مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَشَآقُّواْ ٱلرَّسُولَ مِنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلۡهُدَىٰ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيۡـٔٗا وَسَيُحۡبِطُ أَعۡمَٰلَهُمۡ} (32)

قوله تعالى { إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وشاقوا الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى لن يضروا الله شيئا وسيحبط أعمالهم } و فيه وجهان ( أحدهما ) هم أهل الكتاب قريظة والنضير ( والثاني ) كفار قريش يدل على الأول قوله تعالى : { من بعد ما تبين لهم الهدى } قيل أهل الكتاب تبين لهم صدق محمد عليه السلام ، وقوله { لن يضروا الله شيئا } تهديد معناه هم يظنون أن ذلك الشقاق مع الرسول وهم به يشاقونه وليس كذلك ، بل الشقاق مع الله فإن محمدا رسول الله ما عليه إلا البلاغ فإن ضروا يضروا الرسل لكن الله منزه عن أن يتضرر بكفر كافر وفسق فاسق ، وقوله { وسيحبط أعمالهم } قد علم معناه . فإن قيل قد تقدم في أول السورة أن الله تعالى أحبط أعمالهم فكيف يحبط في المستقبل ؟ فنقول الجواب عنه من وجهين ( أحدهما ) أن المراد من قوله { الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله } في أول السورة المشركون ، ومن أول الأمر كانوا مبطلين ، وأعمالهم كانت على غير شريعة ، والمراد من الذين كفروا هاهنا أهل الكتاب وكانت لهم أعمال قبل الرسول فأحبطها الله تعالى بسبب تكذيبهم الرسول ولا ينفعهم إيمانهم بالحشر والرسل والتوحيد ، والكافر المشرك أحبط عمله حيث لم يكن على شرع أصلا ولا كان معترفا بالحشر ( الثاني ) هو أن المراد بالأعمال هاهنا مكايدهم في القتال وذلك في تحقق منهم والله سيبطله حيث يكون النصر للمؤمنين ، والمراد بالأعمال في أول السورة هو ما ظنوه حسنة .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَشَآقُّواْ ٱلرَّسُولَ مِنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلۡهُدَىٰ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيۡـٔٗا وَسَيُحۡبِطُ أَعۡمَٰلَهُمۡ} (32)

32

المفردات :

شاقوا الرسول : عادوه وخالفوه ، وأصله : صاروا في شق غير شقه .

التفسير :

32- { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ } .

قيل : نزلت هذه الآية في يهود بني قريظة وبني النضير ، حيث تبين لهم في التوراة صدق محمد صلى الله عليه وسلم ، وشاهدوا المعجزات تظهر على يديه ، فأعرضوا عن الإسلام .

وقيل : نزلت في المنافقين ، وقيل : نزلت في كفار قريش ، والأولى أن يقال : إن الآية عامة في جميع هذه الأصناف وأمثالها .

والمعنى :

إن الذين كفروا بالله ورسوله ، ومنعوا الناس من الإيمان ، وزينوا لهم الكفر ، وعادوا رسول الله ، وصاروا في شق وجانب غير جانبه من بعد أن شاهدوا صدقه ، وأدركوا أنه صادق أمين هؤلاء : { لن يضروا الله شيئا . . . } فهم أحقر وأذل من ذلك ، لأن الله غالب على أمره ، ولن يضروا دين الله وهو الإسلام ، ولا رسول الله محمدا صلى الله عليه وسلم ، وسيبطل الله كيدهم ، ويمحق تدبيرهم ، ويحفظ رسوله وينصر دينه ، وقد تم ذلك في غزوة بدر ، وفي غزوة بني قريظة ، والأحزاب وغيرها ، ونصر الله الإسلام على الكافرين والمنافقين واليهود وسائر أعداء دين الإسلام .

وفي معنى هذه الآية يقول الله تعالى في سورة الصف : { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ( 7 ) يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ( 8 ) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ( 9 ) } . ( الصف : 7-9 ) .