قوله تعالى : { وتركنا فيها آية للذين يخافون العذاب الأليم } .
وفي الآية خلاف ، قيل : هو ماء أسود منتن انشقت أرضهم وخرج منها ذلك ، وقيل : حجارة مرمية في ديارهم وهي بين الشام والحجاز ، وقوله : { للذين يخافون العذاب الأليم } أي المنتفع بها هو الخائف ، كما قال تعالى : { لقوم يعقلون } في سورة العنكبوت ، وبينهما في اللفظ فرق قال هاهنا : { ءاية } وقال هناك : { آية بينة } وقال هناك : { لقوم يعقلون } وقال هاهنا : { للذين يخافون } فهل في المعنى فرق ؟ نقول هناك مذكور بأبلغ وجه يدل عليه قوله تعالى : { آية بينة } حيث وصفها بالظهور ، وكذلك منها وفيها فإن من للتبعيض ، فكأنه تعالى قال : من نفسها لكم آية باقية ، وكذلك قال : { لقوم يعقلون } فإن العاقل أعم من الخائف ، فكانت الآية هناك أظهر ، وسببه ما ذكرنا أن القصد هناك تخويف القوم ، وهاهنا تسلية القلب ألا ترى إلى قوله تعالى : { فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين * فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين } وقال هناك : { إنا منجوك وأهلك } من غير بيان واف بنجاة المسلمين والمؤمنين بأسرهم .
آية : علامة دالة على ما أصابهم من العذاب .
37- { وتركنا فيها آية للذين يخافون العذاب الأليم }
تركنا في هذه القرية المهلكة دلالة واضحة ، وعبرة ظاهرة ، وعظة وتذكيرا لأصحاب العقول الراجحة والقلوب المؤمنة ، حيث يرون عاقبة الشذوذ والخروج عن أمر الله .
وبهذه الآية الكريمة نستطيع أن نستنبط أن الحضارة الغربية حضارة عرجاء ، حيث تستبيح الشذوذ ، واستغناء الرجال بالرجال ، والنساء بالنساء ، وتدافع عن حق المراهقات في الحمل والولادة والرعاية ، ولو كان ذلك من سفاح حرام ، وليس من نكاح حلال .
إن هذا وغيره سيعصف بمستقبل هذه الحضارة ، وكما اهتز الاتحاد السوفيتي وتمايل للسقوط ، ستتبعه دول أخرى ، لا تزال في عنفوان قوة آثمة ، شأنها شأن الشاب المنحرف ، لا يظهر عليه الأثر الكامل للمعصية ، فإذا انتقل الشاب إلى مرحلة الكهولة والشيخوخة ظهر عليه أثر ذلك الانحراف .
{ وَتَرَكْنَا فِيهَا } أي في القرى { ءايَةً } علامة دالة على ما أصابهم من العذاب ، قال ابن جريج : هي أحجار كثيرة منضودة ، وقيل : تلك الأحجار التي أهلكوا بها ، وقيل : ماء منتن قال الشهاب : كأنه بحيرة طبرية ، وجوز أبو حيان كون ضمير { فِيهَا } عائداً على الإهلاكة التي أهلكوها فإنها من أعاجيب الإهلاك بجعل أعالي القرية أسافل ، وإمطار الحجارة ، والظاهر هو الأول { لّلَّذِينَ يَخَافُونَ العذاب الأليم } أي من شأنهم أن يخافوه لسلامة فطرتهم ورقة قلوبهم دون من عداهم من ذوي القلوب القاسية فإنهم لا يعتدون بها ولا يعدونها آية .
{ وتركنا فيها آية } : أي بعد إهلاكهم تركنا فيها علامة على إهلاكهم وهى ماء أسود مُنتنٌ .
{ للذين يخافون العذاب الأليم } : أي عذاب الآخرة فلا يفعلون فعلهم الشنيع .
وقوله تعالى : { وتركنا فيها آية } أي علامة على إهلاكهم وهي ماء أسود منتن كالبحيرة وتعرف الآن بالبحر الميت . وقوله { للذين يخافون العذاب الأليم } وهم المؤمنون الذين يخافون عذاب الآخرة حتى لا يفعلوا فعل قوم لوط من الكفر وإتيان الفاحشة .
- تقرير حقيقة علمية وهي أن كل مؤمن صادق الإِيمان مُسلم ، وليس كل مسلم مؤمنا حتى يحسن إسلامه بانبنائه على أركان الإِيمان الستة .
{ وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ } يعتبرون بها ويعلمون ، أن الله شديد العقاب ، وأن رسله صادقون ، مصدقون .
