مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{إِنَّ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ لَأٓيَٰتٖ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ} (3)

ثم قال تعالى : { إن في السموات والأرض لآيات للمؤمنين } وفيه مباحث :

البحث الأول : أن قوله { إن في * السموات والأرض لآيات } يجوز إجراؤه على ظاهره ، لأنه حصل في ذوات السموات والأرض أحوال دالة على وجود الله تعالى مثل مقاديرها وكيفياتها وحركاتها ، وأيضا الشمس والقمر والنجوم والجبال والبحار موجودة في السموات والأرض وهي آيات ، ويجوز أن يكون المعنى : «إن في خلق السموات والأرض » كما صرح به في سورة البقرة في قوله { إن في خلق السموات والأرض } وهو يدل على وجود القادر المختار في تفسير قوله { الحمد لله الذي خلق السموات والأرض } .

البحث الثاني : قد ذكرنا الوجوه الكثيرة في دلالة السموات والأرض على وجود الإله القادر المختار في تفسير قوله { الحمد لله الذي خلق السموات والأرض } ولا بأس بإعادة بعضها فنقول إنها تدل على وجود الإله من وجوه : ( الأول ) أنها أجسام لا تخلو عن الحوادث ، وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث فهذه الأجسام حادثة وكل حادث فله محدث ( الثاني ) أنها مركبة من الأجزاء وتلك الأجزاء متماثلة ، لما بينا أن الأجسام متماثلة ، وتلك الأجزاء وقع بعضها في العمق دون السطح وبعضها في السطح دون العمق فيكون وقوع كل جزء في الموضع الذي وقع فيه من الجائزات وكل جائز فلا بد له من مرجح ومخصص ( الثالث ) أن الأفلاك والعناصر مع تماثلها في تمام الماهية الجسمية اختص كل واحد منها بصفة معينة كالحرارة والبرودة واللطافة والكثافة الفلكية والعنصرية ، فيكون ذلك أمرا جائزا ولا بد لها من مرجح ( الرابع ) أن أجرام الكواكب مختلفة في الألوان مثل كمودة زحل ، وبياض المشتري ، وحمرة المريخ ، والضوء الباهر للشمس ، ودرية الزهرة ، وصفرة عطارد ، ومحو القمر ، وأيضا فبعضها سعيدة ، وبعضها نحسة ، وبعضها نهاري ذكر ، وبعضها ليلي أنثى ، وقد بينا أن الأجسام في ذواتها متماثلة ، فوجب أن يكون اختلاف الصفات لأجل أن الإله القادر المختار خصص كل واحد منها بصفته المعينة ( الخامس ) أن كل فلك فإنه مختص بالحركة إلى جهة معينة ومختص بمقدار واحد من السرعة والبطء ، وكل ذلك أيضا من الجائزات ، فلا بد من الفاعل المختار ( السادس ) أن كل فلك مختص بشيء معين وكل ذلك أيضا من الجائزات ، فلا بد من الفاعل المختار ، وتمام الوجوه مذكور في تفسير تلك الآيات .

البحث الثالث : قوله { لآيات للمؤمنين } يقتضي كون هذه الآيات مختصة بالمؤمنين ، وقالت المعتزلة إنها آيات للمؤمن والكافر ، إلا أنه لما انتفع بها المؤمن دون الكافر أضيف كونها آيات إلى المؤمنين ، ونظيره قوله تعالى : { هدى للمتقين } فإنه هدى لكل الناس كما قال تعالى : { هدى للناس } إلا أنه لما انتفع بها المؤمن خاصة لا جرم قيل { هدى للمتقين } فكذا هاهنا ، وقال الأصحاب الدليل والآية هو الذي يترتب على معرفته حصول العلم ، وذلك العلم إنما يحصل بخلق الله تعالى لا بإيجاب ذلك الدليل ، والله تعالى إنما خلق ذلك العلم للمؤمن لا للكافر فكان ذلك آية دليلا في حق المؤمن لا في حق الكافر والله أعلم .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{إِنَّ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ لَأٓيَٰتٖ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ} (3)

وقبل أن يعرض للقوم وموقفهم من هذا الكتاب ؛ يشير إلى آيات الله المبثوثة في الكون من حولهم . وقد كانت وحدها كفيلة بتوجيههم إلى الإيمان . ويوجه قلوبهم إليها لعلها توقظها وتفتح مغاليقها ، وتستجيش فيها الحساسية بالله منزل هذا الكتاب ، وخالق هذا الكون العظيم :

( إن في السماوات والأرض لآيات للمؤمنين ) . .

