في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدۡ جَآءَكُم بُرۡهَٰنٞ مِّن رَّبِّكُمۡ وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكُمۡ نُورٗا مُّبِينٗا} (174)

ومن ثم دعوة إلى الناس كافة - كتلك الدعوة التي أعقبت المواجهة مع أهل الكتاب من اليهود في الدرس الماضي - أن الرسالة الأخيرة تحمل برهانها من الله . وهي نور كاشف للظلمات والشبهات . فمن اهتدى بها واعتصم بالله فسيجد رحمة الله تؤويه ؛ وسيجد فضل الله يشمله ؛ وسيجد في ذلك النور والهدى إلى صراط الله المستقيم :

( يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم ؛ وأنزلنا إليكم نورا مبينا . فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ، ويهديهم إليه صراطا مستقيمًا ) . .

وهذا القرآن يحمل برهانه للناس من رب الناس .

( يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم ) .

إن طابع الصنعة الربانية ظاهر فيه ؛ يفرقه عن كلام البشر وعن صنع البشر . . في مبناه وفي فحواه سواء . وهي قضية واضحة يدركها أحيانا من لا يفهمون من العربية حرفا واحدا ، بصورة تدعو إلى العجب .

كنا على ظهر الباخرة في عرض الأطلنطي في طريقنا إلى نيويورك ، حينما أقمنا صلاة الجمعة على ظهر المركب . . ستة من الركاب المسلمين من بلاد عربية مختلفة وكثير من عمال المركب أهل النوبة . وألقيت خطبة الجمعة متضمنة آيات من القرآن في ثناياها . وسائر ركاب السفينة من جنسيات شتى متحلقون يشاهدون !

وبعد انتهاء الصلاة جاءت إلينا - من بين من جاء يعبر لنا عن تأثره العميق بالصلاة الإسلامية - سيدة يوغسلافية فارة من الشيوعية إلى الولايات المتحدة ! جاءتنا وفي عينيها دموع لا تكاد تمسك بها وفي صوتها رعشة . وقالت لنا في انجليزية ضعيفة : أنا لا أملك نفسي من الإعجاب البالغ بالخشوع البادي في صلاتكم . . ولكن ليس هذا ما جئت من أجله . . إنني لا أفهم من لغتكم حرفا واحدا . غير أنني أحس أن فيها إيقاعا موسيقيا لم أعهدة في أية لغة . . ثم . . إن هناك فقرات مميزة في خطبة الخطيب . هي أشد إيقاعا . ولها سلطان خاص على نفسي ! ! !

وعرفت طبعا أنها الآيات القرآنية ، المميزة الإيقاع ذات السلطان الخاص !

لا أقول : إن هذه قاعدة عند كل من يسمع ممن لا يعرفون العربية . . ولكنها ولا شك ظاهرة ذات دلالة !

فأما الذين لهم ذوق خاص في هذه اللغة ، وحس خاص بأساليبها ، فقد كان من أمرهم ما كان ؛ يوم واجههم محمد [ ص ] بهذا القرآن . . وقصة الأخنس بن شريق ، وأبى سفيان بن حرب ، وأبى جهل وعمرو بن هشام ، في الاستماع سرا للقرآن ، وهم به مأخوذون ، قصة مشهورة . وهي إحدى القصص الكثيرة . . والذين لهم ذوق في أي جيل يعرفون ما في القرآن من خصوصية وسلطان وبرهان من هذا الجانب . .

فأما فحوى القرآن . . التصور الذي يحمله . والمنهج الذي يقرره . والنظام الذي يرسمه . و " التصميم " الذي يضعه للحياة . . فلا نملك هنا أن نفصله . . ولكن فيه البرهان كل البرهان على المصدر الذي جاء منه ؛ وعلى أنه ليس من صنع الإنسان ، لأنه يحمل طابع صنعة كاملة ليس هو طابع الإنسان .

وفي هذا القرآن نور :

( وأنزلنا إليكم نورا مبينًا ) . .

نور تتجلى تحت أشعته الكاشفة حقائق الأشياء واضحة ؛ ويبدو مفرق الطريق بين الحق والباطل محددا مرسوما . . في داخل النفس وفي واقع الحياة سواء . . حيث تجد النفس من هذا النور ما ينير جوانبها أولا ؛ فترى كل شيء فيها ومن حولها واضحا . . حيث يتلاشى الغبش وينكشف ؛ وحيث تبدو الحقيقة بسيطة كالبديهية ، وحيث يعجب الإنسان من نفسه كيف كان لا يرى هذا الحق وهو بهذا الوضوح وبهذه البساطة ؟ !

