مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{ٱللَّهُ يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦ وَيَقۡدِرُ لَهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ} (62)

ثم قال تعالى : { الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له إن الله بكل شيء عليم }

قوله تعالى : { الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده } لما بين الخلق ذكر الرزق لأن كمال الخلق ببقائه وبقاء الإنسان بالرزق ، فقال المعبود إما أن يعبد لاستحقاقه العبادة ، وهذه الأصنام ليست كذلك والله مستحقها ، وإما لكونه على الشأن والله الذي خلق السماوات على الشأن جلي البرهان فله العبادة ، وإما لكونه ولي الإحسان والله يرزق الخلق فله الطول والإحسان والفضل والامتنان فله العبادة من هذا الوجه أيضا قوله : { لمن يشاء } إشارة إلى كمال الإحسان ، وذلك لأن الملك إذا أمر الخازن بإعطاء شخص شيئا ، فإذا أعطاه يكون له منة ما يسيرة حقيرة ، لأن الآخذ يقول هذا ليس بإرادته وإنما هو بأمر الملك ، وأما إن كان مختارا بأن قال له الملك إن شئت فأعطه وإن شئت فلا تعطه ، فإن أعطاه يكون له منة جليلة لا قليلة ، فقال الله تعالى الرزق منه وبمشيئته فهو إحسان تام يستوجب شكرا تاما وقوله تعالى : { ويقدر له } أي يضيق له إن أراد ، ثم قال تعالى : { إن الله بكل شيء عليم } أي يعلم مقادير الحاجات ومقادير الأرزاق وفي إثبات العلم ههنا لطائف إحداها : أن الرازق الذي هو كامل المشيئة إذا رأى عبده محتاجا وعلم جوعه لا يؤخر عنه الرزق ، ولا يؤخر الرازق الرزق إلا لنقصان في نفوذ مشيئته كالملك إذا أراد الإطعام والطعام لا يكون بعد قد استوى ، أو لعدم علمه بجوع العبيد الثانية : وهي أن الله بإثبات العلم استوعب ذكر الصفات التي هي صفات الإله ومن أنكرها كفر وهي أربعة الحياة والقدرة والإرادة والعلم وأما السمع والبصر والكلام القائم به من ينكرها يكون مبتدعا لا كافرا ، وقد استوفى الأربع ، لأن قوله : { خلق السماوات والأرض } إشارة إلى كمال القدرة ، وقوله : { يبسط الرزق لمن يشاء } إشارة إلى نفوذ مشيئته وإرادته ، وقوله : { إن الله بكل شيء عليم } إشارة إلى شمول علمه ، والقادر المريد العالم لا يتصور إلا حيا ، ثم إنه تعالى لما قال : { الله يبسط الرزق } ذكر اعترافهم بذلك فقال :

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{ٱللَّهُ يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦ وَيَقۡدِرُ لَهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ} (62)

46

وبعد هذه الجولة مع المؤمنين يرتد السياق إلى التناقض في موقف المشركين وتصوراتهم . فهم يقرون بخلق الله للسماوات والأرض وتسخيره للشمس والقمر وإنزاله الماء من السماء وإحيائه الأرض بعد موتها . وما يتضمنه هذا من بسط الرزق لهم أو تضييقه عليهم . وهم يتوجهون لله وحده بالدعاء عند الخوف . . ثم هم بعد ذلك كله يشركون بالله ، ويؤذون من يعبدونه وحده ، ويفتنونهم عن عقيدتهم التي لا تناقض فيها ولا اضطراب ، وينسون نعمة الله عليهم في تأمينهم في البيت الحرام ، وهم يروعون عباده في بيته الحرام :

ولئن سألتهم : من خلق السماوات والأرض ، وسخر الشمس والقمر ليقولن : الله . فأنى يؤفكون ? الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له ، إن الله بكل شيء عليم . ولئن سألتهم : من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد موتها ليقولن : الله . قل : الحمد لله ، بل أكثرهم لا يعقلون . وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب ، وإن الدار الآخرة لهي الحيوان ، لو كانوا يعلمون . فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين . فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون ، ليكفروا بما آتيناهم وليتمتعوا فسوف يعلمون . أو لم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم ? أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله يكفرون ? ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بالحق لما جاءه ? أليس في جهنم مثوى للكافرين ? . .

