في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{فَإِنۡ عَصَوۡكَ فَقُلۡ إِنِّي بَرِيٓءٞ مِّمَّا تَعۡمَلُونَ} (216)

192

وكذلك بين الله له كيف يعامل العصاة فيكلهم إلى ربهم ، ويبرأ مما يعملون :

( فإن عصوك فقل : إني بريء مما تعملون ) . .

وكان هذا في مكة ، قبل أن يؤمر الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] بقتال المشركين .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{فَإِنۡ عَصَوۡكَ فَقُلۡ إِنِّي بَرِيٓءٞ مِّمَّا تَعۡمَلُونَ} (216)

دعائم التوحيد

{ فلا تدع مع الله إلها آخر فتكون من المعذبين( 213 ) وأنذر عشيرتك الأقربين( 214 ) واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين( 215 ) فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون( 216 ) وتوكل على العزيز الرحيم( 217 ) الذي يراك حين تقوم ( 218 ) وتقلبك في الساجدين( 219 ) إنه هو السميع العليم( 220 ) }

التفسير

213 ، 214 ، 215 ، 216-{ فلا تدع مع الله إلها آخر فتكون من المعذبين*وأنذر عشيرتك الأقربين*واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين* فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون }

أي : أخلص العبادة لله وحده ، وتوجه إليه بعبادتك وصلاتك ودعائك ؛ فإنه سبحانه أغنى الأغنياء عن الشرك ، ومن عمل عملا يريد به الناس ، لم يلق عليه الثواب يوم القيامة ، والخطاب في هذه الآية للرسول صلى الله عليه وسلم والمراد أمته ، فهو من باب خطاب الأمة في شخص زعيمها ورئيسها ، أو الخطاب لكل من يتأتى منه الخطاب سواء أكان رسولا أم مرسلا إليه .

وتحقيق المراد هنا :

أي : إذا كان الرسول الأمين إذا دعا مع الله إلها آخر ؛ عذّب وعوقب ، فمن باب أولى من عداه من الناس ، وليعلم الجميع أن الله سبحانه لا يقبل الشرك من أحد ؛ قال تعالى : { وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة } [ البينة : 5 ]

{ وأنذر عشيرتك الأقربين }

أرسل الله محمدا صلى الله عليه وسلم بشير ونذيرا ، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا ، فوظيفته البلاغ وإعلام الناس بالرسالة ، { يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته . . } [ المائدة : 67 ] .

وفي هذه الآية يكلفه الله تعالى أن يبلغ أسرته القريبة النسب منه : فهم أولى بأن يخصهم بدعوته ، وأن يدعوهم إلى توحيد الله تعالى ، وأن يرشدهم إلى عدالة السماء : فالخلق كلهم عباد الله ، الله ربهم وهم عباده ، يتفاضلون عنده بالتقوى ويدركون ثوابه بالعمل الصالح ، وقد وردت أحاديث صحيحة متعددة تفيد أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا عشيرته دعوة للعام والخاص ، وأعلن هذه الدعوة لكل العشيرة ، وخصص أقرب الناس إليه ، حتى لا يتكل أي إنسان على الحسب أو قرابة النسب ، بل عليه أن يقوم بالواجب نحو ربه ودينه ، وذلك بالإخلاص والعمل الصالح .

روى البخاري ، ومسلم وغيرهما ، عن أبي هريرة قال : لما نزلت هذه الآية : دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشا وعمّ وخص ، فقال : ( يا معشر قريش ، أنقذوا أنفسكم من النار ، فإني لا أملكم ضرا ولا نفعا ، يا معشر بني كعب بن لؤى ، أنقذوا أنفسكم من النار ، فإني لا أملك لكم ضرا ولا نفعا ، يا معشر بني قصّي ، أنقذوا أنفسكم من النار ، فإني لا أملك لكم ضرا ولا نفعا ، يا معشر بني عبد مناف ، أنقذوا أنفسكم من النار ، فإني لا أملك لكم ضرا ولا نفعا ، يا معشر بني عبد المطلب ، أنقذوا أنفسكم من النار فإني لا أملك لكم ضرا ولا نفعا ، يا فاطمة بنت محمد ، أنقذي نفسك من النار ، فإني لا أملك لك ضرا ولا نفعا ، ألا إن لكم رحما وسأبلها ببلالها ) يريد : أصلكم في الدنيا ، ولا أغني عنكم من الله شيئاxv .

إن هذا هو الإسلام في نصاعته ووضوحه ، ونفي الوساطة بين الله وعباده ، حتى عن رسوله الكريم ، وقريب من ذلك قصة نوح مع ابنه حين غرق مع الكافرين ، وحاول الشفاعة له ، فبين الله أنه لا قرابة ولا نسب بالنسبة للعدالة الإلهية ، التي تكافئ الصالح وتعاقب الطالح .

وقد وعد إبراهيم أباه أن يستغفر له ، فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه ، وكذلك زوجة نوح وزوجة لوط ، خانتا الأمانة ، فقيل لهما : ادخلا النار مع الداخلين ، وزوجة فرعون آمنت بالله ، وأخلصت له وتبرأت من فرعون وعمله ، فجعلها الله مثلا أعلى للمؤمنين .

وهذه أمثلة توضح عدالة السماء ، التي جعلت الجزاء من جنس العمل .

{ من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد } [ فصلت : 46 ] .

{ واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين }

ألن جانبك ، وأرفق بأتباعك الذين آمنوا به وصدقوك ، فذلك أطيب لقلوبهم ، وأدعى إلى قبول الدعوة ، واستمرار تأثيرها ، وكذلك كان صلى الله عليه وسلم ، سهلا مألفا محببا متعه الله بمكارم الأخلاق ، حيث قال له الله تعالى : { وإنك لعلى خلق عظيم } [ القلم : 4 ] .

