ثم قال تعالى : { قل كفى بالله بيني وبينكم شهيدا } لما ظهرت رسالته وبهرت دلالته ولم يؤمن به المعاندون من أهل الكتاب قال كما يقول الصادق إذا كذب وأتى بكل ما يدل على صدقه ولم يصدق الله يعلم صدقي وتكذيبك أيها المعاند وهو على ما أقول شهيد يحكم بيني وبينكم ، كل ذلك إنذار وتهديد يفيده تقريرا وتأكيدا ، ثم بين كونه كافيا بكونه عالما بجميع الأشياء . فقال : { يعلم ما في السماوات والأرض } وههنا مسألة : وهي أن الله تعالى قال في آخر الرعد { ويقول الذين كفروا لست مرسلا قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب } فأخر شهادة أهل الكتاب ، وفي هذه السورة قدمها حيث قال : { فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به } ومن هؤلاء من يؤمن به أي من أهل الكتاب فنقول الكلام هناك مع المشركين ، فاستدل عليهم بشهادة غيرهم ثم إن شهادة الله أقوى في إلزامهم من شهادة غير الله ، وههنا الكلام مع أهل الكتاب ، وشهادة المرء على نفسه هو إقراره وهو أقوى الحجج عليه فقدم ما هو ألزم عليهم .
ثم إنه تعالى لما بين الطريقين في إرشاد الفريقين المشركين وأهل الكتاب عاد إلى الكلام الشامل لهما والإنذار العام فقال تعالى : { والذين آمنوا بالباطل وكفروا بالله أولئك هم الخاسرون } أي الذين آمنوا بما سوى الله لأن ما سوى الله باطل لأنه هالك بقوله : { كل شيء هالك إلا وجهه } وكل ما هلك فقد بطل فكل هالك باطل وكل ما سوى الله باطل ، فمن آمن بما سوى الله فقد آمن بالباطل ، وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قوله : { أولئك هم الخاسرون } يقتضي الحصر أي من أتى بالإيمان بالباطل والكفر بالله فهو خاسر فمن يأتي بأحدهما دون الآخر ينبغي أن لا يكون خاسرا فنقول يستحيل أن يكون الآتي بأحدهما لا يكون آتيا بالآخر ، أما الآتي بالإيمان بما سوى الله فلأنه أشرك بالله فجعل غير الله مثل غيره لكن غيره عاجز جاهل ممكن باطل فيكون الله كذلك فيكون إنكارا لله وكفرا به ، وأما من كفر به وأنكره فيكون قائلا بأن العالم ليس له إله موجد فوجود العالم من نفسه ، فيكون قائلا بأن العالم واجب والواجب إله ، فيكون قائلا بأن غير الله إله فيكون إثباتا لغير الله وإيمانا به .
المسألة الثانية : إذا كان الإيمان بما سوى الله كفرا به ، فيكون كل من آمن بالباطل فقد كفر بالله ، فهل لهذا العطف فائدة غير التأكيد الذي هو في قول القائل قم ولا تقعد واقرب مني ولا تبعد ؟ نقول نعم فيه فائدة غيرها ، وهو أنه ذكر الثاني لبيان قبح الأول كقول القائل أتقول بالباطل وتترك الحق لبيان أن القول باطل قبيح .
المسألة الثالثة : هل يتناول هذا أهل الكتاب أي هل هم آمنوا بالباطل وكفروا بالله ؟ نقول نعم ، لأنهم لما صح عندهم أن معجزة النبي من عند الله وقطعوا بها وعاندوا وقالوا إنها من عند غير الله ، يكون كمن رأى شخصا يرمي حجارة ، فقال إن رامي الحجارة زيد يقطع بأنه قائل بأن هذا الشخص زيد حتى لو سئل عن عين ذلك الشخص وقيل له من هذا الرجل يقول زيد ، فكذلك هم لما قطعوا بأن مظهر المعجزة هو الله وقالوا بأن محمدا مظهر هذا يلزمهم أن يقولوا محمد هو الله تعالى فيكون إيمانا بالباطل ، وإذا قالوا بأن من أظهر المعجزة ليس بإله مع أنهم قطعوا بخصوص مظهر المعجزة يكونون قائلين بأن ذلك المخصوص الذي هو الله ليس بإله فيكون كفرا به ، وهذا لا يرد علينا فيمن يقول فلعل العبد مخلوق الله تعالى أو مخلوق العبد ، فإنه أيضا ينسب فعل الله إلى الغير ، كما أن المعجزة فعل الله وهم نسبوها إلى غيره لأن هذا القائل جهل النسبة ، كمن يرى حجارة رميت ولم ير عين راميها ، فيظن أن راميها زيد فيقول زيد هو رامي هذه الحجارة ، ثم إذا رأى راميها بعينه ويكون غير زيد لا يقطع بأن يقول هو زيد ، وأما إذا رأى عينه ورميه للحجارة وقال رامي الحجارة زيد ، يقطع بأنه يقول هذا الرجل زيد فظهر الفرق من حيث إنهم كانوا معاندين عالمين بأن الله مظهر تلك المعجزة ، ويقولون بأنها من عند غير الله .
ثم قوله : { هم الخاسرون } كذلك بأتم وجوه الخسران ، وهذا لأن من يخسر رأس المال ولا تركبه ديون يطالب بها دون من يخسر رأس المال وتركبه تلك الديون ، فهم لما عبدوا غير الله أفنوا العمر ولم يحصل لهم في مقابلته شيء ما أصلا من المنافع ، واجتمع عليهم ديون ترك الواجبات يطالبون بها حيث لا طاقة لهم بها .
