يبطش : البطش الأخذ بالشدة والعنف .
جبارا : الجبار : اسم من أسمائه تعالى ، والجبار : العظيم القويّ ، وكل عات ، ومن يقاتل في غير حق .
19-{ فلما أن أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما قال يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض وما تريد أن تكون من المصلحين }
رغم حالة موسى النفسية ، وما هو فيه من الخوف والترقب ، إلا أنه لم يشأ أن ينفرد القبطي الظالم ، بالإسرائيلي المظلوم ، وعزم على أن يبطش بالقبطي ويدفعه بقوة وعنف ، فإذا بالإسرائيلي يتوقع الشر من موسى ، ويظن أنه يريد أن يبطش به هو ، بعد أن قال له : { إنك لغوي مبين } فقال الإسرائيلي :
{ يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس . . }
ولم يكن أحد يعرف أن قتيل الأمس قتل على يد موسى ، فلما سمع القبطي ذلك حمل هذه الأخبار إلى فرعون وحاشيته ، فقد كان قتيل الأمس قد قتل في وقت الظهيرة والقيلولة ، أو فيما بين المغرب والعشاء ، ولم يتأكد لدى السلطة من الذي قتل القبطي ، ولكن الإسرائيلي الخائف هو الذي صرح باسم القاتل ، وقال : يا موسى أتريد أن تبطش بي أنا ، فتقتلني بقوتك وجبروتك ، كما قتلت قتيلا بالأمس .
{ إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض . . . }
ما تريد إلا أن تكون باطشا بالناس ، كثير القتل وسفك الدماء ، مفسدا في الأرض .
{ وما تريد أن تكون من المصلحين }
الذي يصلحون بين الناس ، أو يعلمون الناس الدين والسلوك القويم ، وكان موسى مشهورا بدعوته إلى الاستقامة ، والصفح والتعاون ، والنهي عن الحقد والحسد والشر .
والخلاصة : أنت صاحب دعوة إلى التسامح والعفو ، لكني أرى الشر في عينيك ، أتريد قتلى كما قتلت نفسا بالأمس ؟ ما تريد بتصرفك هذا إلا الفساد والعدوان ، وما تريد أن تكون من المتسامحين المصلحين .
الرأي السابق هو رأي جمهور المفسرين .
وذهب الإمام الرازي في تفسيره الكبير ، والأستاذ سيد قطب في ظلال القرآن ، والدكتور محمد سيد طنطاوي في تفسيره ، والصابوني في صفوة التفاسير وغيرهم ، إلى أن هذا القول :
{ يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض وما تريد أن تكون من المصلحين } .
كان من كلام القبطي ، واستدلوا على ذلك بالآتي : كان المناخ الذي عاشت فيه مصر ، مناخ ظلم من فرعون وجنوده ، ومناخ استسلام وعدم مقاومة للظلم من بني إسرائيل ، وكان موسى يكره الظلم ويقاومه ، ولعل الإسرائيلي قد تحدث إلى بعض عشيرته من الإسرائيليين بما فعله موسى من قتل القبطي ، ومثال هذه الحادثة من شأنها أن تروج ، وأن تنال الإعجاب من الإسرائيليين ولعل خبرها قد انتقل إلى هذا القبطي ، ولعله أحس من توبيخ موسى للإسرائيلي ، بأن قتيل الأمس كان بسببه ، فقال لموسى مقالته وهو في موقف الخوف من البطش ، ولتذكيره بما يدعو إليه من التسامح والإصلاح ، ثم إن سياق الآية هكذا :
{ فلما أن أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما قال يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس . . }
فالسياق يؤيد أن موسى عندما أراد أن يبطش بالقبطي خائفا مسترحما : يا موسى أتريد قتلي كما قتلت نفسا بالأمس ، ما تريد إلا أن تكون مفسدا منتقما في قسوة ، وما تريد آن تكون مصلحا متسامحا ، فأين دعوتك إلى التسامح ، وما اشتهر عنك من الرغبة في الصلاح والتقوى ؟
قوله عز وجل : { فلما أن أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما } وذلك أن موسى أدركته الرقة بالإسرائيلي فمد يده ليبطش بالفرعوني ، فظن الإسرائيلي أنه يريد أن يبطش به لما رأى من غضبه وسمع قوله : ( إنك لغوي مبين ) ، { قال يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفساً بالأمس إن تريد } ما تريد ، { إلا أن تكون جباراً في الأرض } بالقتل ظلماً ، { وما تريد أن تكون من المصلحين } فلما سمع القبطي ما قال الإسرائيلي علم أن موسى هو الذي قتل ذلك الفرعوني ، فانطلق إلى فرعون وأخبره بذلك ، وأمر فرعون بقتل موسى . قال ابن عباس : فلما أرسل فرعون الذباحين لقتل موسى أخذوا الطريق الأعظم .
