ثم بعد ذلك ذكر دليلا قياسيا فقال : { وكذلك أنزلنا إليك الكتاب } يعني كما أنزلنا على من تقدمك أنزلنا عليك وهذا قياس ، ثم قال : { فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به } لوجود النص ومن هؤلاء كذلك ، واختلف المفسرون فقال بعضهم : المراد بالذين آتيناهم الكتاب من آمن بنبينا من أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وغيره وبقوله : { ومن هؤلاء } أي من أهل مكة وقال بعضهم : المراد بالذين آتيناهم الكتاب هم الذين سبقوا محمدا صلى الله عليه وسلم زمانا من أهل الكتاب ، ومن هؤلاء الذين هم في زمان محمد صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب وهذا أقرب ، فإن قوله : { هؤلاء } صرفه إلى أهل الكتاب أولى ، لأن الكلام فيهم ولا ذكر للمشركين ههنا ، إذ كان هذا الكلام بعد الفراغ من ذكرهم والإعراض عنهم لإصرارهم على الكفر ، وههنا وجه آخر أولى وأقرب إلى العقل والنقل ، وأقرب إلى الأحسن من الجدال المأمور به ، وهو أن نقول المراد بالذين آتيناهم الكتاب هم الأنبياء وبقوله : { ومن هؤلاء } أي من أهل الكتاب وهو أقرب ، لأن الذين آتاهم الكتاب في الحقيقة هم الأنبياء ، فإن الله ما آتى الكتاب إلا للأنبياء ، كما قال تعالى : { أولئك الذين آتيناهم الكتاب } وقال : { وآتينا داوود زبورا } وقال : { وآتاني الكتاب } وإذا حملنا الكلام على هذا لا يدخله التخصيص ، لأن كل الأنبياء آمنوا بكل الأنبياء ، وإذا قلنا بما قالوا به يكون المراد من الذين آتيناهم الكتاب عبد الله بن سلام واثنين أو ثلاثة معه أو عددا قليلا ، ويكون المراد بقوله : { ومن هؤلاء } غير المذكورين ، وعلى ما ذكرنا يكون مخرج الكلام كأنه قسم القوم قسمين أحدهما المشركين وتكلم فيهم وفرغ منهم والثاني أهل الكتاب وهو بعد في بيان أمرهم ، والوقت وقت جريان ذكرهم ، فإذا قال هؤلاء يكون منصرفا إلى أهل الكتاب الذين هم في وصفهم ، وإذا قال أولئك يكون منصرفا إلى المشركين الذين سبق ذكرهم وتحقق أمرهم ، وعلى هذا التفسير يكون الجدال على أحسن الوجوه ، وذلك لأن الخلاف في الأنبياء والأئمة قريب من الخلاف في فضيلة الرؤساء والملوك ، فإذا اختلف حزبان في فضيلة ملكين أو رئيسين ، وأدى الاختلاف إلى الاقتتال يكون أقوى كلام يصلح بينهم أن يقال لهم هذان الملكان متوافقان متصادقان ، فلا معنى لنزاعكم فكذلك ههنا قال النبي صلى الله عليه وسلم نحن آمنا بالأنبياء وهم آمنوا بي فلا معنى لتعصبكم لهم وكذلك أكابركم وعلماؤكم آمنوا ، ثم قال تعالى : { وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون } تنفيرا لهم عما هم عليه ، يعني أنكم آمنتم بكل شيء ، وامتزتم عن المشركين بكل فضيلة ، إلا هذه المسألة الواحدة ، وبإنكارها تلتحقون بهم وتبطلون مزاياكم ، فإن الجاحد بآية يكون كافرا .
( وكذلك أنزلنا إليك الكتاب . فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به ، ومن هؤلاء من يؤمن به ، وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون ) . .
