قوله تعالى : { إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين ، فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين . فسجد الملائكة كلهم أجمعون ، إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي استكبرت أم كنت من العالين ، قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين ، قال فاخرج منها فإنك رجيم ، وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين قال رب فانظرني إلى يوم يبعثون ، قال فإنك من المنظرين ، إلى يوم الوقت المعلوم ، قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين ، إلا عبادك منهم المخلصين ، قال فالحق والحق أقول ، لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين }
اعلم أن المقصود من ذكر هذه القصة المنع من الحسد والكبر ، وذلك لأن إبليس ، إنما وقع فيما وقع فيه بسبب الحسد والكبر ، والكفار إنما نازعوا محمدا عليه السلام بسبب الحسد والكبر ، فالله تعالى ذكر هذه القصة ههنا ليصير سماعها زاجرا لهم عن هاتين الخصلتين المذمومتين والحاصل أنه تعالى رغب المكلفين في النظر والاستدلال ، ومنعهم عن الإصرار والتقليد وذكر في تقريره أمورا أربعة أولها : أنه نبأ عظيم فيجب الاحتياط فيه والثاني : أن قصة سؤال الملائكة عن الحكمة في تخليق البشر يدل على أن الحكمة الأصلية في تخليق آدم هو المعرفة والطاعة لا الجهل والتكبر الثالث : أن إبليس إنما خاصم آدم عليه السلام لأجل الحسد والكبر فيجب على العاقل أن يحترز عنهما ، فهذا هو وجه النظم في هذه الآيات ، واعلم أن هذه القصة قد تقدم شرحها في سور كثيرة ، فلا فائدة في الإعادة إلا ما لا بد منه وفيها مسائل :
المسألة الأولى : في قوله : { إني خالق بشرا من طين } سؤالات :
الأول : أن هذا النظم إنما يصح لو أمكن خلق البشر لا من الطين ، كما إذا قيل أنا متخذ سوارا من ذهب ، فهذا إنما يستقيم لو أمكن اتخاذه من الفضة .
الثاني : ذكر ههنا أنه خلق البشر من طين ، وفي سائر الآيات ذكر أنه خلقه من سائر الأشياء كقوله تعالى في آدم إنه خلقه من تراب وكقوله : { من صلصال من حمإ مسنون } وكقوله : { خلق الإنسان من عجل } .
الثالث : أن هذه الآية تدل على أنه تعالى لما أخبر الملائكة بأنه خلق بشرا من طين . لم يقولوا شيئا ، وفي الآية الأخرى وهي التي قال : { إني جاعل في الأرض خليفة } بين أنهم أوردوا السؤال والجواب فبينهما تناقض ، والجواب عن الأول أن التقدير كأنه سبحانه وصف لهم أولا أن البشر شخص جامع للقوة البهيمية والسبعية والشيطانية والملكية ، فلما قال : { إني خالق بشرا من طين } فكأنه قال ذلك الشخص المستجمع لتلك الصفات ، إنما أخلقه من الطين ، والجواب عن الثاني أن المادة البعيدة هو التراب ، وأقرب منه الطين ، وأقرب منه الحمأ المسنون ، وأقرب منه الصلصال فثبت أنه لا منافاة بين الكل ، والجواب عن الثالث أنه في الآية المذكورة في سورة البقرة بين لهم أنه يخلق في الأرض خليفة ، وبالآية المذكورة ههنا بين أن ذلك الخليفة بشر مخلوق من الطين .
وعند هذا يأخذ السياق في عرض قصة البشرية ؛ وما دار في الملأ الأعلى بشأنها منذ البدء . مما يحدد خط سيرها ، ويرسم أقدارها ومصائرها . وهو ما أرسل محمد [ صلى الله عليه وسلم ] ليبلغه وينذر به في آخر الزمان :
( إذ قال ربك للملائكة : إني خالق بشراً من طين . فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين ) . .
