وثالثها : أنه تعالى أجاب بعد ذلك عن كلامهم بقوله : { قل أنزله الذي يعلم السر } قال صاحب الكشاف ، وقول الحسن إنما يستقيم أن لو فتحت الهمزة للاستفهام الذي في معنى الإنكار وحق الحسن أن يقف على { الأولين } ، وأجاب الله عن هذه الشبهة بقوله : { قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض إنه كان غفورا رحيما } وفيه أبحاث :
البحث الأول : في بيان أن هذا كيف يصلح أن يكون جوابا عن تلك الشبهة ؟ وتقريره ما قدمنا أنه عليه السلام تحداهم بالمعارضة وظهر عجزهم عنها ولو كان عليه السلام أتى بالقرآن بأن استعان بأحد لكان من الواجب عليهم أيضا أن يستعينوا بأحد فيأتوا بمثل هذا القرآن ، فلما عجزوا عنه ثبت أنه وحي الله وكلامه ، فلهذا قال : { قل أنزله الذي يعلم السر } وذلك لأن القادر على تركيب ألفاظ القرآن لابد وأن يكون عالما بكل المعلومات ظاهرها وخافيها من وجوه . أحدها : أن مثل هذه الفصاحة لا يتأتى إلا من العالم بكل المعلومات . وثانيها : أن القرآن مشتمل على الإخبار عن الغيوب ، وذلك لا يتأتى إلا من العالم بكل المعلومات . وثالثها : أن القرآن مبرأ عن النقص وذلك لا يتأتى إلا من العالم على ما قال تعالى : { ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا } . ورابعها : اشتماله على الأحكام التي هي مقتضية لمصالح العالم ونظام العباد ، وذلك لا يكون إلا من العالم بكل المعلومات . وخامسها : اشتماله على أنواع العلوم وذلك لا يتأتى إلا من العالم بكل المعلومات ، فلما دل القرآن من هذه الوجوه على أنه ليس إلا كلام بكل المعلومات لا جرم اكتفى في جواب شبههم بقوله : { قل أنزله الذي يعلم السر } .
البحث الثاني : اختلفوا في المراد بالسر ، فمنهم من قال المعنى أن العالم بكل سر في السماوات والأرض هو الذي يمكنه إنزال مثل هذا الكتاب ، وقال أبو مسلم : المعنى أنه أنزله من يعلم السر فلو كذب عليه لانتقم منه لقوله تعالى : { ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين } وقال آخرون : المعنى أنه يعلم كل سر خفي في السماوات والأرض ، ومن جملته ما تسرونه أنتم من الكيد لرسوله مع علمكم بأن ما يقوله حق ضرورة ، وكذلك باطن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وبراءته مما تتهمونه به ، وهو سبحانه مجازيكم ومجازيه على ما علم منكم وعلم منه .
البحث الثالث : إنما ذكر الغفور الرحيم في هذا الموضع لوجهين : الأول : قال أبو مسلم المعنى أنه إنما أنزله لأجل الإنذار فوجب أن يكون غفورا رحيما غير مستعجل في العقوبة . الثاني : أنه تنبيه على أنهم استوجبوا بمكايدتهم هذه أن يصب عليهم العذاب صبا ولكن صرف ذلك عنهم كونه غفورا رحيما يمهل ولا يعجل .
وفي قولهم : إنها أساطير الأولين إشارة إلى بعدها في الزمان ؛ فلا يعلمها محمد [ صلى الله عليه وسلم ] إلا أن تملى عليه من حفاظ الأساطير ، الذين ينقلونها جيلا عن جيل . لذلك يرد عليهم بأن الذي يمليها على محمد أعلم من كل عليم . فهو الذي يعلم الأسرار جميعا ، ولا يخفى عليه نبأ في الأولين والآخرين : ( قل : أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض ) . . فأين علم حفاظ الأساطير ورواتها من ذلك العلم الشامل ? وأين أساطير الأولين من السر في السماوات والأرض ? وأين النقطة الصغيرة من الخضم الذي لا ساحل له ولا قرار ?
ألا إنهم ليرتكبون الخطيئة الكبيرة ، وهم يدعون على رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] تلك الدعوى المتهافتة ؛ ومن قبل يصرون على الشرك بالله وهو خلقهم . . ولكن باب التوبة مع ذلك مفتوح ، والرجوع عن الإثم ممكن ، والله الذي يعلم السر في السماوات والأرض . ويعلم ما يفترون وما يكيدون ، غفور رحيم : ( إنه كان غفورا رحيما ) . .
{ يعلم السر } : أي ما يسره أهل السماء والأرض وما يخفونه في نفوسهم .
{ قل أنزله } أي القرآن { الذي يعلم السر في السموات والأرض } أي سر ما يسره أهل السموات وأهل الأرض فهو علام الغيب المطلع على الضمائر العالم بالسرائر ، ولولا أن رحمته سبقت غضبه لأهلك من كفر به وأشرك به سواه { إنه كان غفوراً رحيماً } يستر زلات من تاب إليه ويرحمه مهما كانت ذنوبه .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.