مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{يَٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّ أَرۡضِي وَٰسِعَةٞ فَإِيَّـٰيَ فَٱعۡبُدُونِ} (56)

ثم قال تعالى : { يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون }

وجه التعلق هو أن الله تعالى لما ذكر حال المشركين على حدة وحال أهل الكتاب على حدة وجمعهما في الإنذار وجعلهما من أهل النار اشتد عنادهم وزاد فسادهم وسعوا في إيذاء المؤمنين ومنعوهم من العبادة فقال مخاطبا للمؤمنين { يا عبادي الذين آمنوا إن أرضى واسعة فإياي فاعبدون } إن تعذرت العبادة عليكم في بعضها فهاجروا ولا تتركوا عبادتي بحال ، وبهذا علم أن الجلوس في دار الحرب حرام والخروج منها واجب ، حتى لو حلف بالطلاق أنه لا يخرج لزمه الخروج ، حتى يقع الطلاق ثم في الآية مسائل :

المسألة الأولى : { يا عبادي } لم يرد إلا المخاطبة مع المؤمنين مع أن الكافر داخل في قوله : { يا عبادي } نقول ليس داخلا في قوله : { يا عبادي } نقول ليس داخلا فيه لوجوه : أحدها : أن من قال في حقه { عبادي } ليس للشيطان عليهم سلطان بدليل قوله تعالى : { إن عبادي ليس لك عليهم سلطان } والكافر تحت سلطنة الشيطان فلا يكون داخلا في قوله { يا عبادي } الثاني : هو أن الخطاب بعبادي أشرف منازل المكلف ، وذلك لأن الله تعالى لما خلق آدم آتاه اسما عظيما وهو اسم الخلافة كما قال تعالى : { إني جاعل في الأرض خليفة } والخليفة أعظم الناس مقدارا وأتم ذوي البأس اقتدارا ، ثم إن إبليس لم يرهب من هذا الاسم ولم ينهزم ، بل أقدم عليه بسببه وعاداه وغلبه كما قال تعالى : { فأزلهما الشيطان } ثم إن من أولاده الصالحين من سمى بعبادي فانخنس عنهم الشيطان وتضاءل ، كما قال تعالى : { إن عبادي ليس لك عليهم سلطان } وقال هو بلسانه { لأغوينهم أجمعين إلا عبادك } فعلم أن المكلف إذا كان عبدا لله يكون أعلى درجة مما إذا كان خليفة لوجه الأرض ولعل آدم كداود الذي قال الله تعالى في حقه { إنا جعلناك خليفة في الأرض } لم يتخلص من يد الشيطان إلا وقت ما قال الله تعالى في حقه عبدي وعندما ناداه بقوله : { ربنا ظلمنا أنفسنا } واجتباه بهذا النداء ، كما قال في حق داود { واذكر عبدنا داوود ذا الأيد } إذا علم هذا فالكافر لا يصلح للخلافة فكيف يصلح لما هو أعظم من الخلافة ؟ فلا يدخل في قوله { يا عبادي } إلا المؤمن . الثالث : هو أن هذا الخطاب حصل للمؤمن بسعيه بتوفيق الله ، وذلك لأن الله تعالى قال : { ادعوني أستجب لكم } فالمؤمن دعا ربه بقوله : { ربنا إننا سمعنا مناديا ينادى للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا } فأجابه الله تعالى بقوله : { يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله } فالإضافة بين الله وبين العبد بقول العبد إلهي وقول الله عبدي تأكدت بدعاء العبد ، لكن الكافر لم يدع فلم يجب ، فلا يتناول يا عبادي غير المؤمنين .

المسألة الثانية : إذا كان عبادي لا يتناول إلا المؤمنين فما الفائدة في قوله : { الذين آمنوا } مع أن الوصف إنما يذكر لتمييز الموصوف ، كما يقال يا أيها المكلفون المؤمنون ، ويا أيها الرجال العقلاء تمييزا عن الكافرين والجهال ، فنقول الوصف يذكر لا للتمييز بل لمجرد بيان أن فيه الوصف كما يقال الأنبياء المكرمون والملائكة المطهرون ، مع أن كل نبي مكرم وكل ملك مطهر ، وإنما يقال لبيان أن فيهم الإكرام والطهارة ، ومثل هذا قولنا الله العظيم وزيد الطويل ، فههنا ذكر لبيان أنهم مؤمنون .

