قوله تعالى : { وعجبوا أن جاءهم منذر منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذاب ، أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب ، وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد ، ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق }
اعلم أنه تعالى لما حكى عن الكفار كونهم في عزة وشقاق أردفه بشرح كلماتهم الفاسدة فقال : { وعجبوا أن جاءهم منذر منهم } في قوله : { منهم } وجهان الأول : أنهم قالوا : إن محمدا مساو لنا في الخلفة الظاهرة والأخلاق الباطنة والنسب والشكل والصورة ، فكيف يعقل أن يختص من بيننا بهذا المنصب العالي والدرجات الرفيعة والثاني : أن الغرض من هذه الكلمة التنبيه على كمال جهالتهم ، وذلك لأنه جاءهم رجل يدعوهم إلى التوحيد وتعظيم الملائكة والترغيب في الآخرة ، والتنفير عن الدنيا ، ثم إن هذا الرجل من أقاربهم يعلمون أنه كان بعيدا من الكذب والتهمة ؛ وكل ذلك مما يوجب الاعتراف بتصديقه ، ثم إن هؤلاء الأقوام لحماقتهم يتعجبون من قوله ، ونظيره قوله : { أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون } فقال : { وعجبوا أن جاءهم منذر منهم } ومعناه أن محمدا كان من رهطهم وعشيرتهم وكان مساويا لهم في الأسباب الدنيوية فاستنكفوا من الدخول تحت طاعته ومن الانقياد لتكاليفه ، وعجبوا أن يختص هو من بينهم برسالة الله وأن يتميز عنهم بهذه الخاصية الشريفة ، وبالجملة فما كان لهذا التعجب سبب إلا الحسد .
ثم قال تعالى : { وقال الكافرون هذا ساحر كذاب } وإنما لم يقل وقالوا بل قال : { وقال الكافرون } إظهارا للتعجب ودلالة على أن هذا القول لا يصدر إلا عن الكفر التام ، فإن الساحر هو الذي يمنع من طاعة الله ويدعو إلى طاعة الشيطان وهو عندكم بالعكس من ذلك والكذاب هو الذي يخبر عن الشيء لا على ما هو عليه وهو يخبر عن وجود الصانع القديم الحكيم العليم وعن الحشر والنشر وسائر الأشياء التي تثبت بدلائل العقول صحتها فكيف يكون كذابا ، ثم إنه تعالى حكى جميع ما عولوا عليه في إثبات كونه كاذبا وهي ثلاثة أشياء أحدها : ما يتعلق بالإلهيات
4- { وعجبوا أن جاءهم منذر منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذاب } .
هذا العجب من أن يكون الرسول بشرا مثلكم مرت به البشرية ، وتكلم به الكفار في حق الرسل ، وقال الذين كفروا لرسلهم : { إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا فأتونا بسلطان مبين * قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده . . . } [ إبراهيم : 10 ، 11 ] أراد الله أن يكون الرسول بشرا مثل الناس ، يحس بإحساسهم ، ويعرف قدراتهم وطاقاتهم ، وما يتقبلونه ويستحسنونه ، وما يطيقونه وما لا يطيقونه ، ويكون الرسول قدوة عملية أمامهم ، يلتزم بما يأمرهم به ، فيكون نموذجا للعمل بما يأمر به ، والترك لما ينهى عنه ، فالرسول محمد صلى الله عليه وسلم كان خُلقه القرآن ، يصلّي ويصوم ويزكّي ويحج ، ويشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، وهو صادق أمين مجاهد ، يزور المرضى في أقصى المدينة ، يتعهد أصحابه ، يرحم الضعفاء ، يعلّم الرجال والنساء ، ويبلغ وحي السماء ، لكن الكفار رغبوا في رسالة غامضة تقوم على الأساطير التي كانت تروج بينهم قبل الإسلام ، ورفضوا الدين الواضح الذي يقوم على الحجة والمنطق والوضوح ، واستكثروا أن يكون اليتيم الفقير هو النبّي الرسول ، وكانوا يلقبون محمدا قبل الدعوة إلى الإسلام ، بالصادق الأمين ، فلما جاءهم بالرسالة كفروا به حسدا وعنادا ، وقالوا : إنه ساحر يفرّق بين المرء وقومه ، والمرء وأبيه وأمّه ، وهو كذّاب لا ينزل عليه الوحي من السماء لكنه يدّعى ذلك .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.