فصل في ذكر بعض ما تضمنته هذه القصة من الحكم والأحكام
منها : أن من الحكمة ، قص الله على عباده نبأ الأخيار والفجار ، ليعتبروا بحالهم{[851]} وأين وصلت بهم الأحوال .
ومنها : فضل إبراهيم الخليل ، عليه الصلاة والسلام ، حيث ابتدأ الله قصته ، بما يدل على الاهتمام بشأنها ، والاعتناء بها .
ومنها : مشروعية الضيافة ، وأنها من سنن إبراهيم الخليل ، الذي أمر الله هذا النبي{[852]} وأمته ، أن يتبعوا ملته ، وساقها الله في هذا الموضع ، على وجه المدح له والثناء .
ومنها : أن الضيف يكرم بأنواع الإكرام ، بالقول ، والفعل ، لأن الله وصف أضياف إبراهيم ، بأنهم مكرمون ، أي : أكرمهم إبراهيم ، ووصف الله ما صنع بهم من الضيافة ، قولاً وفعلاً ، ومكرمون أيضًا عند الله تعالى .
ومنها : أن إبراهيم عليه السلام ، قد كان بيته ، مأوى للطارقين والأضياف ، لأنهم دخلوا عليه من غير استئذان ، وإنما سلكوا طريق الأدب ، في الابتداء السلام{[853]} فرد عليهم إبراهيم سلامًا ، أكمل من سلامهم وأتم ، لأنه أتى به جملة اسمية ، دالة على الثبوت والاستمرار .
ومنها : مشروعية تعرف من جاء إلى الإنسان ، أو صار له فيه نوع اتصال ، لأن في ذلك ، فوائد كثيرة .
ومنها : أدب إبراهيم ولطفه في الكلام ، حيث قال : { قَوْمٌ مُنْكَرُونَ } ولم يقل : { أنكرتكم } [ وبين اللفظين من الفرق ، ما لا يخفى ] .
ومنها : المبادرة إلى الضيافة والإسراع بها ، لأن خير البر عاجله [ ولهذا بادر إبراهيم بإحضار قرى أضيافه ] .
ومنها : أن الذبيحة الحاضرة ، التي قد أعدت لغير الضيف الحاضر{[854]} إذا جعلت له ، ليس فيها أقل إهانة ، بل ذلك من الإكرام ، كما فعل إبراهيم عليه السلام ، وأخبر الله أن ضيفه مكرمون .
ومنها : ما من الله به على خليله إبراهيم ، من الكرم الكثير ، وكون ذلك حاضرًا عنده{[855]} وفي بيته معدًا ، لا يحتاج إلى أن يأتي به{[856]} من السوق ، أو الجيران ، أو غير ذلك .
ومنها : أن إبراهيم ، هو الذي خدم أضيافه ، وهو خليل الرحمن ، وكبير{[857]} من ضيف الضيفان .
ومنها : أنه قربه إليهم في المكان الذي هم فيه ، ولم يجعله في موضع ، ويقول لهم : { تفضلوا ، أو ائتوا إليه } لأن هذا أيسر عليهم وأحسن .
ومنها : حسن ملاطفة الضيف في الكلام اللين ، خصوصًا ، عند تقديم الطعام إليه ، فإن إبراهيم عرض عليهم عرضًا لطيفًا ، وقال : { أَلَا تَأْكُلُونَ } ولم يقل : { كلوا } ونحوه من الألفاظ ، التي غيرها أولى منها ، بل أتى بأداة العرض ، فقال : { أَلَا تَأْكُلُونَ } فينبغي للمقتدي به أن يستعمل من الألفاظ الحسنة ، ما هو المناسب واللائق بالحال ، كقوله لأضيافه : { ألا تأكلون } أو : " ألا تتفضلون علينا وتشرفوننا وتحسنون إلينا " ونحوه .
ومنها : أن من خاف من الإنسان{[858]} لسبب من الأسباب ، فإن عليه أن يزيل عنه الخوف ، ويذكر له ما يؤمن روعه ، ويسكن جأشه ، كما قالت الملائكة لإبراهيم [ لما خافهم ] : { لَا تَخَفْ } وأخبروه بتلك البشارة السارة ، بعد الخوف منهم .
ومنها : شدة فرح سارة ، امرأة إبراهيم ، حتى جرى منها ما جرى ، من صك وجهها ، وصرتها غير المعهودة .
ومنها : ما أكرم الله به إبراهيم وزوجته سارة ، من البشارة ، بغلام عليم .