{ قُلْ كفى بالله بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً } أي عالماً بما صدر عني من التبليغ والإنذار وبما صدر عنكم من مقابلتي بالتكذيب والإنكار فيجازي سبحانه كلا بما يليق به { يَعْلَمُ مَا فِى السموات والأرض } أي من الأمور التي من جملتها شأني وشأنكم فهو تقرير لما قبله من كفايته تعالى شهيداً ، وجوز أن يكون المعنى كفى به عز وجل شاهداً بصدقي أي مصدقاً لي فيما ادعيته بالمعجزات تصديق الشاهد لدعوى المدعى ، وجملة { يَعْلَمْ } إما صفة { شَهِيداً } أو حال أو استئناف لتعليل كفايته ، وقيل عليه : إن هذا الوجه لا يلائمه قوله تعالى : { بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ } سواء تعلق بكفي أو بشهيداً ولا قوله سبحانه : { يَعْلَمُ مَا فِى السموات } الخ ، وفيه تأمل .
وقد يؤيد ذلك بما روي أن كعب بن الأشرف . وأصحابه قالوا : يا محمد من يشهد بأنك رسول الله ؟ فنزلت { قُلْ كفى } الآية إلا أن في القلب من صحة هذه الرواية شيئاً لما أن السياق والسباق مع كفرة قريش فلا تغفل .
وأياً ما كان فلا منافاة بين هذه الآية ، وقوله تعالى : { وادعوا شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ الله } [ البقرة : 32 ] بناء على أن المعنى لا تستشهدوا بالله تعالى ولا تقولوا الله تعالى يشهد أن ما ندعيه حق كما يقوله العاجز عن إقامة البينة إما لأن الشهيد ههنا بمعنى العالم والكلام وعد ووعيد ، وأما بمعنى المصدق بالمعجزات وليست الشهادة بأحد المعنيين هناك . والباء في { بالله } زائدة والاسم الجليل فاعل { كفى } ، وقال الزجاج : أن الباء دخلت لتضمن كفى معنى اكتف فالباء كما قال اللقاني معدية لا زائدة ، قال ابن هشام في المغنى : وهو من الحسن بمكان ويصححه قولهم : اتقى الله تعالى امرؤ فعل خيراً يثب عليه أي ليتق بدليل جزم يثب ويوجبه قولهم : كفى بهند بترك التاء فإن احتج بالفاصل فهو مجوز لا موجب بدليل { وما تسقط من ورقة } [ الأنعام : 59 ] فإن عورض بأحسن بهند فالتاء لا تلحق صيغ الأمر وإن كان معناها الخبر اه .
وتعقب ذلك الشيخ يس الحمصي في حواشيه على التصريح فقال : أقول تفسير { كفى } على هذا القول باكتف غير صحيح إذ فاعل { كفى } حينئذ ضمير المخاطب ، و { كفى } ماض وهو لا يرفع ضمير المخاطب المستتر اه وفيه بعد بحث لا يخفى على المتأمل .
وظن بعض الناس أن { كفى } على هذا القول اسم فعل أمر يخاطب به المفرد المذكر وغيره نحو حي في حي على الصلاة فالمعنى هنا اكتفوا بالله ، وأنت تعلم أن هذا بعيد الإرادة من كلام الزجاج ويأباه كلام ابن هشام ، وقال ابن السراج : الفاعل ضمير الاكتفاء ، قال ابن هشام : وصحة قوله موقوفة على جواز تعلق الجار بضمير المصدر وهو قول الفارسي .
والرماني أجازوا مروري بزيد حسن وهو بعمرو قبيح ، وأجاز الكوفيون اعماله في الظرف وغيره ، ومنع جمهور البصريين أعماله مطلقاً اه .
وتعقب ذلك ابن الصائغ فقال : لا نسلم توقف الصحة على ذلك لجواز أن تكون الباء للحال ، وعليه يكون المعنى { كفى } هو أي الاكتفاء حال كونه ملتبساً بالله تعالى ، ولا يخفى أنه ما لم يبطل هذا القول لا يتم ما ادعاه ابن هشام من أن ترك التاء في كفى بهند يوجب كون كفى مضمناً معنى اكتفى فتدبر { والذين ءامَنُواْ بالباطل } قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : أي بغير الله عز وجل وهو شامل لنحو عيسى والملائكة عليهم السلام .
والباطل في الحقيقة عبادتهم وليس الباطل هنا مثله في قول حسان :
ألا كل شيء ما خلا الله باطل *** ، وقال مقاتل : أي بعبادة الشيطان ، وقيل : أي بالصنم { وَكَفَرُواْ بالله } مع تعاضد موجبات الإيمان به عز وجل { أولئك هُمُ الخاسرون } المغبونون في صفقتهم حيث اشتروا الكفر بالإيمان فاستوجبوا العقاب يوم الحساب ، وفي الكلام على ما قيل : استعارة مكنية شبه استبدال الكفر بالإيمان المستلزم للعقاب اشتراء مستلزم للخسران ، وفي الخسران استعارة تخييلية هي قرينتها لأن الخسران متعارف في التجارات ، وهذا الكلام ورد مورد الانصاف حيث لم يصرح بأنهم المؤمنون بالباطل الكافرون بالله عز وجل بل أبرزه في معرض العموم ليهجم به التأمل على المطلوب فهو كقوله تعالى : { إِنَّا أَو إِيَّاكُمْ لعلى هُدًى أَوْ فِى ضلال مُّبِينٍ } [ سبأ : 4 2 ] وكقول حسان :
فشركما لخيركما الفداء *** وهذا من قبيل المجادلة بالتي هي أحسن .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.