مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَكَذَٰلِكَ أَنزَلۡنَٰهُ قُرۡءَانًا عَرَبِيّٗا وَصَرَّفۡنَا فِيهِ مِنَ ٱلۡوَعِيدِ لَعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ أَوۡ يُحۡدِثُ لَهُمۡ ذِكۡرٗا} (113)

قوله تعالى :{ وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا ، فتعالى الله الملك الحق ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل رب زدني علما }

اعلم أن قوله : { وكذلك } عطف على قوله : { كذلك نقص } أي ومثل ذلك لا نزال وعلى نهجه أنزلنا القرآن كله ثم وصف القرآن بأمرين : أحدهما : كونه عربيا لتفهمه العرب فيقفوا على إعجازه ونظمه وخروجه عن جنس كلام البشر . والثاني : قوله : { وصرفنا فيه من الوعيد } أي كررناه وفصلناه ويدخل تحت الوعيد بيان الفرائض والمحارم لأن الوعيد فعل يتعلق فتكريره يقتضي بيان الأحكام فلذلك قال : { لعلهم يتقون } والمراد اتقاء المحرمات وترك الواجبات ولفظ لعل قد تقدم تفسيره في سورة البقرة في قوله : { والذين من قبلكم لعلكم تتقون } أما قوله : { أو يحدث لهم ذكرا } ففيه وجهان . الأول : أن يكون المعنى إنا إنما أنزلنا القرآن لأجل أن يصيروا متقين أي محترزين عما لا ينبغي أو يحدث القرآن لهم ذكرا يدعوهم إلى الطاعات وفعل ما ينبغي ، وعليه سؤالات :

السؤال الأول : القرآن كيف يكون محدثا للذكر . الجواب : لما حصل الذكر عند قراءته أضيف الذكر إليه .

السؤال الثاني : لم أضيف الذكر إلى القرآن وما أضيفت التقوى إليه . الجواب : أن التقوى عبارة عن أن لا يفعل القبيح ، وذلك استمرار على العدم الأصلي فلم يجز إسناده إلى القرآن ، أما حدوث الذكر فأمر حدث بعد أن لم يكن فجازت إضافته إلى القرآن .

السؤال الثالث : كلمة أو للمنافاة ولا منافاة بين التقوى وحدوث الذكر بل لا يصح الاتقاء إلا مع الذكر فما معنى كلمة أو . الجواب : هذا كقولهم جالس الحسن أو ابن سيرين أي لا تكن خاليا منهما فكذا ههنا . الوجه الثاني : أن يقال : إنا أنزلنا القرآن ليتقوا فإن لم يحصل ذلك فلا أقل من أن يحدث القرآن لهم ذكرا وشرفا وصيتا حسنا ، فعلى هذين التقديرين يكون إنزاله تقوى ،

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَكَذَٰلِكَ أَنزَلۡنَٰهُ قُرۡءَانًا عَرَبِيّٗا وَصَرَّفۡنَا فِيهِ مِنَ ٱلۡوَعِيدِ لَعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ أَوۡ يُحۡدِثُ لَهُمۡ ذِكۡرٗا} (113)

صرفنا : كررنا وفصلنا .

ذكرا : عظمة وعبرة .

وكما أنزلنا ما ذُكر من البيان الحق الذي سلف في هذه السورة ، كذلك أنزلنا القرآن كلَّه بأسلوب عربي واضح ، وصَرَّفنا فيه القول في أساليب الوعيد ليجتنبوا الشِرك والوقوعَ في المعاصي ، أو يتذكروه إذا أذنبوا فيتوبوا الى الله ويسألوه العفو .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَكَذَٰلِكَ أَنزَلۡنَٰهُ قُرۡءَانًا عَرَبِيّٗا وَصَرَّفۡنَا فِيهِ مِنَ ٱلۡوَعِيدِ لَعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ أَوۡ يُحۡدِثُ لَهُمۡ ذِكۡرٗا} (113)

