ثم قال : { فضلا من ربك } يعني كل ما وصل إليه المتقون من الخلاص عن النار والفوز بالجنة فإنما يحصل بتفضل الله ، واحتج أصحابنا بهذه الآية على أن الثواب يحصل تفضلا من الله تعالى لا بطريق الاستحقاق لأنه تعالى لما عدد أقسام ثواب المتقين بين أنها بأسرها إنما حصلت على سبيل الفضل والإحسان من الله تعالى ، قال القاضي أكثر هذه الأشياء وإن كانوا قد استحقوه بعملهم فهو بفضل الله لأنه تعالى تفضل بالتكليف ، وغرضه منه أن يصيرهم إلى هذه المنزلة فهو كمن أعطى غيره مالا ليصل به إلى ملك ضيعة ، فإنه يقال في تلك الضيعة إنها من فضله ، قلنا مذهبك أن هذا الثواب حق لازم على الله ، وإنه تعالى لو أخل به لصار سفيها ولخرج به عن الإلهية فكيف يمكن وصف مثل هذا الشيء بأنه فضل من الله تعالى ؟
ثم قال تعالى : { ذلك هو الفوز العظيم } واحتج أصحابنا بهذه الآية على أن التفضيل أعلى درجة من الثواب المستحق ، فإنه تعالى وصفه بكونه فضلا من الله ثم وصف الفضل من الله بكونه فوزا عظيما ، ويدل عليه أيضا أن الملك العظيم إذا أعطى الأجير أجرته ثم خلع على إنسان آخر فإن تلك الخلعة أعلى حالا من إعطاء تلك الأجرة .
56 ، 57- { لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى ووقاهم عذاب الجحيم * فضلا من ربك ذلك هو الفوز العظيم } .
أهل الجنة في شباب دائم ، وصحة دائمة ، لا يدركهم النوم ولا الموت ، بل هم خالدون في الجنة بفضل الله ونعمائه ، لقد ماتوا في الدنيا عن شهواتهم وملذاتهم ، وصاموا عن المحرمات ، والتزموا مرضات الله ، وسَمَتْ أرواحهم لأن تكون من أهل الجنة ، وقد أدركهم الموت في الدنيا مرة واحدة ، فإذا دخلوا الجنة فهم في نعيم دائم ، وخلود بلا موت لا يخرجون من الجنة ولا يموتون ، وقد حفظهم الله من عذاب الجحيم ، فضلا من الله ونعمة ، إن هذا يحصل عليه أهل الجنة هو الفوز العظيم ، وأي فوز أعظم من نعيم الجنة والوقاية من عذاب النار .
أخرج الإمام مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( يقال لأهل الجنة : إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا ، وإن لكم أن تعيشوا فلا تموتوا أبدا ، وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدا ، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا )11 .
وثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( يؤتى بالموت في صورة كبش أملح ، فيوقف بين الجنة والنار ، ثم يذبح ، ثم يقال : يا أهل الجنة خلود فلا موت ، ويا أهل النار خلود فلا موت )12 .
إن هذا النعيم فضل من الله ونعمة ، وثواب ومنحة ، وهو فوز عظيم لأهل الجنة ، وفي الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لن يدخل أحدكم الجنة عمله ) ، قالوا : ولا أنت يا رسول الله ؟ قال : ( ولا أنا ، إلا أن يتغمدني الله برحمته )13 .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.