( كذلك ) . على النهج الواحد المتصل . وعلى السنة الواحدة التي لا تتبدل . وعلى الطريقة التي يوحي بها الله لرسله ( وكذلك أنزلنا إليك الكتاب ) . . فوقف الناس بإزائه في صفين : صف يؤمن به من أهل الكتاب ومن قريش ، وصف يجحده ويكفر به مع إيمان أهل الكتاب وشهادتهم بصدقة ، وتصديقه لما بين أيديهم . . ( وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون ) . . فهذه الآيات من الوضوح والاستقامة بحيث لا ينكرها إلا الذي يغطي روحه عنا ويسترها ، فلا يراها ولا يتملاها ! والكفر هو التغطية والحجاب في أصل معناه اللغوي ، وهو ملحوظ في مثل هذا التعبير .
{ وكذلك } ومثل ذلك الإنزال . { أنزلنا إليك الكتاب } وحيا مصدقا لسائر الكتب الإلهية وهو تحقيق لقوله : { فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به } هم عبد الله بن سلام وإضرابه ، أو من تقدم عهد الرسول صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب . { ومن هؤلاء } ومن العرب أو أهل مكة أو ممن في عهد الرسول من أهل الكتابين .
{ من يؤمن به } بالقرآن . { وما يجحد بآياتنا } مع ظهورها وقيام الحجة عليها . { إلا الكافرون } إلا المتوغلون في الكفر فإن جزمهم به يمنعهم عن التأمل فيما يقيد لهم صدقها لكونها معجزة بالإضافة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم كما أشار إليه بقوله : { وما كنت تتلو ما من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك } .
{ وكذلك أنزلنا إليك الكتاب فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به ومن هؤلاء من يؤمن به وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون } .
وما يجحد بآياتنا : مع ظهورها وقيام الحجة على صدقها والجحد : إنكار الشيء بعد معرفته والعلم به .
أي : وكما أنزلانا التوراة على موسى والإنجيل على عيسى أنزلنا إليك القرآن كتاب الله الخالد المجرد من المثيل والنظير ، المشتمل على الإلهيات والتشريعات والآداب والقصص وأخبار السابقين ونظام الإسلام وآدابه وتشريعاته وأحكامه وحِكمِه .
فالذين آتيناهم التوراة والإنجيل كعبد الله بن سلام وسلمان الفارسي وأشباههما ممن أسلم من أهل الكتاب يؤمنون بالقرآن ويصدقون برسالة محمد صلى الله عليه وسلم .
{ ومن هؤلاء من يؤمن به . . . } ومن أهل مكة من يؤمن بالقرآن كذلك مثل المتحنثين الذين تركوا الإثم والشرك وآمنوا بالقرآن عند نزوله مثل بحيرا الراهب .
{ وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون } .
لا يرفض الإسلام ولا يكذب بالقرآن إلا المتوغل في الكفر الذي يجحد بآيات الله مع ظهورها وقيام الحجة على صدقها أي فهؤلاء هم المتوغلون في الكفر المصرون على العناد .
{ 47 - 48 } { وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ * وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ }
أي : { وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ } يا محمد ، هذا { الْكِتَاب } الكريم ، المبين كل نبأ عظيم ، الداعي إلى كل خلق فاضل ، وأمر كامل ، المصدق للكتب السابقة ، المخبر به الأنبياء الأقدمون .
{ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ } فعرفوه حق معرفته ، ولم يداخلهم حسد وهوى .
{ يُؤْمِنُونَ بِهِ } لأنهم تيقنوا صدقه ، بما لديهم من الموافقات ، وبما عندهم من البشارات ، وبما تميزوا به من معرفة الحسن والقبيح ، والصدق والكذب .
{ وَمِنْ هَؤُلَاءِ } الموجودين { مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ } إيمانا عن بصيرة ، لا عن رغبته ولا رهبته .
{ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ } الذين دأبهم الجحود للحق والعناد له . وهذا حصر لمن كفر به ، أنه لا يكون من أحد قصده متابعة الحق ، وإلا ، فكل من له قصد صحيح ، فإنه لا بد أن يؤمن به ، لما اشتمل عليه من البينات ، لكل من له عقل ، أو ألقى السمع وهو شهيد .