وقال تعالى : { فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر } [ آل عمران : 159 ] .

وقال صلى الله عليه وسلم : ( إن أحبكم إليّ وأقربكم مني منازل يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا ، الموطئون أكنافا الذين يألفون ويؤلفون )xvi .

وسئلت عائشة رضي الله عنها ، عن أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : كان خلقه القرآنxvii .

أي : كان تطبيقا عمليا لآداب القرآن الكريم ، وسلوكه وأخلاقه ، فهو صاحب الصفح الجميل والعفو الجميل ، والحلم الجميل صلى الله عليه وسلم .

{ فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون }

أي : إن عصاك أحد ممن أنذرتهم من العشيرة فلا ضير عليك ، وقد أديت ما أمرت به ، وما عليك إثم مما يعملون ، وقل لهم : إني بريء منكم ، ومن عبادتكم الأصنام والأوثان ، وإنكم ستجزون بجرمكم يوم الجزاء .

{ يوم لا ينفع مال ولا بنون*إلا من أتى الله بقلب سليم } [ الشعراء : 88 ، 89 ] .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{فَإِنۡ عَصَوۡكَ فَقُلۡ إِنِّي بَرِيٓءٞ مِّمَّا تَعۡمَلُونَ} (216)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{فإن عصوك} يعني بني هاشم، وبني عبد المطلب، فلم يجيبوك إلى الإيمان {فقل إني برئ مما تعملون} من الشرك والكفر.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره: فإن عصتك يا محمد عشيرتك الأقربون الذين أمرتك بإنذارهم، وأبوا إلا الإقامة على عبادة الأوثان، والإشراك بالرحمن، فقل لهم:"إنّي بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ" من عبادة الأصنام ومعصية بارئ الأنام.

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

قالوا: إنه راجع إلى قوله: {وأنذر عشيرتك الأقربين} [الشعراء: 214] وموصول به؛ كأنه قال: وأنذر عشيرتك الأقربين. "فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون". قد كان رسول الله بريئا مما كان يعمل أولئك الكفرة. لكنه يحتمل أن يكون أولئك لما أنذرهم رسول الله طلبوا منه أن يطيعهم في بعض أمورهم، ويشاركهم في بعض أعمالهم حتى يطيعوا أولئك له في بعض ما يأمرهم، ويدعوهم إليه، ويشاركوه في بعض أعماله، فقال عند ذلك: {إني بريء} أي مما يدعونه إليه، ويطلبون منه مساعدته إياهم والإغماض عما يعملون.

التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :

والبراءة: المباعدة من النصرة عند الحاجة، فإذا برئ من عملهم، فقد تباعد من النصرة لهم أو الموالاة.

جهود الإمام الغزالي في التفسير 505 هـ :

قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم في عشيرته: {فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون} ولم يقل إني بريء منكم مراعاة بحق القرابة ولحمة النسب..

الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 671 هـ :

" فإن عصوك "أي خالفوا أمرك. "فقل إني بريء مما تعملون "أي بريء من معصيتكم إياي؛ لأن عصيانهم إياه عصيان لله عز وجل، لأنه عليه السلام لا يأمر إلا بما يرضاه، ومن تبرأ منه فقد تبرأ الله منه.

البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي 745 هـ :

ولما كان الإنذار يترتب عليه إما الطاعة وإما العصيان، جاء التقسيم عليهما، فكان المعنى: أن من اتبعك مؤمناً، فتواضع له؛ فلذلك جاء قسيمه: {فإن عصوك} فتبرأ منهم ومن أعمالهم.

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

ولما أفهم ذلك أن هذا الحكم عام في جميع أحوالهم، فصل بقوله: {فإن عصوك} أي هم فغيرهم من باب الأولى {فقل} أي تاركاً لما كنت تعاملهم به حال الإيمان من اللين: {إني بريء} أي منفصل غاية الانفصال {مما تعملون} أي من العصيان الذي أنذر منه القرآن، وخص المؤمنين إعلاء لمقامهم، بالزيادة في إكرامهم، ليؤذن ذلك المزلزل بالعلم بحاله فيحثه ذلك على اللحاق بهم.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

(فإن عصوك فقل: إني بريء مما تعملون).. وكان هذا في مكة، قبل أن يؤمر الرسول [صلى الله عليه وسلم] بقتال المشركين.

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

تفريع على جملة: {وأنذر عشيرتك الأقربين} [الشعراء: 214] أي فإن عصوا أمرك المستفاد من الأمر بالإنذار، أي فإن عصاك عشيرتك فما عليك إلا أن تتبرأ من عملهم، وهذا هو مثار قول النبي صلى الله عليه وسلم لهم في دعوته: « غيرَ أن لكم رحماً سأبُلّها ببلالها» فالتبرؤ إنما هو من كفرهم وذلك لا يمنع من صلتهم لأجل الرحم وإعادة النصح لهم كما قال: {قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى} [الشورى: 23]. وإنما أمر بأن يقول لهم ذلك لإظهار أنهم أهل للتبرؤ من أعمالهم فلا يقتصر على إضمار ذلك في نفسه.

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

ثمّ تأتي المرحلة الرّابعة وهي أن الأعداء لم يقبلوا دعوتك وعصوا أوامرك. فلا تبتئس ولا تحزن: (فإن عصوك فقل إنّي بريء ممّا تعملون)... ليعرفوا موقفك منهم! والظاهر أنّ الضمير في عصوك يعود على عشيرة النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الأقربين... أيْ إذا لم يذعنوا بعد دعوتك إياهم للحق، وواصلوا شركهم وعنادهم، فعليك أن تبيّن موقفك منهم، وهذا التوقع الذي احتمله القرآن حدث فعلا..