فقد تاب إلى إله كريم ، توبة نصوحا حرية وبالقبول ، وفي هذا التفخيم ورد الحديث الشريف : ( إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما نوى ، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه )29 .

روى مسلم في صحيحه : كتاب الإيمان ، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها . 1/177 .

عن أبي ذر- رضي الله عنه- قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إني لأعرف آخر أهل النار خروجا من النار ، وآخر أهل الجنة دخولا إلى الجنة ، يؤتى برجل فيقول : نحُّوا عنه كبار ذنوبه وسلوه عن صغارها ، قال : فيقال له : عملت يوم كذا ، كذا وكذا ، وعملت يوم كذا ، كذا وكذا ، فيقول : نعم . لا يستطيع أن ينكر من ذلك شيئا . فيقال : فإن لك بكل سيئة حسنة ، فيقول : يا رب ، عملت أشياء لا أراها هنا ) قال : فضحك رسول الله حتى بدت نواجذه30 .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَإِنَّهُۥ يَتُوبُ إِلَى ٱللَّهِ مَتَابٗا} (71)

ولما أشعرت الفاء بالتسبيب ، ودل تأكيد الفعل بالمصدر على الاحتياج إلى عمل كثير ربما جل عن طوق البشر ، وأشار إلى التطريق له بالوصفين العظيمين ، أتبع ذلك بيان الطريق إليه بما أجرى من العادة فقال : { ومن تاب } أي عن المعصية كفراً كانت أو ما دونه { وعمل } تصديقاً لادعائه التوبة .

ولما كان في سياق الترغيب ، أعراه من التأكيد فقال : { صالحاً } ولو كان كل من نيته وعمله ضعيفاً ؛ ورغب سبحانه في ذلك بقوله معلماً أنه يصل إلى الله : { فإنه يتوب } أي يرجع واصلاً { إلى الله } أي الذي له صفات الكمال ، فهو يقبل التوبة عن عباده ، ويعفو عن السيئات { متاباً* } أي رجوعاً عظيماً جداً بأن يرغبه الله في الأعمال الصالحة ، فلا يزال كل يوم في زيادة في نيته وعمله ، فيخف ما كان عليه ثقيلاً ، ويتيسر له ما كان عسيراً ، ويسهل عليه ما كان صعباً ، كما تقدم في{ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم }[ يونس : 9 ] ولا يزال كذلك حتى يحبه فيكون سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها ، بأن يوفقه للخير ، فلا يسمع إلا ما يرضيه ، وهكذا ، ومن أجراه على ظاهره فعليه لعنة الله ، لمخالفته إجماع المسلمين .