مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَقُل رَّبِّ أَنزِلۡنِي مُنزَلٗا مُّبَارَكٗا وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلۡمُنزِلِينَ} (29)

ثم إنه سبحانه بعد أن أمره بالحمد على إهلاكهم أمره بأن يدعو لنفسه فقال : { وقل رب أنزلني منزلا مباركا } وقرئ { منزلا } بمعنى إنزالا أو موضع إنزال كقوله ليدخلنهم مدخلا يرضونه . واختلفوا في المنزل على قولين : أحدهما : أن المراد هو نفس السفينة فمن ركبها خلصته مما جرى على قومه من الهلاك . والثاني : أن المراد أن ينزله الله بعد خروجه من السفينة من الأرض منزلا مباركا والأول أقرب لأنه أمر بهذا الدعاء في حال استقراره في السفينة ، فيجب أن يكون المنزل ذلك دون غيره . ثم بين سبحانه بقوله : { وأنت خير المنزلين } أن الإنزال في الأمكنة قد يقع من غير الله كما يقع من الله تعالى وإن كان هو سبحانه خير من أنزل لأنه يحفظ من أنزله في سائر أحواله ويدفع عنه المكاره بحسب ما يقتضيه الحكم والحكمة .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَقُل رَّبِّ أَنزِلۡنِي مُنزَلٗا مُّبَارَكٗا وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلۡمُنزِلِينَ} (29)

{ وَقُل رَّبّ أنزلني } في الفلك { مُنزَلاً } أي إنزالاً أو موضع إنزال { مُبَارَكاً } يتسبب لمزيد الخير في الدارين { وَأَنتَ خَيْرُ المنزلين } أي من يطلق عليه ذلك ، والدعاء بذلك إذا كان بعد الدخول فالمراد إدامة ذلك الإنزال ولعل المقصود إدامة البركة ، وجوز أن يكون دعاء بالتوفيق للنزول في أبرك منازلها لأنها واسعة ، وإن كان قبل الدخول فالأمر واضح . وروى جماعة عن مجاهد أن هذا دعاء أمر نوح عليه السلام أن يقوله عند النزول من السفينة فالمعنى رب أنزلني منها في الأرض منزلاً الخ ، وأخذ منه قتادة ندب أن يقول راكب السفينة عند النزول منها { رَّبّ أنزلني } الخ ، واستظهر بعضهم الأول إذ العطف ظاهر في أن القولين وقت الاستواء ، وأعاد { قُلْ } لتعدد الدعاء ، والأول متضمن دفع مضرة ولذا قدم وهذا لجلب منفعة .

وأمره عليه السلام أن يشفع دعاءه ما يطابقه من ثنائه عز وجل توسلاً به إلى الإجابة فإن الثناء على المحسن يكون مستدعياً لإحسانه . وقد قالوا : الثناء على الكريم يغني عن سؤاله ، وإفراده عليه السلام بالأمر مع شركة الكل في الاستواء لإظهار فضله عليه السلام وأنه لا يليق غيره منهم للقرب من الله تعالى والفوز بعز الحضور في مقام الإحسان مع الإيماء إلى كبريائه عز وجل وأنه سبحانه لا يخاطب كل أحد من عباده والإشعار بأن في دعائه عليه السلام وثنائه مندوحة عما عداه .

وقرأ أبو بكر . والمفضل . وأبو حيوة . وابن أبي عبلة . وأبان { مُنزَلاً } بفتح الميم وفتح الزاي أي مكان نزول . وقرأ أبو بكر عن عاصم { مُنزَلاً } بفتح الميم وكسر الزاي . قال أبو علي : يحتمل أن يكون المنزل على هذه القراءة مصدراً وأن يكون موضع نزول .