مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{أَفَغَيۡرَ ٱللَّهِ أَبۡتَغِي حَكَمٗا وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ إِلَيۡكُمُ ٱلۡكِتَٰبَ مُفَصَّلٗاۚ وَٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يَعۡلَمُونَ أَنَّهُۥ مُنَزَّلٞ مِّن رَّبِّكَ بِٱلۡحَقِّۖ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمُمۡتَرِينَ} (114)

قوله تعالى : { أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين }

فيه مسائل :

المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما حكى عن الكفار أنهم أقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها ، أجاب عنه بأنه لا فائدة في إظهار تلك الآيات ، لأنه تعالى لو أظهرها لبقوا مصرين على كفرهم . ثم إنه تعالى بين في هذه الآية أن الدليل الدال على نبوته قد حصل وكمل ، فكان ما يطلبونه طلبا للزيادة . وذلك مما لا يجب الالتفات إليه ، وإنما قلنا : إن الدليل الدال على نبوته قد حصل لوجهين :

الوجه الأول : أن الله قد حكم بنبوته من حيث إنه أنزل إليه الكتاب المفصل المبين المشتمل على العلوم الكثيرة والفصاحة الكاملة ، وقد عجز الخلق عن معارضته . فظهور مثل هذا المعجز عليه يدل على أنه تعالى قد حكم بنبوته ، فقوله : { أفغير الله أبتغى حكما } يعني قل يا محمد : إنكم تتحكمون في طلب سائر المعجزات ، فهل يجوز في العقل أن يطلب غير الله حكما ؟ فإن كل أحد يقول إن ذلك غير جائز . ثم قل : إنه تعالى حكم بصحة نبوتي حيث خصني بمثل هذا الكتاب المفصل الكامل البالغ إلى حد الإعجاز .

والوجه الثاني : من الأمور الدالة على نبوته ؛ اشتمال التوراة والإنجيل على الآيات الدالة على أن محمدا عليه الصلاة والسلام رسول حق ، وعلى أن القرآن كتاب حق من عند الله تعالى ، وهو المراد من قوله : { والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق } وبالجملة فالوجهان مذكوران في قوله تعالى : { قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب } .

أما قوله تعالى في آخر الآية : { فلا تكونن من الممترين } ففيه وجوه : الأول : أن هذا من باب التهييج والإلهاب كقوله : { ولا تكونن من المشركين } والثاني : التقدير { فلا تكونن من الممترين } في أن أهل الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق . والثالث : يجوز أن يكون قوله : { فلا تكونن } خطابا لكل واحد والمعنى أنه لما ظهرت الدلائل فلا ينبغي أن يمتري فيها أحد . الرابع : قيل هذا الخطاب وإن كان في الظاهر للرسول إلا أن المراد منه أمته .

المسألة الثانية : قوله : { والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق } قرأ ابن عامر وحفص { منزل } بالتشديد والباقون بالتخفيف ، والفرق بين التنزيل والإنزال قد ذكرناه مرارا .

المسألة الثالثة : قال الواحدي : { أفغير الله أبتغى حكما } الحكم والحاكم واحد عند أهل اللغة ، غير أن بعض أهل التأويل قال الحكم أكمل من الحاكم لأن الحاكم كل من يحكم . وأما الحكم فهو الذي لا يحكم إلا بالحق والمعنى أنه تعالى حكم حق لا يحكم إلا بالحق . فلما أظهر المعجز الواحد وهو القرآن فقد حكم بصحة هذه النبوة ، ولا مرتبة فوق حكمه فوجب القطع بصحة هذه النبوة . فأما أنه هل يظهر سائر المعجزات أم لا ؟ فلا تأثير له في هذا الباب بعد أن ثبت أنه تعالى حكم بصحة هذه النبوة بواسطة إظهار المعجز الواحد .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{أَفَغَيۡرَ ٱللَّهِ أَبۡتَغِي حَكَمٗا وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ إِلَيۡكُمُ ٱلۡكِتَٰبَ مُفَصَّلٗاۚ وَٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يَعۡلَمُونَ أَنَّهُۥ مُنَزَّلٞ مِّن رَّبِّكَ بِٱلۡحَقِّۖ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمُمۡتَرِينَ} (114)

الحكم : من يتحاكم الناس إليه .

مفصّلا : مبينّاً فيه الحلال وكل ما يحتاجه البشر من الأحكام .

الممترين : الشاكّين .

ذَكَر الله هنا المبدأ الإسلامي الأول وهو مبدأ حق الحاكمية المطلقة لله وحده ، وتجريد البشر من ادّعاء هذا الحق أو مزاولته في أي صورة من الصور ، كما بيّن أنه أنزل القرآن الكريم ، وهو الآية الكبرى ، وأقوى الأدلة على رسالة نبيّه ، وهو الذين يجب الرجوع إليه في أمر الرسالة وإتباع حكمه فيها .

قل لهم أيها النبي : ليس لي أن أتعدّى حُكم الله ، ولا أن أطلب حكَماً غيره يفصل بيني وبينكم . لقد أنزل القرآن الكريم مفصّلاً واضحاً ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ، وبيّن فيه المبادئ الأساسية التي يقوم عليها نظام الحياة جملة ، كما تضمَن أحكاماً تفصيلية في المسائل التي يريد الله تثبيتها في المجتمع الإنساني ، مهما اختلفت مستوياته الاقتصادية والعلمية .

وبهذا وذاك كان في القرآن غَنَاء عن تحكيم غير الله في شأن من شؤون الحياة . ويَعلم الذين أوتوا الكتاب أن القرآن منزل من عند الله مشتملاً على الحق ، كما بشّرت به كتبهم ، لكنهم يحاولون إخفاء ذلك وكتمانه ، فلا تكونّن يا محمد أنت ومن اتّبعك من الذين يشكون في الحق بعد أن بينّاه . قراءات :

قرأ ابن عامر وحفص عن عاصم : «منزل » بالتشديد . والباقون «منزل » بالتخفيف .