المسألة الثالثة : ذكروا في الحميم أنه الصفر المذاب ، وهو باطل بل الحميم الماء الحار المغلي جدا .
المسألة الرابعة : ذكروا في الغساق وجوها .
أحدها : قال أبو معاذ كنت أسمع مشايخنا يقولون الغساق فارسية معربة يقولون للشيء الذي يتقذرونه خاشاك . ( وثانيها ) : أن الغساق هو الشيء البارد الذي لا يطاق ، وهو الذي يسمى بالزمهرير . ( وثالثها ) : الغساق ما يسيل من أعين أهل النار وجلودهم من الصديد والقيح والعرق وسائر الرطوبات المستقذرة ، وفي كتاب الخليل غسقت عينه ، تغسق غسقا وغساقا . ( ورابعها ) : الغساق هو المنتن ، ودليله ما روي أنه عليه السلام قال : لو أن دلوا من الغساق يهراق على الدنيا لأنتن أهل الدنيا . ( وخامسها ) : أن الغاسق هو المظلوم قال تعالى : { ومن شر غاسق إذا وقب } فيكون الغساق شرابا أسود مكروها يستوحش كما يستوحش الشيء المظلم ، إذا عرفت هذا فنقول إن فسرنا الغساق بالبارد كان التقدير : لا يذوقون فيها بردا إلا غساقا ولا شرابا إلا حميما ، إلا أنهما جمعا لأجل انتظام الآي ، ومثله من الشعر قول امرئ القيس :
كأن قلوب الطير رطبا ويابسا *** لدي وكرها العناب والحشف البالي
والمعنى كأن قلوب الطير رطبا العناب ويابسا الحشف البالي . أما إن فسرنا الغساق بالصديد أو بالنتن احتمل أن يكون الاستثناء بالحميم والغساق راجعا إلى البرد والشراب معا ، وأن يكون مختصا بالشراب فقط .
أما الاحتمال الأول : فهو أن يكون التقدير لا يذوقون فيها شرابا إلا الحميم البالغ في الحميم والصديد المنتن .
وأما الاحتمال الثاني : فهو أن يكون التقدير لا يذوقون فيها شرابا إلا الحميم البالغ في السخونة أو الصديد المنتن والله أعلم بمراده ، فإن قيل الصديد لا يشرب فكيف استثنى من الشراب ؟ قلنا : إنه مائع فأمكن أن يشرب في الجملة فإن ثبت أنه غير ممكن كان ذلك استثناء من غير الجنس ووجهه معلوم .
المسألة الخامسة : قرأ حمزة والكسائي وعاصم من رواية حفص عنه غساقا بالتشديد فكأنه فعال بمعنى سيال ، وقرأ الباقون بالتخفيف مثل شراب والأول نعت والثاني اسم .
وقوله تعالى لا يذوقون صفة كاشفة أو جملة مفسرة لا محل لها من الإعراب وهو على ما ذكر أولاً جملة مبتدأة خبر عنهم والمراد بالبرد ما يروحهم وينفس عنهم حر النار فلا ينافي أنهم قد يعذبون بالزمهرير والشراب معروف والحميم الماء الشديد الحرارة والغساق ما يقطر من جلود أهل النار من الصديد أي لا يذوقون فيها شيئاً ما من روح ينفس عنهم حر النار ولا من شراب يسكن عطشهم لكن يذوقون ماءً حاراً وصديداً وفي الحديث " أن الرجل منهم إذا أدنى ذلك من فيه سقط فروة وجهه حتى يبقى عظاماً تقعقع " وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن البرد الشراب البارد المستلذ ومنه قول حسان بن ثابت
: يسقون من ورد البريص عليهم *** برد يصفق بالرحيق السلسل
: أماني من سعدى حسان كأنما *** سقتك بها سعدى على ظمأ بردا
فيكون ولا شراباً من نفي العام بعد الخاص وقال أبو عبيدة والكسائي والفضل بن خالد ومعاذ النحوي البرد النوم والعرب تسميه بذلك لأنه يبرد سورة العطش ومن كلامهم منه البرد البرد وقال الشاعر
: فلو شئت حرمت النساء سواكم *** وإن شئت لم أطعم نقاخاً ولا برداً
أي وهو مجاز في ذلك عند بعض ونقل في «البحر » عن كتاب اللغات في القرآن أن البرد هو النوم بلغة هذيل وعن ابن عباس وأبي العالية الغساق الزمهرير وهو على ما قيل مستثنى من برداً إلا أنه أخر لتوافق رؤوس الآي فلا تغفل وقرأ غير واحد من السبعة غساقاً بالتخفيف .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.