مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{فَلَوۡلَا كَانَتۡ قَرۡيَةٌ ءَامَنَتۡ فَنَفَعَهَآ إِيمَٰنُهَآ إِلَّا قَوۡمَ يُونُسَ لَمَّآ ءَامَنُواْ كَشَفۡنَا عَنۡهُمۡ عَذَابَ ٱلۡخِزۡيِ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَمَتَّعۡنَٰهُمۡ إِلَىٰ حِينٖ} (98)

القصة الثالثة من القصص المذكورة في هذه السورة ، قصة يونس عليه السلام

قوله تعالى { فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين }

اعلم أنه تعالى لما بين من قبل { إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون * ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم } أتبعه بهذه الآية ، لأنها دالة على أن قوم يونس آمنوا بعد كفرهم وانتفعوا بذلك الإيمان ، وذلك يدل على أن الكفار فريقان : منهم من حكم عليه بخاتمة الكفر ، ومنهم من حكم عليه بخاتمة الإيمان . وكل ما قضى الله به فهو واقع .

وفي الآية مسائل :

المسألة الأولى : في كلمة { لولا } في هذه الآية طريقان :

الطريق الأول : أن معناه النفي ، روى الواحدي في «البسيط » قال : قال أبو مالك صاحب ابن عباس كل ما في كتاب الله تعالى من ذكر لولا ، فمعناه هلا ، إلا حرفين ، { فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها } معناه فما كانت قرية آمنت ، فنفعها إيمانها ، وكذلك { فلولا كان من القرون من قبلكم } معناه ، فما كان من القرون ، فعلى هذا تقدير الآية ، فما كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس . وانتصب قوله : { إلا قوم يونس } على أنه استثناء منقطع عن الأول ، لأن أول الكلام جرى على القرية ، وإن كان المراد أهلها ووقع استثناء القول من القرية ، فكان كقوله :

وما بالربع من أحد*** الا أوارى

وقرئ أيضا بالرفع على البدل .

الطريق الثاني : أن { لولا } معناه هلا ، والمعنى هلا كانت قرية واحدة من القرى التي أهلكناها تابت عن الكفر وأخلصت في الإيمان قبل معاينة العذاب إلا قوم يونس . وظاهر اللفظ يقتضي استثناء قوم يونس من القرى ، إلا أن المعنى استثناء قوم يونس من أهل القرى ، وهو استثناء منقطع بمعنى ولكن قوم يونس لما آمنوا فعلنا بهم كذا وكذا .

المسألة الثانية : روي أن يونس عليه السلام بعث إلى نينوى من أرض الموصل فكذبوه فذهب عنهم مغاضبا ، فلما فقدوه خافوا نزول العقاب ، فلبسوا المسوح وعجوا أربعين ليلة ، وكان يونس قال لهم إن أجلكم أربعون ليلة . فقالوا : إن رأينا أسباب الهلاك آمنا بك ، فلما مضت خمس وثلاثون ليلة ظهر في السماء غيم أسود شديد السواد ، فظهر منه دخان شديد وهبط ذلك الدخان حتى وقع في المدينة وسود سطوحهم فخرجوا إلى الصحراء ، وفرقوا بين النساء والصبيان وبين الدواب وأولادها فحن بعضها إلى بعض فعلت الأصوات ، وكثرت التضرعات وأظهروا الإيمان والتوبة وتضرعوا إلى الله تعالى فرحمهم وكشف عنهم ، وكان ذلك اليوم يوم عاشوراء يوم الجمعة وعن ابن مسعود بلغ من توبتهم أن يردوا المظالم حتى أن الرجل كان يقلع الحجر بعد أن وضع عليه بناء أساسه فيرده إلى مالكه ، وقيل خرجوا إلى شيخ من بقية علمائهم فقالوا قد نزل بنا العذاب فما ترى ؟ فقال لهم قولوا يا حي حين لا حي . ويا حي يا محيي الموتى ويا حي لا إله إلا أنت ، فقالوا فكشف الله العذاب عنهم ، وعن الفضل بن عباس أنهم قالوا : اللهم إن ذنوبنا قد عظمت وجلت وأنت أعظم منها وأجل افعل بنا ما أنت أهله ولا تفعل بنا ما نحن أهله .