وما ندري نحن كيف قال الله أو كيف يقول للملائكة . وما ندري كذلك كيف يتلقى الملائكة عن الله ولا ندري عن كنههم إلا ما بلغنا من صفاتهم في كتاب الله . ولا حاجة بنا إلى الخوض في شيء من هذا الذي لا طائل وراء الخوض فيه . إنما نمضي إلى مغزى القصة ودلالتها كما يقصها القرآن .
لقد خلق الله هذا الكائن البشري من الطين . كما أن سائر الأحياء في الأرض خلقت من طين . فمن الطين كل عناصرها . فيما عدا سر الحياة الذي لا يدري أحد من أين جاء ولا كيف جاء . ومن الطين كل عناصر ذلك الكائن البشري فيما عدا ذلك السر . وفيما عدا تلك النفخة العلوية التي جعلت منه إنساناً . من الطين كل عناصر جسده . فهو من أمه الأرض . ومن عناصرها تكون . وهو يستحيل إلى تلك العناصر حينما يفارقه ذلك السر الإلهي المجهول ؛ وتفارقه معه آثار تلك النفخة العلوية التي حددت خط سيره في الحياة .
ونحن نجهل كنه هذه النفخة ؛ ولكننا نعرف آثارها . فآثارها هي التي ميزت هذا الكائن الإنساني عن سائر الخلائق في هذه الأرض . ميزته بخاصية القابلية للرقي العقلي والروحي . هي التي جعلت عقله ينظر تجارب الماضي ، ويصمم خطط المستقبل . وجعلت روحه يتجاوز المدرك بالحواس والمدرك بالعقول ، ليتصل بالمجهول للحواس والعقول .
وخاصية الارتقاء العقلي والروحي خاصية إنسانية بحتة ، لا يشاركه فيها سائر الأحياء في هذه الأرض . وقد عاصر مولد الإنسان الأول أجناس وأنواع شتى من الأحياء . ولم يقع في هذا التاريخ الطويل أن ارتقى نوع أو جنس - ولا أحد أفراده - عقلياً أو روحياً . حتى مع التسليم بوقوع الارتقاء العضوي .
{ إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين ( 71 ) فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين ( 72 ) فسجد الملائكة كلهم أجمعون ( 73 ) إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين ( 74 ) قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت أم كنت من العالين ( 75 ) قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين ( 76 ) قال فاخرج منها فإنك رجيم ( 77 )وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين ( 78 ) قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون ( 79 ) قال فإنك من المنظرين ( 80 ) إلى يوم الوقت المعلوم ( 81 ) قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين ( 82 ) إلا عبادك منهم المخلصين ( 83 ) قال فالحق والحق أقول ( 84 ) لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين ( 85 ) قال ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين ( 86 ) إن هو إلا ذكر للعالمين ( 87 ) ولتعلمن نبأه بعد حين ( 88 ) }
الملائكة أجسام من نور قادرة على التشكل ، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون .
بشرا من طين : هو آدم عليه السلام .
71-{ إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين } .
أي : اذكر حين أعلم ربك الملائكة أنه سيخلق إنسانا من طين هو آدم عليه السلام ، وقد مر في سورة البقرة أنه سيكون خليفة في الأرض ، وأن الملائكة تمنّت أن تكون الخلافة في الأرض للملائكة لا لآدم ، وقد علّم الله آدم الأسماء كلها ، أي أودع في فطرته القدرة على التفكير ، واستنباط المجهول من المعلوم ، واستخدام العقل والفكر واللب والفؤاد ، والابتكار والتطوير ، بخلاف الملائكة فهم عباد مكرمون ، مجبولون على الطاعة والامتثال لأمر الله تعالى ، ونطق آدم بالأسماء فيه دليل على قدرة هذا الإنسان على التعلّم والتعليم المستمر ، ولهذا وصل الإنسان إلى القمر ، بينما القرود لا تزال على الشجر .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.