المسألة الثالثة : إذ قال { يا عبادي } فهم يكونون عابدين فما الفائدة في الأمر بالعبادة بقوله { فاعبدون } ؟ فنقول فيه فائدتان إحداهما : المداومة أي يا من عبدتموني في الماضي اعبدوني في المستقبل الثانية : الإخلاص أي يا من تعبدني أخلص العمل لي ولا تعبد غيري .

المسألة الرابعة : الفاء في قوله : { فإياي } تدل على أنه جواب لشرط فما ذلك ؟ فنقول قوله : { إن أرضى واسعة } إشارة إلى عدم المانع من عبادته فكأنه قال إذا كان لا مانع من عبادتي فاعبدوني ، وأما الفاء في قوله تعالى : { فاعبدون } فهو لترتيب المقتضى على المقتضى كما يقال هذا عالم فأكرموه فكذلك ههنا لما أعلم نفسه بقوله : { فإياي } وهو لنفسه يستحق العبادة قال { فاعبدون } .

المسألة الخامسة : قال العبد مثل هذا في قوله : { إياك نعبد } وقال عقيبه : { وإياك نستعين } والله تعالى وافقه في قوله : { فإياي فاعبدون } ولم يذكر الإعانة نقول بل هي مذكورة في قوله { يا عبادي } لأن المذكور بعبادي لما كان الشيطان مسدود السبيل عليه مسدود القبيل عنه كان في غاية الإعانة .

المسألة السادسة : قدم الله الإعانة وأخر العبد الاستعانة ، قلنا لأن العبد فعله لغرض وكل فعل لغرض ، فإن الغرض سابق على الفعل في الإدراك ، وذلك لأن من يبني بيتا للسكنى يدخل في ذهنه أولا فائدة السكنى فيحمله على البناء ، لكن الغرض في الوجود لا يكون إلا بعد فعل الواسطة ، فنقول الاستعانة من العبد لغرض العبادة فهي سابقة في إدراكه ، وأما الله تعالى فليس فعله لغرض فراعى ترتيب الوجود ، فإن الإعانة قبل العبادة .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{يَٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّ أَرۡضِي وَٰسِعَةٞ فَإِيَّـٰيَ فَٱعۡبُدُونِ} (56)

46

ويدع الجاحدين المكذبين المستهترين في مشهد العذاب يغشاهم من فوقهم ومن تحت أرجلهم ، ليلتفت إلى المؤمنين ، الذين يفتنهم أولئك المكذبون عن دينهم ، ويمنعونهم من عبادة ربهم . . يلتفت إليهم يدعوهم إلى الفرار بدينهم ، والنجاة بعقيدتهم . في نداء حبيب وفي رعاية سابغة ، وفي أسلوب يمس كل أوتار القلوب :

( يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة ، فإياي فاعبدون . كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون . والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم من الجنة غرفا تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ، نعم أجر العاملين ، الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون . وكأي من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم ، وهو السميع العليم . . )

إن خالق هذه القلوب ، الخبير بمداخلها ، العليم بخفاياها ، العارف بما يهجس فيها ، وما يستكن في حناياها . . إن خالق هذه القلوب ليناديها هذا النداء الحبيب : يا عبادي الذين آمنوا : يناديها هكذا وهو يدعوها إلى الهجرة بدينها ، لتحس منذ اللحظة الأولى بحقيقتها . بنسبتها إلى ربها وإضافتها إلى مولاها : ( يا عبادي ) . .

هذه هي اللمسة الأولى . واللمسة الثانية : ( إن أرضي واسعة ) . .

أنتم عبادي . وهذه أرضي . وهي واسعة . فسيحة تسعكم . فما الذي يمسككم في مقامكم الضيق ، الذي تفتنون فيه عن دينكم ، ولا تملكون أن تعبدوا الله مولاكم ? غادروا هذا الضيق يا عبادي إلى أرضي الواسعة ، ناجين بدينكم ، أحرارا في عبادتكم ( فإياي فاعبدون ) .

إن هاجس الأسى لمفارقة الوطن هو الهاجس الأول الذي يتحرك في النفس التي تدعى للهجرة . ومن هنا يمس قلوبهم بهاتين اللمستين : بالنداء الحبيب القريب : ( يا عبادي )وبالسعة في الأرض : ( إن أرضي واسعة )وما دامت كلها أرض الله ، فأحب بقعة منها إذن هي التي يجدون فيها السعة لعبادة الله وحده دون سواه .