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{فلما أن أراد أن يبطش} الثانية بالقبطي {بالذي هو عدو لهما} يعني: عدوا لموسى وعدوا للإسرائيلي، ظن الإسرائيلي أن موسى يريد أن يبطش به لقول موسى له: {إنك لغوي مبين} {قال} الإسرائيلي: {يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس إن تريد} يعني: ما تريد {إلا أن تكون جبارا} يعني: قتالا {في الأرض} مثل سيرة الجبابرة القتل في غير حق {وما تريد أن تكون من المصلحين} يعني: من المطيعين لله عز وجل في الأرض.
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره: فلما أراد موسى أن يبطش بالفرعونيّ الذي هو عدوّ له وللإسرائيلي، قال الإسرائيلي لموسى وظنّ أنه إياه يريد "أتُرِيدُ أنْ تَقْتُلَنِي كما قَتَلْتَ نَفْسا بالأَمْسِ"... عن السديّ، قال موسى للإسرائيلي: "إنّكَ لَغَوِيّ مُبِينٌ "ثم أقبل لينصره، فلما نظر إلى موسى قد أقبل نحوه ليبطش بالرجل الذي يقاتل الإسرائيلي، قالَ الإسرائيلي، وفَرِق من موسى أن يبطش به من أجل أنه أغلظ له الكلام: "يَا مُوسَى أتُرِيدُ أنْ تَقْتُلَنِي كمَا قَتَلْتَ نَفْسا بالأَمْسِ، إنْ تُرِيدُ إلاّ أنْ تَكُونَ جَبّارا فِي الأرْضِ وَما تُرِيدُ أنْ تَكُونَ مِنَ المُصْلِحِينَ" فتركه موسى...
وقوله: "إنْ تُرِيدُ إلاّ أنْ تَكُونَ جَبّارا فِي الأرْضِ" يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل الإسرائيليّ لموسى: "إن تريد": ما تريد إلاّ أن تكون جبارا في الأرض. وكان من فعل الجبابرة: قتل النفوس ظلما، بغير حقّ. وقيل: إنما قال ذلك لموسى الإسرائيل، لأنه كان عندهم مَن قتل نفسين: من الجبابرة... عن ابن جُرَيج، "إنْ تُرِيدُ إلاّ أنْ تَكُونَ جبّارا فِي الأرْضِ" قال: تلك سِيرة الجبابرة أن تقتل النفس بغير النفس. وقوله: "وَما تُرِيدُ أنْ تَكُونَ منَ المُصْلِحِينَ" يقول: ما تريد أن تكون ممن يعمل في الأرض بما فيه صلاح أهلها، من طاعة الله... عن ابن إسحاق "وَما تُرِيدُ أنْ تَكُونَ مِنَ المُصْلِحِينَ" أي ما هكذا يكون الإصلاح.
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
والجبار: الذي يفعل ما يريد من الضرب والقتل بظلم، لا ينظر في العواقب ولا يدفع بالتي هي أحسن: وقيل: المتعظم الذي لا يتواضع لأمر الله.