وحين يعيش الإنسان بروحه في الجو القرآني فترة ؛ ويتلقى منه تصوراته وقيمه وموازينه ، يحس يسرا وبساطة ووضوحا في رؤية الأمور . ويشعر أن مقررات كثيرة كانت قلقة في حسه قد راحت تأخذ أماكنها في هدوء ؛ وتلتزم حقائقها في يسر ؛ وتنفي ما علق بها من الزيادات المتطفلة لتبدو في براءتها الفطرية ، ونصاعتها كما خرجت من يد الله . .

ومهما قلت في هذا التعبير : " وأنزلنا إليكم نورا مبينًا . . فإنني لن أصور بألفاظي حقيقته ، لمن لم يذق طعمه ولم يجده في نفسه ! ولا بد من المكابدة في مثل هذه المعاني ! ولا بد من التذوق الذاتي ! ولا بد من التجربة المباشرة !

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدۡ جَآءَكُم بُرۡهَٰنٞ مِّن رَّبِّكُمۡ وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكُمۡ نُورٗا مُّبِينٗا} (174)

المفردات :

برهان : البرهان : الحجة والمراد به هنا : محمد صلى الله عليه وسلم ؛ لأن مهمته إقامة البرهان على إحقاق الحق ، وإبطال الباطل . وقيل : المراد به : المعجزات ، أو القرآن .

نورا : المراد به : القرآن الكريم ؛ لأنه ينير الطريق للسالكين .

التفسير :

173_ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ . . . الآية

تأتي الآيتان 175 ، 174 من سورة النساء دعوة إلى الناس كافة بالتأمل في صدق الدعوة المحمدية ، وهي آخر رسالات السماء إلى الأرض وقد اشتملت هذه الرسالة على أسباب السعادة الدنيوية والأخروية .

قال صاحب الظلال :

إن الرسالة الأخيرة تحمل برهانها من الله ، وهي نور كاشف للظلمات والشبهات ، فمن اهتدى بها ، واعتصم بالله من الشبهات المهلكة ، فسيجد رحمة الله تؤويه ، وسيجد فضل الله يشمله ، وسيجد في ذلك النور هدى إلى الصراط المستقيم {[166]} .

وقال الفخر الرازي : اعلم أنه تعالى- لما أورد الحجة على جميع الفرق من المنافقين والكفار واليهود والنصارى ، وأجاب عن جميع شبهاتهم ، عمم الخطاب ، ودعا جميع الناس إلى الاعتراف برسالة محمد صلى الله عليه وسلم ، فقال : يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ .

والبرهان هو- محمد- صلى الله عليه وسلم وإنما سماه برهانا لان حرفته إقامة البرهان على تحقيق الحق وإبطال الباطل والنور المبين هو القرآن الكريم وسماه نورا ، لانه سبب لوقوع نور الإيمان في القلب {[167]} .

وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا . وأنزلنا إليكم القرآن المجيد ، أعظم الكتب التي أنزلناها لهداية البشر ، وإخراجهم من الظلمات إلى النور .

وسماه : نورا مبينا ، إذ هو كالنور ، يضيء الطريق ، ويظهر الحق ، ويهدي إلى سبيل الخير والرشاد . وقد تحدثت الآية عن نعمتين عظيمتين :

النعمة الأولى : إرسال محمد صلى الله عليه وسلم أعظم نعم الله على الناس .

النعمة الثانية : إنزال القرآن هدى للمتقين .

والناس- بالنسبة لهاتين- النعمتين الجليلتين- فريقان : فريق المؤمنين وقد بين الله حالهم العظيم في الآية التالية . وفريق الكافرين ، ولم تذكر الآيات هنا عقاب الكافرين إهمالا لهم ، أو لأن عاقبتهم السيئة معروفة لكل عاقل بسبب كفرهم وفسوقهم عن أمر الله .


[166]:في ظلال القرآن للأستاذ سيد قطب 6/21.
[167]:تفسير الفخر الرازي 11/119 طبعة عبد الرحمن محمد.