صرفنا : كررنا ورردنا بوجوه مختلفة .
كفورا : جحودا ، وهو من مصادر كفر .
89_ { ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل . . . }
أي : ولقد رددنا القول فيه بوجوه مختلفة ، وكررنا الآيات والعبر ، والترغيب والترهيب ، والأوامر والنواهي ، وأقاصيص الأولين ، والجنة والنار ؛ ليدبروا آياته ، ويتعظوا بها .
فمن الناس من ينفعه الوعد ، ومنهم من ينجح معه الوعيد ومنهم من يستهويه قصص الأولين ، ومنهم من يلفت نضره وصف الكون ، وعرض مشاهده وآيات الله فيه ، ومنه من يأسره الحديث عن دقائق النفس ، وأحاسيسها ومواقفها في السراء والضراء ، وقد نوع القرآن آياته ؛ فمنها : ما اشتمل على الأحكام ، وبيان الحلال والحرام ، ومنها : ما عنى بأخبار الأمم السابقة ، وجزاء المكذبين وثواب العاملين ، ومنها : ما عنى بوصف مشاهد الكون ، وحقائق الوجود ، ومنها ما عنى بسلوك الأفراد والجماعات ومنها : ما حث على الفضائل ودعا إليها وحذر من الرذائل ، وتوعد من فعلها .
وبذالك أخد القرآن على النفس البشرية كل سبيل ، ووضح أمامها أدلة الإيمان ، وحقائق الإسلام ، واستثار في الإنسان نوازع الفطرة ، وتتبع أفكار المنكرين الجاحدين بالتفنيد ، حتى ألقوا سلاحهم وأظهروا عجزهم ، وقد تحداهم القرآن أن يأتوا بمثله ، أو بعشر صور مثله ، أو بصورة واحدة فعجزوا ولزمهم العجز إلى يوم الدين . فأبى أكثر الناس إلا كفورا أي : فأبى أكثر الناس إلا الجحود والإنكار ، والثبات على الكفر ، والإعراض عن الحق الحق .
ومع عجز المشركين عن الإِتيان بسورة من مثل القرآن الكريم إلا أنهم استمروا فى طغيانهم يعمهون ، وأبوا التذكر والتدبر ، ولقد صور - سبحانه - أحوالهم أكمل تصوير فقال : { وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً } .
أى : ولقد صرفنا وكررنا ونوعنا للناس فى هذا القرآن من كل مثل ، أى : من كل معنى بديع ، هو كالمثل فى بلاغته ، وإقناعه للنفوس ، وشرحه للصدور ، واشتماله على الفوائد الجمة . . .
ومفعول : { صرفنا } محذوف ، والتقدير : ولقد صرفنا الهدايات والعبر بوجوه متعددة . .
وقوله - سبحانه - : { فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً } بيان لموقف الفاسقين عن أمر ربهم من هدايات القرآن الكريم وتوجيهاته ، وأوامره ونواهيه .
أى : فأبى أكثر الناس الاستجابة لهديه ، وامتنعوا عن الإِيمان بأنه من عند الله - تعالى - وجحدوا آياته وإرشاداته ، وعموا وصموا عن الحق الذى جاءهم به من نُزِّل عليه القرآن ، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وقال - سبحانه - : { فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ } بالإِظهار فى مقام الإِضمار ، للتأكيد والتوضيح .
والمراد بأكثر الناس : أولئك الذين بلغهم القرآن الكريم ، واستمعوا إلى آياته وتوجيهاته وتشريعاته وآدابه ، ولكنهم استحبوا الكفر على الإِيمان ، وآثروا الضلالة على الهداية .
وعبر - سبحانه - بالأكثر ، إنصافاً للقلة المؤمنة التى فتحت صدورها للقرآن ، فآمنت به ، وعملت بما فيه من أوامر ونواه . .
قال الجمل : فإن قيل : كيف جاز قوله { فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً } حيث وقع الاستثناء المفرغ فى الإِثبات . مع أنه لا يصح ، إذ لا يصح أن تقول : ضربت إلا زبدا .
فالجواب : أن لفظة { أبى } تفيد النفى ، فكأنه قيل : فلم يرضوا إلا كفورا .
وبذلك نرى الآيات الكريمة قد ساقت ما يدل على وحدانية الله - تعالى - وقدرته ، وعلمه ، وفضله على نبيه صلى الله عليه وسلم وعلى الناس ، وعلى أن هذا القرآن من عند الله ، ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً .
ثم حكى - سبحانه - بعض المطالب المتعنتة التى طلبها المشركون من النبى صلى الله عليه وسلم فقال - تعالى - : { وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعاً . . . } .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.