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
ثم دنا منهما لينصره؛ ثم قال مشيراً بالفاء إلى المبادرة إلى إصراخه: {فلما} وأثبت الحرف الذي أصله المصدر تأكيداً لمعنى الإرادة فقال: {أن أراد} أي شاء، وطلب وقصد مصدقاً ذلك بالمشي {أن يبطش} أي موسى عليه الصلاة والسلام {بالذي هو عدو لهما} أي من القبط بأخذه بعنف وسطوة لخلاص الإسرائيلي منه {قال} أي الإسرائيلي الغوي لأجل ما رأى من غضبه وكلمه به من الكلام الغص ظاناً أنه ما دنا إلا يريد البطش به هو، لما أوقعه فيه لا بعدوه: {يا موسى} ناصاً عليه باسمه العلم دفعاً لكل لبس منكر الفعلة الذي اعتقده لما رآه من دنوه إليهما غضبان وهو يذمه {أتريد أن تقتلني} أي اليوم وأنا من شيعتك {كما قتلت نفساً بالأمس} أي من شيعة أعدائنا، والذي دل على أن الإسرائيلي هو الذي قال له هذا الكلام السياق بكون الكلام معه -بما أشير إليه بدخوله المدينة على حين غفلة من أنهم لم يره أحد غير الإسرائيلي، وبقوله {عدو لهما} من ذم الإسرائيلي كما صرح به موسى عليه الصلاة والسلام.
ولما نم عليه وأفشى ما لا يعلمه غيره، خاف غائلته فزاد في الإغراء به. مؤكداً بقوله: {إن} أي ما {تريد إلا أن تكون} أي كوناً راسخاً {جباراً} أي قاهراً غالباً؛ قال أبو حيان: وشأن الجبار أن يقتل بغير حق. {في الأرض} أي التي تكون بها فلا يكون فوقك أحد {وما تريد} أي يتجدد لك إرادة {أن تكون} أي بما هو لك كالجبلة {من المصلحين} أي العريقين في الصلاح، فإن المصلح بين الناس لا يصل إلى القتل على هذه الصورة، فلما سمع الفرعوني هذا ترك الإسرائيلي، وكانوا- لما قتل ذلك القبطي -ظنوا في بني إسرائيل... فلما قال هذا الغوي هذه المقالة تحقق الأمر في موسى عليه الصلاة والسلام.
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :
{وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ} وإلا، فلو أردت الإصلاح لحلت بيني وبينه من غير قتل أحد، فانكف موسى عن قتله، وارعوى لوعظه وزجره، وشاع الخبر بما جرى من موسى في هاتين القضيتين، حتى تراود ملأ فرعون، وفرعون على قتله، وتشاوروا على ذلك.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
وإنه ليقع حينما يشتد الظلم، ويفسد المجتمع، وتختل الموازين، ويخيم الظلام، أن تضيق النفس الطيبة بالظلم الذي يشكل الأوضاع والقوانين والعرف؛ ويفسد الفطرة العامة حتى ليرى الناس الظلم فلا يثورون عليه، ويرون البغي فلا تجيش نفوسهم لدفعه؛ بل يقع أن يصل فساد الفطرة إلى حد إنكار الناس على المظلوم أن يدفع عن نفسه ويقاوم؛ ويسمون من يدفع عن نفسه أو غيره (جبارا في الأرض) كما قال القبطي لموسى. ذلك أنهم ألفوا رؤية الطغيان يبطش وهم لا يتحركون. حتى وهموا أن هذا هو الأصل، وأن هذا هو الفضل، وأن هذا هو الأدب، وأن هذا هو الخلق! وأن هذا هو الصلاح! فإذا رأوا مظلوما يدفع الظلم عن نفسه، فيحطم السياج الذي أقامه الطغيان لحماية الأوضاع التي يقوم عليها.. إذا رأوا مظلوما يهب لتحطيم ذلك السياج المصطنع الباطل ولولوا ودهشوا، وسموا هذا المظلوم الذي يدفع الظلم سفاكا أو جبارا، وصبوا عليه لومهم ونقمتهم. ولم ينل الظالم الطاغي من نقمتهم ولومهم إلا