{ وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا أو لو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير . }
ما انزل الله : أي على الرسول من الشرائع المطهرة .
ما وجدنا عليه آباءنا : يريدون ما عبد آباؤهم من دون الله .
وإذا قيل لكفار مكة أو النضر بن الحارث وأبي بن خلف وأشباههم من المجادلين بالباطل : اتبعوا ما أنزل الله من الوحي والقرآن على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم قال هؤلاء المجادلون المكابرون : بل نتبع ما وجنا عليه آباءنا من عبادة الأوثان والتقرب على الأصنام فيصرون على التقليد الأعمى لآبائهم قل لهم يا محمد : أتتبعون الآباء وتصرون على تقليدهم بدون تعقل أو تفكير وإن كان الشيطان هو الذي يوسوس للآباء والأجداد ليصدهم عن طاعة الله ويزين لهم الضلال والكفر وعبادة الأوثان حتى تكون نهايتهم النار وعذابها وسعيرها وأهوالها .
وقريب من الآية قوله تعالى : وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أو لو كانا آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون . ( البقرة : 170 ) .
والآية دليل واضح على تحرير الإسلام للعقل والفكر ووجوب النظر في الدليل والحجة والبعد عن التقليد والجمود .
وفي الآية دليل على المنع من التقليد لمن قدر على النظر .
وأما اتباع الغير في الدين بعد العلم بدليل ما أنه محق فاتباع في الحقيقة لما أنزل الله تعالى وليس من التقليد المذموم في شيء وقد قال سبحانه : فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون . ( النحل : 43 ) .
{ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ } أي لمن يجادل والجمع باعتبار المعنى { اتبعوا مَا أَنزَلَ الله قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءابَاءنَا } يريدون عبادة ما عبدوه من دون الله عز وجل ، وهذا ظاهر في منع التقليد في أصول الدين والمسألة خلافية فالذي ذهب إليه الأكثرون ورجحه الإمام الرازي والآمدي أنه لا يجوز التقليد في الأصول بل يجب النظر والذي ذهب إليه عبيد الله بن الحسن العنبري وجماعة الجواز وربما قال بعضهم : إنه الواجب على المكلف وإن النظر في ذلك والاجتهاد فيه حرام ، وعلى كل يصح عقائد المقلد المحق وإن كان آثماً بترك النظر على الأول ؛ وعن الأشعري أنه لا يصح إيمانه ، وقال الأستاذ أبو القاسم القشيري : هذا مكذوب عليه لما يلزمه تكفير العوام وهم غالب المؤمنين ، والتحقيق أنه إن كان التقليد أخذاً لقول الغير بغير حجة مع احتمال شك ووهم بأن لا يجزم المقلد فلا يكفي إيمانه قطعاً لأنه لا إيمان مع أدنى تردد فيه وإن كان لكن جزماً فيكفي عند الأشعري وغيره خلافاً لأبي هاشم في قوله لا يكفي بل لا بد لصحة الإيمان من النظر ، وذكر الخفاجي أنه لا خلاف في امتناع تقليد من لم يعلم أنه مستند إلى دليل حق ، وظاهر ذم المجادلين بغير علم ولا هدى ولا كتاب أنه يكفي النظر الدليل النقلي الحق كما يكفي فيه الدليل العقلي .
{ أَوَلَوْ كَانَ الشيطان يَدْعُوهُمْ } أي يدعو آباءهم لا أنفسهم كما قيل : فإن مدار إنكار الاستتباع كون المتبوعين تابعين للشياطين وينادي عليه قوله تعالى : { أَوْ لَّوْ كَانَ آباؤهم لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ } بعد قوله سبحانه : { بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ ءابَاءنَا } [ البقرة : 170 ] ويعلم منه حال رجوع الضمير إلى المجموع أي أولئك المجادلين وآباءهم { إلى عَذَابِ السعير } أي إلى ما يؤول إليه أو يتسبب منه من الإشراك وإنكار شمول قدرته عز وجل للبعث ونحو ذلك من الضلالات ، وجوز بقاء { عَذَابِ السعير } على حقيقته والاستفهام للإنكار ويفهم التعجيب من السياق أو للتعجيب ويفهم الإنكار من السياق والواو حالية والمعنى أيتبعونهم ولو كان الشيطان يدعوهم أي في حال دعاء الشيطان إياهم إلى العذاب ، وجوز كون الواو عاطفة على مقدر أي أيتبعونهم لو لم يكن الشيطان يدعوهم إلى العذاب ولو كان يدعوهم إليه ، وهما قولان مشهوران في الواو الداخلة على { لَوْ } الوصلية ونحوها ، وكذا في احتياجها إلى الجواب قولان قول بالاحتياج وقول بعدمه لانسلاخها عن معنى الشرط ، ومن ذهب إلى الأول قدره هنا لا يتبعوهم وهو مما لا غبار عليه على تقدير كون الواو عاطفة ، وأما على تقدير كونها حالية فزعم بعضهم أنه لا يتسنى وفيه نظر ، وقد مر الكلام على نحو هذه الآية الكريمة فتذكر .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.