تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{أَلَمۡ تَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِۚ إِنَّ ذَٰلِكَ فِي كِتَٰبٍۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٞ} (70)

{ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاء وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ( 70 ) وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُم بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ ( 71 ) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ( 72 ) } .

70

70 - أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاء وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ .

يسير : سهل .

هذا استفهام تقرير ، وقد قيل : إنه استفهام تقرير للغيرxliv .

فعلم الله تعالى شامل للسماء وما فيها ، من أفلاك وأبراج وشموس وكواكب وملائكة وغير ذلك ، وعلم الله شامل للأرض بكل ما فيها من إنس وجن ، وبحار وأنهار ، ونبات وسائر المخلوقات ، فلا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السماء ولا في الأرض .

إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ .

أي : كل ما يجري في العالم فهو مكتوب عند الله في أم الكتاب ، وهو اللوح المحفوظ .

إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ .

هذه الإحاطة الشاملة بما كان وما يكون ، والرقابة الإلهية على هذا الحشد من الأشياء والأشخاص ، والأعمال والنيات ، والخواطر والحركات ، في عالم المنظور وعالم الضمير ، كل ذلك بالنسبة إلى قدرة الله وعلمه أمر يسير ، وقيل : الفصل بين المختلفين على الله يسير .

جاء في صحيح مسلم ، عن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( إن الله قدر مقادير الخلائق قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة ، وكان عرشه على الماء )xlv .

وفي السنن من حديث جماعة من الصحابة ، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( أول ما خلق الله القلم ، قال له : اكتب ، قال : وما اكتب ؟ قال : اكتب ما هو كائن . فجرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامةxlvi .

وكتابة القلم تأكيد لمعنى الإيمان بالقضاء والقدر خيره وشره حلوه ومره ، وعلم الله واطلاعه ، وإحاطته بكل كبيرة وصغيرة في هذا الكون ، ثم مجازاته سبحانه على مثقال الذرة من الحسنات والسيئات ، وإحاطته سبحانه إحاطة شاملة لكل ما في الكون ، وهذه الإحاطة شيء يسير على الله ، فهي جزء من علمه الشامل . إِنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ . ( الأنفال : 75 ) .

قال تعالى : يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ . ( لقمان : 16 ) .

وقال تعالى : مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ . ( 22 ، 23 ) .

وقال أبو مسلم الأصفهاني : إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ . المراد بالكتاب في مثل هذا : الحفظ والضبط الشديد بحيث لا يغيب عنه مثقال ذرة .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{أَلَمۡ تَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِۚ إِنَّ ذَٰلِكَ فِي كِتَٰبٍۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٞ} (70)

{ أَلَمْ تَعْلَمْ } استئناف مقرر لمضمون ما قبله ، والاستفهام للتقرير أي قد علمت { أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا في السماء والارض } فلا يخفى عليه شيء من الأشياء التي من جملتها أقوال الكفرة وأعمالهم { إِنَّ ذلك } أي ما في السماء والأرض { في كتاب } هو كما روي عن ابن عباس اللوح المحفوظ ، وذكر رضي الله تعالى عنه أن طوله مسيرة مائة عام وأنه كتب فيه ما هو كائن في علم الله تعالى إلى يوم القيامة ، وأنكر ذلك أبو مسلم وقال : المراد من الكتاب الحفظ والضبط أي أن ذلك محفوظ عنده تعالى ، والجمهور على خلافه ، والمراد من الآية أيضاً تسليته عليه الصلاة والسلام كأنه قيل إن الله يعلم الخ فلا يهمنك أمرهم مع علمنا به وحفظنا له { إِنَّ ذلك } أي ما ذكر من العلم والإحاطة بما في السماء والأرض وكتبه في اللوح والحكم بينكم ، وقيل { ذلك } إشارة إلى الحكم فقط ، وقيل إلى العلم فقط ، وقيل إلى كتب ذلك في اللوح ، ولعل كونه إشارة إلى الثلاثة بتأويل ما ذكر أولى { عَلَى الله يَسِيرٌ } فإن علمه وقدرته جل جلاله مقتضى ذاته فلا يخفى عليه شيء ولا يعسر عليه مقدور ، وتقديم الجار والمجرور لمناسبة رؤوس الآي أو للقصر أي يسير عليه جل وعلا لا على غيره .