وهذه الآيات ترسم صورة لعقيدة العرب إذ ذاك ؛ وتوحي بأنه كان لها أصل من التوحيد ؛ ثم وقع فيها الانحراف . ولا عجب في هذا فهم من أبناء إسماعيل بن إبراهيم - عليهما السلام - وقد كانوا بالفعل يعتقدون أنهم على دين إبراهيم ، وكانوا يعتزون بعقيدتهم على هذا الأساس ؛ ولم يكونوا يحفلون كثيرا بالديانة الموسوية أو المسيحية وهما معهم في الجزيرة العربية ، اعتزازا منهم بأنهم على دين إبراهيم . غير منتبهين إلى ما صارت إليه عقيدتهم من التناقض والانحراف .

كانوا إذا سئلوا عن خالق السماوات والأرض ، ومسخر الشمس والقمر ، ومنزل الماء من السماء ، ومحيي الأرض بعد موتها بهذا الماء . . يقرون أن صانع هذا كله هو الله . ولكنهم مع هذا يعبدون أصنامهم ، أو يعبدون الجن ، أو يعبدون الملائكة ؛ ويجعلونهم شركاء لله في العبادة ، وإن لم يجعلوهم شركاء له في الخلق . . هو تناقض عجيب . تناقض يعجب الله منه في هذه الآيات : ( فأنى يؤفكون ? )أي كيف يصرفون عن الحق إلى هذا التخليط العجيب ? ( بل أكثرهم لا يعقلون )فليس يعقل من يقبل عقله هذا التخليط !

وبين السؤال عن خالق السماوات والأرض ومسخر الشمس والقمر ؛ والسؤال عن منزل الماء من السماء ومحيي الأرض بعد موتها . يقرر أن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له فيربط سنة الرزق بخلق السماوات والأرض وسائر آثار القدرة والخلق ، ويكل هذا إلى علم الله بكل شيء : إن الله بكل شيء عليم . .

والرزق ظاهر الارتباط بدورة الأفلاك ، وعلاقتها بالحياة والماء والزرع والإنبات . وبسط الرزق وتضييقه بيد الله ؛ وفق الأوضاع والظواهر العامة المذكورة في الآيات . فموارد الرزق من ماء ينزل ، وأنهار تجري ، وزروع تنبت ، وحيوان يتكاثر . ومن معادن وفلزات في جوف الأرض ، وصيد في البر والبحر . . إلى نهاية موارد الرزق العامة ، تتبع كلها نواميس السماوات والأرض ، وتسخير الشمس والقمر تبعية مباشرة ظاهرة . ولو تغيرت تلك النواميس عما هي عليه أدنى تغيير لظهر أثر هذا في الحياة كلها على سطح الأرض ؛ وفي المخبوء فيها من الثروات الطبيعية الأخرى سواء بسواء . فحتى هذا المخبوء في جوف الأرض ؛ إنما يتم تكوينه وتخزينه واختلافه من مكان إلى مكان وفق أسباب من طبيعة الأرض ومن مجموعة تأثراتها بالشمس والقمر !

والقرآن يجعل الكون الكبير ومشاهده العظيمة هي برهانه وحجته ، وهي مجال النظر والتدبر للحق الذي جاء به . ويقف القلب أمام هذا الكون وقفة المتفكر المتدبر ، اليقظ لعجائبه ، الشاعر بيد الصانع وقدرته ، المدرك لنواميسه الهائلة ، بلفتة هادئة يسيرة ، لا تحتاج إلى علم شاق عسير ، إنما تحتاج إلى حس يقظ وقلب بصير . وكلما جلا آية من آيات الله في الكون وقف أمامها يسبح بحمد الله ويربط القلوب بالله : ( قل الحمد لله . بل أكثرهم لا يعقلون ! ) .