القليل! ولم يجدوا للمظلوم عذرا -حتى على فرض تهوره- من ضيقه بالظلم الثقيل! ولقد طال الظلم ببني إسرائيل، فضاقت به نفس موسى -عليه السلام- حتى رأيناه يندفع في المرة الأولى ويندم، ثم يندفع في المرة الثانية لما ندم عليه حتى ليكاد يفعله، ويهم أن يبطش بالذي هو عدو له ولقومه. لذلك لم يتخل الله عنه، بل رعاه، واستجاب له، فالله العليم بالنفوس يعلم أن للطاقة البشرية حدا في الاحتمال. وأن الظلم حين يشتد، وتغلق أبواب النصفة، يندفع المضطهد إلى الهجوم والاقتحام. فلم يهول في وصف الفعلة التي فعلها موسى، كما تهول الجماعات البشرية التي مسخ الظلم فطرتها بإزاء مثل هذا العمل الفطري مهما تجاوز الحدود تحت الضغط والكظم والضيق. وهذه هي العبرة التي تستشف من طريقة التعبير القرآنية عن الحادثتين وما تلاهما، فهو لا يبرر الفعلة ولكنه كذلك لا يضخمها. ولعل وصفها بأنها ظلم للنفس إنما نشأ من اندفاع موسى بدافع العصبية القومية. وهو المختار ليكون رسول الله، المصنوع على عين الله.. أو لعله كان لأنه استعجل الاشتباك بصنائع الطغيان؛ والله يريد أن يكون الخلاص الشامل بالطريقة التي قضاها، حيث لا تجدي تلك الاشتباكات الفردية الجانبية في تغيير الأوضاع. كما كف الله المسلمين في مكة عن الاشتباك حتى جاء الأوان. ويبدو أن رائحة فاحت عن قتيل الأمس، وأن شبهات تطايرت حول موسى. لما عرف عن كراهيته من قبل لطغيان فرعون وملئه، إلى جانب ما يكون قد باح به صاحبه الإسرائيلي سرا بين قومه، ثم تفشى بعد ذلك خارج بني إسرائيل. نرجح هذا لأن قتل موسى لأحد رجال فرعون في معركة بينه وبين إسرائيلي في مثل هذه الظروف يعد حدثا مريحا لنفوس بني إسرائيل، يشفى بعض غيظهم، فيشيع عادة وتتناقله الألسنة في همس وفرح وتشف، حتى يفشو ويتطاير هنا وهناك، وبخاصة إذا عرف عن موسى من قبل نفرته من البغي، وانتصاره للمظلومين. فلما أراد موسى أن يبطش بالقبطي الثاني واجهه هذا بالتهمة، لأنها عندئذ تجسمت له حقيقة، وهو يراه يهم أن يبطش به، وقال له تلك المقالة: (أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس؟). أما بقية عبارته: (إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض وما تريد أن تكون من المصلحين).. فتلهم أن موسى كان قد اتخذ له في الحياة مسلكا يعرف به أنه رجل صالح مصلح، لا يحب البغي والتجبر. فهذا القبطي يذكره بهذا ويوري به؛ ويتهمه بأنه يخالف عما عرف عنه. يريد أن يكون جبارا لا مصلحا، يقتل الناس بدلا من إصلاح ذات البين، وتهدئة ثائرة الشر. وطريقة خطابه له وموضوع خطابه، كلاهما يلهم أن موسى لم يكن إذ ذاك محسوبا من رجال فرعون. وإلا ما جرؤ المصري على خطابه بهذه اللهجة، ولما كان هذا موضوع خطابه.
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
البطش: الأخذ بالعنف، والمراد به الضرب...
والجبار: الذي يفعل ما يريد مما يضر بالناس ويؤاخذ الناس بالشدة دون الرفق...
والمعنى: إنك تحاول أن تكون متصرفاً بالانتقام وبالشدة ولا تحاول أن تكون من المصلحين بين الخصمين بأن تسعى في التراضي بينهما. ويظهر أن كلام القبطي زجر لموسى عن البطش به وصار بينهما حواراً أعقبه مجيء رجل من أقصى المدينة.