والآيات المبثوثة في السماوات والأرض لا تقتصر على شيء دون شيء ، ولا حال دون حال . فحيثما مد الإنسان ببصره وجد آيات الله تطالعه في هذا الكون العجيب . .

وأي شيء ليس آية ?

هذه السماوات بأجرامها الضخمة ، وأفلاكها الهائلة ، وهي - على ضخامتها - مبعثرة كالنثار الصغير في الفضاء . . الفضاء الهائل الرهيب . . الجميل . . !

ودورة هذه الأجرام في أفلاكها في دقة واطراد وتناسق . . تناسق جميل لا تشبع العين من النظر إليه ، ولا يشبع القلب من تمليه !

وهذه الأرض الواسعة العريضة بالقياس إلى البشر ، وهي ذرة ، أو هباءة بالقياس إلى النجوم الكبيرة . ثم بالقياس إلى هذا الفضاء الذي تتوه فيه . . تتوه لولا القدرة التي تمسك بها وتنتظمها في العقد الكوني الذي لا يتوه شيء فيه !

وما أودعه الله طبيعة هذه الأرض في موقعها الكوني الخاص من صلاحية لنشوء الحياة فوقها ، ومن خصائص دقيقة مقصودة متراكبة متجمعة متناسقة . لو اختلت خصيصة واحدة منها أو تخلفت ما أمكن أن تقوم فيها الحياة أو تدوم !

وكل شيء في هذه الأرض وكل حي . . آية . . وكل جزء من كل شيء ومن كل حي في هذه الأرض . . آية . . والصغير الدقيق كالضخم الكبير . . آية . . هذه الورقة الصغيرة في هذه الشجرة الضخمة أو النبتة الهزيلة . . آية . . آية في شكلها وحجمها ، آية في لونها وملمسها . آية في وظيفتها وتركيبها . وهذه الشعرة في جسم الحيوان أو الإنسان . . آية . . آية في خصائصها ولونها وحجمها . وهذه الريشة في جناح الطائر . . آية . . آية في مادتها وتنسيقها ووظيفتها . وحيثما مد الإنسان ببصره في الأرض أو في السماء تزاحمت الآيات وتراكبت ، وأعلنت عن نفسها لقلبه وسمعه وبصره .

ولكن ، من الذي يرى هذه الآيات ويستشعرها ? لمن تعلن هذه الآيات عن نفسها ? لمن ?

( للمؤمنين ) . .

فالإيمان هو الذي يفتح القلوب لتلقي الأصداء والأضواء والأنداء ؛ والإحساس بما فيها من آيات الله المبثوثة في الأرض والسماء . والإيمان هو الذي تخالط القلوب بشاشته فتحيا وترق وتلطف ؛ وتلتقط ما يذخر به الكون من إيحاءات خفية وظاهرة ، تشير كلها إلى اليد الصانعة ، وطابعها المميز في كل ما تصوغه وتبدعه من أشياء ومن أحياء . وكل ما خرج من هذه اليد فهو خارق معجز لا يقدر على إبداعه أحد من خلق الله .

 
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{إِنَّ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ لَأٓيَٰتٖ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ} (3)

شرح الكلمات

{ إن في السموات والأرض } : أي إن في خلق السموات والأرض .

{ لآيات } : أي لدلالات واضحات على وجود الله تعالى وقدرته وعلمه وحكمته وهي موجبات الربوبية والألوهية له وحده دون سواه .

{ للمؤمنين } : أي لأنهم بالإيمان أحياء يبصرون ويسمعون فيرون الآيات .

المعنى :

وقوله تعالى : { إن في السموات والأرض } أي في خلقهما وإيجادهما وما فيها من عجائب الصنعة لآيات المؤمنين تدلهم على استحقاق ربهم للعبادة دون سواه من سائر خلقه ، وخُصَّ المؤمنون بهذه الآيات ؛ لأنهم أحياء يسمعون ويبصرون ويعقلون ، فهم إذا نظروا في السموات والأرض تجلت لهم حقائق أن الخالق لهذه العوالم لن يكون إلا قادراً عليماً حكيماً عزيزاً ، ومن ثم وجب أن لا يعبد إلا هو ، وكل عبادة لغيره باطلة .

الهداية

من الهداية :

- الإيمان أعم من اليقين ومقدم عليه في الترتيب ، واليقين أعلى في الرتبة .