مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَلَا تَدۡعُ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَۖ فَإِن فَعَلۡتَ فَإِنَّكَ إِذٗا مِّنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ} (106)

والقيد السادس : قوله تعالى : { ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك } والممكن لذاته معدوم بالنظر إلى ذاته وموجود بإيجاد الحق ، وإذا كان كذلك فما سوى الحق فلا وجود له إلا إيجاد الحق ، وعلى هذا التقدير فلا نافع إلا الحق ولا ضار إلا الحق ، فكل شيء هالك إلا وجهه وإذا كان كذلك ، فلا حكم إلا لله ولا رجوع في الدارين إلا إلى الله .

ثم قال في آخر الآية : { فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين } يعني لو اشتغلت بطلب المنفعة والمضرة من غير الله فأنت من الظالمين ، لأن الظلم عبارة عن وضع الشيء في غير موضعه ، فإذا كان ما سوى الحق معزولا عن التصرف ، كانت إضافة التصرف إلى ما سوى الحق وضعا للشيء في غير موضعه فيكون ظلما .

فإن قيل : فطلب الشبع من الأكل والري من الشرب هل يقدح في ذلك الإخلاص ؟

قلنا : لا لأن وجود الخبز وصفاته كلها بإيجاد الله وتكوينه ، وطلب الانتفاع بشيء خلقه الله للانتفاع به لا يكون منافيا للرجوع بالكلية إلى الله ، إلا أن شرط هذا الإخلاص أن لا يقع بصر عقله على شيء من هذه الموجودات إلا ويشاهد بعين عقله أنها معدومة بذواتها وموجودة بإيجاد الحق وهالكة بأنفسها وباقية بإبقاء الحق ، فحينئذ يرى ما سوى الحق عدما محضا بحسب أنفسها ويرى نور وجوده وفيض إحسانه عاليا علي الكل .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَلَا تَدۡعُ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَۖ فَإِن فَعَلۡتَ فَإِنَّكَ إِذٗا مِّنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ} (106)

106 { وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ . . . }

تستأصل هذه الآيات شأفة الشرك في القلوب ؛ فقد أمرت الآيات السابقة بالإيمان ، وإخلاص الوجه لله ، والبعد عن الشرك بالكلية ، أي : لا يقصد الإنسان بعمله إلا وجه الله ، وفي الآية الكريمة : { وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ } ترسيخ لدعوة التوحيد ، وإخلاص الوجه لله ؛ فهو سبحانه النافع الضار ، الخالق المبدئ المعيد ، الفعال لما يريد ؛ فالواجب أن نتوجه إليه وحده بالعبادة والسؤال والطلب ، أما الأصنام والأوثان ، وزيارة القبور والتوسل بهم ، والطلب منهم ، فهو انحراف عن الجادة ، وخروج عن النهج القويم .

لقد أمرنا الله ، بإخلاص العبادة ، والبعد عن الشرك فقال تعالى : { ولا تكونن من المشركين } . ( الأنعام : 14 ) .

وأخرج الإمام أحمد والطبراني : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( أيها الناس ، اتقوا هذا الشرك ؛ فإنه أخفى من دبيب النمل ) .

{ فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين } .

الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم ، وهو موجه للمسلمين عامة في جميع العصور ، والمعنى : إن دعوت من دون الله مالا ينفعك ولا يضرك ؛ فإنك حينئذ تكون من الظالمين لأنفسهم بالشرك ، والتوجه بالدعاء وهو مخ العبادة إلى غير الله ، وبهذا حرر الإسلام القلوب والنفوس ، من أن تذل لصنم أو بشر أو منصب أو جاه ، وركز في قرارة النفوس ، اليقين الجازم بأن النافع والضار هو الله تعالى وحده .

من هدى السنة النبوية

عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما ، قال : كنت رديف النبي صلى الله على بغلته ، فقال لي : ( يا غلام ، هل أعلمك كلمات ينفعك الله بها ) ، قلت : بلى يا رسول الله ، علمني ، فقال : ( يا غلام ، احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك ، إذا سألت فاسأل الله ، وإذا استعنت فاستعن بالله ، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ، واعلم أن الأمة لو اجتمعت أن يضروك بشيء ، لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك . رفعت الأقلام وجفت الصحف ) . xl أخرجه الترمذي وقال : حديث حسن صحيح .