مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{لَّا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرۡدٗا وَلَا شَرَابًا} (24)

ورابعها : قوله تعالى : { لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا إلا حميما وغساقا جزاءا وفاقا } . وفيه مسائل :

المسألة الأولى : إن اخترنا قول الزجاج كان قوله : { لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا } متصلا بما قبله ، والضمير في قوله : { فيها } عائدا إلى الأحقاب ، وإن لم نقل به كان هذا كلاما مستأنفا مبتدأ ، والضمير في قوله عائدا إلى جهنم .

المسألة الثانية : في قوله : { بردا } وجهان ( الأول ) : أنه البرد المعروف ، والمراد أنهم لا يذوقون مع شدة الحر ما يكون فيه راحة من ريح باردة ، أو ظل يمنع من نار ، ولا يجدون شرابا يسكن عطشهم ، ويزيل الحرقة عن بواطنهم ، والحاصل أنه لا يجدون هواء باردا ، ولا ماء باردا ( والثاني ) : البرد ههنا النوم ، وهو قول الأخفش والكسائي والفراء وقطرب والعتبي ، قال الفراء : وإنما سمي النوم بردا لأنه يبرد صاحبه ، فإن العطشان ينام فيبرد بالنوم ، وأنشد أبو عبيدة والمبرد في بيان أن المراد النوم قول الشاعر :

بردت مراشفها علي فصدني *** عنها وعن رشفاتها البرد

يعني النوم ، قال المبرد : ومن أمثال العرب : منع البرد البرد أي أصابني من البرد ما منعني من النوم ، واعلم أن القول الأول أولى لأنه إذا أمكن حمل اللفظ على الحقيقة المشهورة ، فلا معنى لحمله على المجاز النادر الغريب ، والقائلون بالقول الثاني تمسكوا في إثباته بوجهين ( الأول ) : أنه لا يقال ذقت البرد ويقال ذقت النوم . ( الثاني ) : أنهم يذوقون برد الزمهرير ، فلا يصح أن يقال إنهم ما ذاقوا بردا ، وهب أن ذلك البرد برد تأذوا به ، ولكن كيف كان ، فقد ذاقوا البرد ( والجواب عن الأول ) : كما أن ذوق البرد مجاز فكذا ذوق النوم أيضا مجاز ، ولأن المراد من قوله : { لا يذوقون فيها بردا } أي لا يستنشقونه فيها نفسا باردا ، ولا هواء باردا ، والهواء المستنشق ممره الفم والألف فجاز إطلاق لفظ الذوق عليه ( والجواب عن الثاني ) : أنه لم يقل لا يذوقون فيها البرد بل قال يذوقون فيها بردا واحدا ، وهو البرد الذي ينتفعون به ويستريحون إليه .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{لَّا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرۡدٗا وَلَا شَرَابًا} (24)

وقوله تعالى لا يذوقون صفة كاشفة أو جملة مفسرة لا محل لها من الإعراب وهو على ما ذكر أولاً جملة مبتدأة خبر عنهم والمراد بالبرد ما يروحهم وينفس عنهم حر النار فلا ينافي أنهم قد يعذبون بالزمهرير والشراب معروف والحميم الماء الشديد الحرارة والغساق ما يقطر من جلود أهل النار من الصديد أي لا يذوقون فيها شيئاً ما من روح ينفس عنهم حر النار ولا من شراب يسكن عطشهم لكن يذوقون ماءً حاراً وصديداً وفي الحديث " أن الرجل منهم إذا أدنى ذلك من فيه سقط فروة وجهه حتى يبقى عظاماً تقعقع " وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن البرد الشراب البارد المستلذ ومنه قول حسان بن ثابت

: يسقون من ورد البريص عليهم *** برد يصفق بالرحيق السلسل

وقول الآخر

: أماني من سعدى حسان كأنما *** سقتك بها سعدى على ظمأ بردا

فيكون ولا شراباً من نفي العام بعد الخاص وقال أبو عبيدة والكسائي والفضل بن خالد ومعاذ النحوي البرد النوم والعرب تسميه بذلك لأنه يبرد سورة العطش ومن كلامهم منه البرد البرد وقال الشاعر

: فلو شئت حرمت النساء سواكم *** وإن شئت لم أطعم نقاخاً ولا برداً

أي وهو مجاز في ذلك عند بعض ونقل في «البحر » عن كتاب اللغات في القرآن أن البرد هو النوم بلغة هذيل وعن ابن عباس وأبي العالية الغساق الزمهرير وهو على ما قيل مستثنى من برداً إلا أنه أخر لتوافق رؤوس الآي فلا تغفل وقرأ غير واحد من السبعة غساقاً بالتخفيف .