المسألة الثالثة : إن قال قائل إنه تعالى حكى عن فرعون أنه تاب في آخر الأمر ولم يقبل توبته وحكى عن قوم يونس أنهم تابوا وقبل توبتهم فما الفرق ؟

والجواب : أن فرعون إنما تاب بعد أن شاهد العذاب ، وأما قوم يونس فإنهم تابوا قبل ذلك فإنهم لما ظهرت لهم أمارات دلت على قرب العذاب تابوا قبل أن شاهدوا فظهر الفرق .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{فَلَوۡلَا كَانَتۡ قَرۡيَةٌ ءَامَنَتۡ فَنَفَعَهَآ إِيمَٰنُهَآ إِلَّا قَوۡمَ يُونُسَ لَمَّآ ءَامَنُواْ كَشَفۡنَا عَنۡهُمۡ عَذَابَ ٱلۡخِزۡيِ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَمَتَّعۡنَٰهُمۡ إِلَىٰ حِينٖ} (98)

{ فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ فِي الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ 98 }

المفردات :

فلولا : لولا : كلمة تفيد : الحث على الفعل بمعنى : هلا .

قرية : اسم للمباني المتصلة التي يسكنها جمع من الناس ، وقد جاء في القرآن الكريم أن القرية والمدينة بمعنى واحد ؛ قال تعالى : { حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه } . ثم قال : { وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة } . وقيل : القرية : بلدة أصغر من المدينة والمراد من القرية في الآية : أهلها .

التفسير :

98 { فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا . . . } الآية .

أي : هلا كان أهل كل قرية من قرى الرسل الذين أرسلوا إليهم ، آمنوا بعد دعوتهم وإقامة الحجة عليهم ، وقبل نزول العذاب واستحالة الإيمان ؛ فنفعهم إيمانهم .

{ إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ فِي الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ } .

أي : لكن قوم يونس عليه السلام ، الذي بعث في أهل نينوى ، بأرض الموصل ، شمال العراق ، كانوا قد كفروا ، ثم لما رأوا أمارات العذاب ؛ تضرعوا إلى الله وأخلصوا التوبة ، وأظهروا الإيمان ؛ فرحمهم الله تعالى ، وكشف عنهم العذاب . أي : العذاب الذي وعدهم يونس بنزوله ، وقبل إيمانهم ، ومتعهم إلى أجلهم ، وفي القصة تعريض بأهل مكة ، وحض لهم على أن يكونوا كقوم يونس .

وذهب الأستاذ عبد الكريم الخطيب : إلى أن المراد بالقرية هنا : مكة .

ومعنى الآية : «هلا أسرعت مكة إلى الإيمان بالنبي المبعوث منها وفيها ؛ فانتفعت بهذا الإيمان قبل غيرها ؛ لأنها أولى به ؛ إذ كان مطلعه في أفقها ، ولكن الواقع أنها لم تؤمن فحرمت هذا الخير وذلك هو حال معظم الأقوام مع أنبياءهم ، إلا قوم يونس ، فإنهم آمنوا ؛ فنجاهم الله من العذاب الذي أوشك أن يحل بهم » .

قصة يونس

يونس بن متى ، ويقول أهل الكتاب يونس بن أمتاي ، وقد أرسله الله تعالى إلى نينوى من أرض الموصل ، فكذبوه فوعدهم بالعذاب بعد مدة ، قيل : إلى أربعين يوما ، وذهب عنهم مغاضبا ، فلما فقدوه ؛ خافوا نزول العذاب ، ولما دنا الموعد غامت السماء غيما أسودا ، ذا دخان شديد ؛ فهبط حتى غشي مدينتهم ، فهابوا ، فطلبوا يونس فلم يجدوه ، فأيقنوا صدقه ، فلبسوا المسوح ، وبرزوا إلى الفضاء بأنفسهم ، ونسائهم ، ودوابهم ، وفرقوا بين كل والدة وولدها ، فنحن بعضها إلى بعض ، وعلت الأصوات والعجيج ، وأخلصوا التوبة ، وأظهروا الإيمان ، وتضرعوا إلى الله تعالى ؛ فرحمهم وكشف عنهم ، وكان ذلك يوم عاشوراء يوم الجمعة . xxxv

وعن ابن مسعود رضي الله عنه : بلغ من توبتهم أن ترادوا المظالم ، حتى إن الرجل كان يقتلع الحجر وقد وضع عليه أساس بنائه فيرده إلى صاحبه . xxxvi

قال علي رضي الله عنه : إن الحذر لا يرد القدر ، وإن الدعاء ليرد القدر .

من تفسير الشوكاني :

{ فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا . . . } الآية .

فهلا قرية واحدة من هذه القرى التي أهلكناها ، آمنت إيمانا معتدا به ، وذلك بأن يكون خالصا لله قبل معاينة عذابه ، ولم يؤخروه كما أخره فرعون .

{ إلا قوم يونس } . لكن قوم يونس ، { لما آمنوا } . إيمانا معتدا به قبل معاينة العذاب .

{ كشفنا عنهم عذاب الخزي } . وهو العذاب الذي كان قد وعدهم يونس أنه سينزل عليهم ولم يروه ، فرأوا علاماته دون عينه .

{ ومتعناهم إلى حين } . أي : بعد كشف العذاب عنهم . xxxvii