{ وكذلك } عطف على { كذلك نَقُصُّ } [ طه : 99 ] والإشارة إلى إنزال ما سبق من الآيات المتضمنة للوعيد المنبئة عما سيقع من أحوال القيامة وأهوالها أي مثل ذلك الإنزال { أنزلناه } أي القرآن كله وهو تشبيه لإنزال الكل بإنزال الجزء والمراد أنه على نمط واحد ، وإضماره من غير سبق ذكره للإيذان بنباهة شأنه وكونه مركوزاً في العقول حاضراً في الأذهان { قُرْءاناً عَرَبِيّاً } ليفهمه العرب ويقفوا على ما فيه من النظم المعجز الدال على كونه خارجاً عن طوق الآدميين نازلاً من رب العالمين { وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الوعيد } أي كرر نافيه بعض الوعيد أو بعضاً من الوعيد ، والجملة عطف على جملة { أنزلناه } وجعلها حالاً قيد للإنزال خلاف الظاهر جداً .

{ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } المفعول محذوف وتقدم الكلام في لعل ، والمراد لعلهم يتقون الكفر والمعاصي بالفعل { أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً } أي عظة واعتباراً مؤدياً في الآخرة إلى الاتقاء ، وكأنه لما كانت التقوى هي المطلوبة بالذات منهم أسند فعلها إليهم ولما لم يكن الذكر كذلك غير الأسلوب إلى ما سمعت كذا قيل ، وقيل : المراد بالتقوى ملكتها ، وأسندت إليهم لأنها ملكة نفسانية تناسب الإسناد لمن قامت به ، وبالذكر العظة الحاصلة من استماع القرآن المثبطة عن المعاصي ، ولما كانت أمراً يتجدد بسبب استماعه ناسب الإسناد إليه ، ووصفه بالحدوث المناسب لتجدد الألفاظ المسموعة ، ولا يخفى بعد تفسير التقوى بملكتها على أن في القلب من التعليل شيئاً .

وفي «البحر » أسند ترجي التقوى إليهم لأن التقوى عبارة عن انتفاء فعل القبيح وذلك استمرار على العدم الأصلي ، وأسند ترجي أحداث الذكر للقرآن لأن ذلك أمر حدث بعد أن لم يكن انتهى ، وهو مأخوذ من كلام الإمام وفي قوله : لأن التقوى إلى آخره على إطلاقه منع ظاهر ، وفسر بعضهم التقوى بترك المعاصي والذكر بفعل الطاعات فإنه يطلق عليه مجاز لما بينهما من السببية والمسببية فكلمة أو على ما قيل للتنويع ، وفي الكلام إشارة إلى أن مدار الأمر التخلية والتحلية . والإمام ذكر في الآية وجهين ، الأول : أن المعنى إنما أنزلنا القرآن ليصيروا محترزين عن فعل ما لا ينبغي أو يحدث لهم ذكراً يدعوهم إلى فعل ما ينبغي فالكلام مشير أيضاً إلى التخلية والتحلية إلا أنه ليس فيه ارتكاب المجار ، والثاني : أن المعنى أنزلنا القرآن ليتقوا فإن لم يحصل ذلك فلا أقل من أن يحدث لهم ذكراً وشرفاً وصيتاً حسناً ، ولا يخفى أن هذا ليس بشيء ، وقال الطيبي : إن المعنى وكذلك أنزلناه قرآناً عربياً أي فصيحاً ناطقاً بالحق ساطعاً بيناته لعلهم يحدث لهم التأمل والتفكر في آياته وبيناته الوافية الشافية فيذعنون ويطيعون وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون العذاب ، ففي الآية لف من غير ترتيب وهي على وزان قوله تعالى : { لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يخشى } [ طه : 44 ] وعندي كون الآية متضمنة للتخلية والتحلية لا يخلو عن حسن فتأمل .

وقرأ الحسن { أَوْ يُحْدِثُ } بسكون الثاء ، وقرأ عبد الله . ومجاهد . وأبو حيوة . والحسن في رواية . والجحدري . وسلام { أَوْ } بالنون وسكون الثاء وذلك حمل وصل على وقف أو تسكين حرف الإعراب استثالاً لحركته كما قال ابن جني نحو قول امرئ القيس :

اليوم أشرب غير مستحقب *** إثماً من الله ولا واغل

وقول جرير :

سيروا بني العم فالأهواز منزلكم *** ونهر تيري ولا يعرفكم العرب