هنا يعاجله الله بمصيره المحتوم :
( أولئك الذين حق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس ؛ إنهم كانوا خاسرين ) . .
والقول الذي حق على هذا وأمثاله هو العقاب الذي ينال الجاحدين المكذبين . وهم كثير . خلت بهم القرون . من الجن والإنس . حسب وعيد الله الصادق الذي لا يخلف ولا يتخلف . ( إنهم كانوا خاسرين ) . . وأية خسارة أكبر من خسارة الإيمان واليقين في الدنيا . ثم خسارة الرضوان والنعيم في الآخرة . ثم العذاب الذي يحق على الجاحدين المنحرفين ?
حق عليهم القول : ثبت ووجب عليهم قوله تعالى لإبليس : { لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين } . ( ص : 85 ) .
خاسرين : ضيعوا عمرهم الشبيه برؤوس الأموال ، بإتباعهم همزات الشياطين .
18- { أولئك الذين حق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين } .
إن هؤلاء المكذبين بالبعث الكافرين بالله ، أهل لعذاب جهنم ، ولقوله تعالى لإبليس : { قال فالحق والحق أقول * لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين } . ( ص : 84 ، 85 ) .
وسيكون هذا وأمثاله في عداد أمم وجماعات من الجن والإنس ، تركوا الهدى وأهملوا عقولهم وفكرهم ، وساروا وراء الهوى ، فكانوا خاسرين خسرانا حقيقيا ، فقد باعوا الجنة ونعيمها وطاعة الرحمان ، وآثروا جهنم وطاعة الشيطان .
حقَّ عليهم القول : حق عليهم العذاب .
الخاسرين : الّذين ضيّعوا أنفسهم باتّباع شهواتهم وعدم الإيمان بالله ورسوله .
هذا الصنف من البشَر هم الذين حقَّ عليهم وقوعُ العذاب مع أممٍ قد مضت من قبلِهم من الجنّ والإنس ، { إِنَّهُمْ كَانُواْ خَاسِرِينَ } .
روى البخاري والترمذي وأبو داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « إن من أكبرِ الكبائر أن يلعنَ الرجلُ والديه أو يعقَّهما » .
{ أولئك } القائلون ذلك ، وقيل : أي صنف هذا المذكور بناءً على زعم خصوص { الذي } [ الأحقاف : 17 ] وليس بشيء .
{ الذين حَقَّ عَلَيْهِمُ القول } وهو قوله تعالى لإبليس : { لاَمْلاَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ } [ ص : 85 ] وقد مر تمام الكلام في ذلك . ورد بهذا على من زعم أن الآية في عبد الرحمن بن أبي بكر لأنه رضي الله تعالى عنه أسلم وجب عنه ما قبل وكان من أفاضل الصحابة ، ومن حق عليه القول هو من علم الله تعالى أنه لا يسلم أبداً .
وقيل : الحكم هنا على الجنس فلا ينافي خروج البعض من أحكامه الأخروية ، وقيل : غير ذلك مما لا يلتفت إليه .
{ فِى أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ } في مقابلة { فِى أصحاب الجنة } [ الأحقاف : 16 ] فهو مثله إعراباً ومبالغة ومعنى ، وقوله تعالى : { مّنَ الجن والإنس } بيان للأمم { أَنَّهُمْ } جميعاً { كَانُواْ خاسرين } قد ضيعوا فطرتهم الأصلية الجارية مجرى رؤوس أموالهم باتباع الشيطان ، والجملة تعليل للحكم بطريق الاستئناف . وقرأ العباس عن أبي عمرو { أَنَّهُمْ } بفتح الهمزة على تقدير لأنهم . واستدل بقوله عز وجل : { فِى أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ } الخ على أن الجن يموتون قرناً بعد قرن كالإنس . وفي «البحر » قال الحسن في بعض مجالسه : الجن لا يموتون فاعترضه قتادة بهذه الآية فسكت .
{ أُولَئِكَ الَّذِينَ } بهذه الحالة الذميمة { حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ } أي : حقت عليهم كلمة العذاب { فِي } جملة { أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ } على الكفر والتكذيب فسيدخل هؤلاء في غمارهم وسيغرقون في تيارهم .
{ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ } والخسران فوات رأس مال الإنسان ، وإذا فقد رأس ماله فالأرباح من باب أولى وأحرى ، فهم قد فاتهم الإيمان ولم يحصلوا على شيء من النعيم ولا سلموا من عذاب الجحيم .
{ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمْ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ ( 18 ) }
أولئك الذين هذه صفتهم وجب عليهم عذاب الله ، وحلَّت بهم عقوبته وسخطه في جملة أمم مضت مِن قبلهم مِنَ الجن والإنس على الكفر والتكذيب ، إنهم كانوا خاسرين ببيعهم الهدى بالضلال ، والنعيم بالعذاب .
وقوله : { أولئك } اسم الإِشارة هذا يعود إلى العاقين المكذبين بالبعث والجزاء المذكورين فى قوله - تعالى - قبل ذلك : { والذي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَآ } .
أى : أولئك القائلون ذلك ، هم { الذين حَقَّ عَلَيْهِمُ القول } أى : وجب عليهم العذاب الذى حكم به - سبحانه - على أمثالهم فى قوله - تعالى - لإِبليس { لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ } كما يفيده قوله - سبحانه - بعد ذلك . { في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِّنَ الجن والإنس } . أى : أولئك الذين وجب عليهم العذاب ، حالة كونهم مندرجين فى أمم قد مضت من قبلهم من طائفة الجن ومن طائفة الإِنس { إِنَّهُمْ } جميعا { كَانُواْ خَاسِرِينَ } لأنهم استحبوا الكفر على الإِيمان .