مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{فَيَوۡمَئِذٖ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُۥٓ أَحَدٞ} (25)

قوله تعالى : { فيومئذ لا يعذب عذابه أحد ولا يوثق وثاقه أحد } وفيه مسألتان :

المسألة الأولى : قراءة العامة يعذب ويوثق بكسر العين فيهما قال مقاتل معناه : فيومئذ لا يعذب عذاب الله أحد من الخلق ولا يوثق وثاق الله أحد من الخلق ، والمعنى لا يبلغ أحد من الخلق كبلاغ الله في العذاب والوثاق ، قال أبو عبيدة : هذا التفسير ضعيف لأنه ليس يوم القيامة معذب سوى الله فكيف يقال : لا يعذب أحد في مثل عذابه ، وأجيب عن هذا الاعتراض من وجوه ( الأول ) : أن التقدير لا يعذب أحد في الدنيا عذاب الله الكافر يومئذ ، ولا يوثق أحد في الدنيا وثاق الله الكافر يومئذ ، والمعنى مثل عذابه ووثاقه في الشدة والمبالغة ( الثاني ) : أن المعنى لا يتولى يوم القيامة عذاب الله أحد ، أي الأمر يومئذ أمره ولا أمر لغيره ( الثالث ) : وهو قول أبي علي الفارسي : أن يكون التقدير لا يعذب أحد من الزبانية مثل ما يعذبونه ، فالضمير في عذابه عائد إلى الإنسان ، وقرأ الكسائي لا يعذب ولا يوثق بفتح العين فيها واختاره أبو عبيدة ، وعن أبي عمرو أنه رجع إليها في آخر عمره ، لما روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأهما بالفتح والضمير للإنسان الموصوف ، وقيل : هو أبي بن خلف ولهذه القراءة تفسيران ( أحدهما ) : لا يعذب أحد مثل عذابه ولا يوثق بالسلاسل والأغلال مثل وثاقه ، لتناهيه في كفره وفساده ( والثاني ) : أنه لا يعذب أحد من الناس عذاب الكافر ، كقوله : { ولا تزر وازرة وزر أخرى } قال الواحدي وهذه أولى الأقوال .

المسألة الثانية : العذاب في القراءتين بمعنى التعذيب والوثاق بمعنى الإيثاق ، كالعطاء بمعنى الإعطاء في قوله :

[ أكفرا بعد رد الموت عن ] *** وبعد عطائك المائة الرتاعا

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{فَيَوۡمَئِذٖ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُۥٓ أَحَدٞ} (25)

{ فَيَوْمَئِذٍ } أي يوم إذ يكون ما ذكر من الأحوال والأقوال . { لاَّ يُعَذّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ } .

{ وَلاَ يُوثِقُ وثاقه أَحَدٌ } الهاء اما لله عز وجل أي لا يتولى عذاب الله تعالى ووثاقه سبحانه أحد سواه عز وجل وكأنه قيل لا يفعل عذاب الله تعالى ووثاقه ولا يباشرهما أحد وذلك لأن الفعل في ضمن كل فعل خاص واستعمل ذلك استعمالاً شائعاً في مثل

. وقد حيل بين العير والنزوان *** وان { نظن إلا ظناً } [ الجاثية : 32 ] فالعذاب مفعول به وكذا الوثاق وفيه تعظيم عذاب الله تعالى ووثاقه سبحانه لهذا الإنسان الذي شرح من أحواله ما شرح على طريق الكناية فما ادعاه ابن الحاجب من عدم قوة المعنى على تقدير عود الضمير إليه تعالى بناء على فوات التعظيم الذي يقتضيه السياق فللغفول عن نكتة الكناية وإما للإنسان الموصوف والإضافة إلى المفعول أي لا يعذب ولا يوثق أحد من الزبانية أحداً من أهل النار مثل ما يعذبونه ويوثقونه كأنه أشدهم عذاباً ووثاقاً لأنه أشدهم سيئات أفعال وقبائح أحوال وهو وجه حسن بل هو أرجح من الأول على ما سنشير إليه إن شاء الله تعالى وقرأ ابن سيرين وابن أبي إسحق وأبو حيوة وابن أبي عبلة وأبو بحرية وسلام والكسائي ويعقوب وسهل وخارجة عن أبي عمر ولا يعذب ولا يوثق بالبتاء للمفعول فالهاء في عذابه ووثاقه للإنسان الموصوف أي لا يعذب أحد مثل عذابه ولا يوثق بالسلاسل والإغلال مثل وثاقه لتناهيه في كفره وشقاقه ونصب العذاب على المصدرية واقع موقع التعذيب إما لأنه بمعناه في الأصل كالسلام بمعنى التسليم ثم نقل إلى ما يعذب به أو لأنه وضع موضعه كما يوضع العطاء موضع الإعطاء وكذلك الوثاق وجوز أن يكون المعنى لا يحمل عذاب الإنسان أحد ولا يوثق وثاقه أحد كقوله تعالى { ولا تزر وازرة وزر أخرى } [ الأنعام : 164 ] والعذاب عليه جار على المتعارف والنصب على تضمين التعذيب معنى التحميل والأول أنسب بمقام التغليظ على هذا الإنسان المفرط أوان التمكن والوجه الثاني للقراءة الأولى مطابق لهذا كما لا يخفى والمراد من أنه لا يعذب أحد مثل عذابه أنه لا يعذب أحد من جنسه كالعصاة كذلك فلا يلزم كونه أشد عذاباً من إبليس ومن في طبقته ثم إن الظاهر أن المراد جنس المتصف بما ذكر وقيل المراد به أمية بن خلف وقيل أبي بن خلف وهو خلاف الظاهر وإن قيل إن الآية نزلت فيمن ذكر وأما القول بأن هذا المعذب الموثق إبليس عليه اللعنة فليس بشيء إذ لا يقال له إنسان وكون الضمير له وإن لم يسبق له ذكر للإنسان المذكور في قوله تعالى { يومئذ يتذكر الإنسان } [ الفجر : 23 ] الخ مما لا ينبغي أن يلتفت إليه وقرأ أبو جعفر وشيبة ونافع بخلاف عنه وثاقه بكسر الواو .