{ إلا عجوزا في الغابرين } فإن قيل : { في الغابرين } صفة لها كأنه قيل إلا عجوزا غابرة ، ولم يكن الغبور صفتها وقت تنجيتهم جوابه : معناه إلا عجوزا مقدرا غبورها ، قيل إنها هلكت مع من خرج من القرية بما أمطر عليهم من الحجارة . قال القاضي عبد الجبار في تفسيره في قوله تعالى : { وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم } دلالة على بطلان الجبر من جهات . أحدها : أنه لا يقال تذرون إلا مع القدرة على خلافه ، ولذلك لا يقال للمرء لم تذر الصعود إلى السماء ، كما يقال له لم تذر الدخول والخروج . وثانيها : أنه قال : { ما خلق لكم } ولو كان خلق الفعل لله تعالى لكان الذي خلق لهم ما خلقه فيهم وأوجبه لا ما لم يفعلوه . وثالثها : قوله تعالى : { بل أنتم قوم عادون } فإن كان تعالى خلق فيهم ما كانوا يعملون ، فكيف ينسبون إلى أنهم تعدوا ، وهل يقال للأسود إنك متعد في لونك ؟ فنقول حاصل هذه الوجوه يرجع إلى أن العبد لو لم يكن موجدا الأفعال نفسه لما توجه المدح والذم والأمر والنهي عليه ، ولهذه الآية في هذا المعنى خاصية أزيد مما ورد من الأمر والنهي والمدح والذم في قصة موسى عليه السلام وإبراهيم ونوح وسائر القصص ، فكيف خص هذه القصة بهذه الوجوه دون سائر القصص ، وإذا ثبت بطلان هذه الوجوه بقي ذلك الوجه المشهور فنحن نجيب عنها بالجوابين المشهورين . الأول : أن الله تعالى لما علم وقوع هذه الأشياء فعدمها محال لأن عدمها يستلزم انقلاب العلم جهلا وهو محال والمفضي إلى المحال محال ، وإذا كان عدمها محالا كان التكليف بالترك تكليفا بالمحال . الثاني : أن القادر لما كان قادرا على الضدين امتنع أن يترجح أحد المقدورين على الآخر إلا لمرجح وهو الداعي أو الإرادة وذلك المرجح محدث فله مؤثر وذلك المؤثر إن كان هو العبد لزم التسلسل وهو محال وإن كان هو الله تعالى فذلك هو الجبر على قولك ، فثبت بهذين البرهانين القاطعين سقوط ما قاله ، والله أعلم .
{ فنجيناه وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عَجُوزاً فِى الغابرين } .
والظاهر أن المراد بأهل بيته . وجوز أن يكون المراد بهم من تبع دينه مجازاً فيشمل أهل بيته المؤمنين وسائر من آمن به . وقيل : لا حاجة إلى هذا التعميم إذ لم يؤمن به عليه السلام إلا أهل بيته . والمراد بهذه العجوز امرأته عليه السلام وكانت كافرة مائلة إلى القوم راضية بفعلهم . والتعبير عنها بالعجوز للإيماء إلى أنه مما لا يشق أمر هلاكها على لوط عليه السلام وسائر أهله بمقتضى الطبيعة البشرية . وقيل : للإيماء إلى أنها قد عسيت في الكفر ودامت فيه إلى أن صارت عجوزاً ، والغابر الباقي بعد مضي من معه . وأنشد ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فيذلك قول عبيد بن الأبرص :
ذهبوا وخلفني المخلف فيهم *** فكأنني في الغابرين غريب
والمراد فنجيناه وأهله من العذاب بإخراجهم من بينهم ليلاً عند مشارفة حلوله بهم إلا عجوزاً مقدرة في الباقين في العذاب بعد سلامة من خرج . وإنما اعتبر البقاء في العذاب دون البقاء في الدار لما روي أنها خرجت مع لوط عليه السلام فأصابها حجر في الطريق فهلكت ، وقيل : المراد من الباقين في الدار بناء على أنها لهلاكها كأنها ممن بقي فيها أو أنها خرجت ثم رجعت فهلكت كما في بعض الروايات أو أنها لم تخرج مع لوط عليه السلام أصلاً كما في البعض الآخر منها . وقيل : الغابر طويل العمر وكأنه إنما أطلق عليه ذلك لبقائه مع مضي من كان معه . والمراد وصف العجوز بأنها طاعنة في السن . وقرأ عبد الله كما روي عنه مجاهد ( وواعدنا أن نؤتيه أهله أجمعين إلا عجوزاً في الغابرين ) .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.