مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{يَعۡلَمُونَ مَا تَفۡعَلُونَ} (12)

النوع الثاني : قوله تعالى : { وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون } والمعنى التعجب من حالهم ، كأنه سبحانه قال : إنكم تكذبون بيوم الدين وهو يوم الحساب والجزاء ، وملائكة الله موكلون بكم يكتبون أعمالكم حتى تحاسبوا بها يوم القيامة ، ونظيره قوله تعالى : { عن اليمين وعن الشمال قعيد ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد } وقوله تعالى : { وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة } ثم ههنا مباحث :

الأول : من الناس من طعن في حضور الكرام الكاتبين من وجوه : ( أحدها ) أن هؤلاء الملائكة ، إما أن يكونوا مركبين من الأجسام اللطيفة كالهواء والنسيم والنار ، أو من الأجسام الغليظة ، فإن كان الأول لزم أن تنتقض بنيتهم بأدنى سبب من هبوب الرياح الشديدة وإمرار اليد والكم والسوط في الهواء ، وإن كان الثاني وجب أن نراهم إذ لو جاز أن يكونوا حاضرين ولا نراهم ، لجاز أن يكون بحضرتنا شموس وأقمار وفيلات وبوقات ، ونحن لا نراها ولا نسمعها وذلك دخول في التجاهل ، وكذا القول في إنكار صحائفهم وذواتهم وقلمهم ( وثانيها ) : أن هذا الاستكتاب إن كان خاليا عن الفوائد فهو عبث وذلك غير جائز على الله تعالى ، وإن كان فيه فائدة فتلك الفائدة ، إما أن تكون عائدة إلى الله تعالى أو إلى العبد ( والأول ) : محال لأنه متعال عن النفع والضر ، وبهذا يظهر بطلان قول من يقول : إنه تعالى إنما استكتبها خوفا من النسيان الغلط ( والثاني ) : أيضا محال ، لأن أقصى ما في الباب أن يقال : فائدة هذا الاستكتاب أن يكونوا شهودا على الناس وحجة عليهم يوم القيامة إلا أن هذه الفائدة ضعيفة ، لأن الإنسان الذي علم أن الله تعالى لا يجور ولا يظلم ، لا يحتاج في حقه إلى إثبات هذه الحجة ، والذي لا يعلم ذلك لا ينتفع بهذه الحجة لاحتمال أنه تعالى أمرهم بأن يكتبوا تلك الأشياء عليه ظلما ( وثالثها ) : أن أفعال القلوب غير مرئية ولا محسوسة فتكون هي من باب المغيبات ، والغيب لا يعلمه إلا الله تعالى على ما قال : { وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو } وإذا لم تكن هذه الأفعال معلومة للملائكة استحال أن يكتبوها والآية تقضي أن يكونوا كاتبين علينا كل ما نفعله ، سواء كان ذلك من أفعال القلوب أم لا ؟ ( والجواب ) عن ( الأول ) : أن هذه الشبهة لا تزال إلا على مذهبنا بناء على أصلين ( أحدهما ) : أن البنية ليست شرطا للحياة عندنا ( والثاني ) : أي عند سلامة الحاسة وحضور المرئي وحصول سائر الشرائط لا يجب الإدراك ، فعلى الأصل الأول يجوز أن تكون الملائكة أجراما لطيفة تتمزق وتتفرق ولكن تبقى حياتها مع ذلك ، وعلى الأصل الثاني يجوز أن يكونوا أجساما كثيفة لكنا لا نراها ( والجواب ) : عن الثاني أن الله تعالى إنما أجرى أموره مع عباده على ما يتعاملون به فيما بينهم لأن ذلك أبلغ في تقرير المعنى عندهم ، ولما كان الأبلغ عندهم في المحاسبة إخراج كتاب بشهود خوطبوا بمثل هذا فيما يحاسبون به يوم القيامة ، فيخرج لهم كتب منشورة ، ويحضر هناك ملائكة يشهدون عليهم كما يشهد عدول السلطان على من يعصيه ويخالف أمره ، فيقولون له : أعطاك الملك كذا وكذا ، وفعل بك كذا وكذا ، ثم قد خلفته وفعلت كذا وكذا ، فكذا ههنا والله أعلم بحقيقة ذلك ( الجواب ) : عن الثالث أن غاية ما في الباب تخصيص هذا العموم بأفعال الجوارح ، وذلك غير ممتنع .

البحث الثاني : أن قوله تعالى : { وإن عليكم لحافظين } وإن كان خطاب مشافهة إلا أن الأمة مجمعة على أن هذا الحكم عام في حق كل المكلفين ، ثم ههنا احتمالان :

أحدهما : أن يكون هناك جمع من الحافظين ، وذلك الجمع يكونون حافظين لجميع بني آدم من غير أن يختص واحد من الملائكة بواحد من بني آدم .

وثانيهما : أن يكون الموكل بكل واحد منهم غير الموكل بالآخرة ، ثم يحتمل أن يكون الموكل بكل واحد من بني آدم واحدا من الملائكة لأنه تعالى قابل الجمع بالجمع ، وذلك يقتضي مقابلة الفرد بالفرد ، ويحتمل أن يكون الموكل بكل واحد منهم جمعا من الملائكة كما قيل : اثنان بالليل ، واثنان بالنهار ، أو كما قيل : إنهم خمسة .

البحث الثالث : أنه تعالى وصف هؤلاء الملائكة بصفات ( أولها ) : كونهم حافظين ( وثانيها ) : كونهم كراما ( وثالثها ) : كونهم كاتبين ( ورابعها ) : كونهم يعلمون ما تفعلون ، وفيه وجهان ( أحدهما ) : أنهم يعلمون تلك الأفعال حتى يمكنهم أن يكتبوها ، وهذا تنبيه على أن الإنسان لا يجوز له الشهادة إلا بعد العلم ( والثاني ) : أنهم يكتبونها حتى يكونوا عالمين بها عند أداء الشهادة .

واعلم أن وصف الله إياهم بهذه الصفات الخمسة يدل على أنه تعالى أثنى عليهم وعظم شأنهم ، وفي تعظيمهم تعظيم لأمر الجزاء ، وأنه عند الله تعالى من جلائل الأمور ، ولولا ذلك لما وكل بضبط ما يحاسب عليه ، هؤلاء العظماء الأكابر ، قال أبو عثمان : من يزجره من المعاصي مراقبة الله إياه ، كيف يرده عنها كتابة الكرام الكاتبين .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{يَعۡلَمُونَ مَا تَفۡعَلُونَ} (12)

التفسير :

12- يعلمون ما تفعلون .

يعلمون أعمالكم ، ويسجّلونها عليكم ، للجزاء العادل يوم القيامة ، فاستحيوا من الله حق الحياء ، واحفظوا أنفسكم عن معصية الله .

ولله در القائل :

لم لا أنوح وأندب *** وجميع جسمي مذنب

نفسي لقبح فعالها *** بين الورى تتأدب

ملك اليمين أحته *** لم يلق شيئا يكتب

ملك الشمال بعكسه *** ليلا نهارا يتعب

وقد ورد في الأثر : أن كل له عشرة من الملائكة ، منهم الحفظة .

قال تعالى : له معقّبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله . . . ( الرعد : 11 ) .

ومن الملائكة : الكتبة الذين يسجّلون على العبد أعماله ، بدون زيادة أو نقصان ، وقد سمّاهم الله : كراما كاتبين . فهم عدول أمناء ، يفرحون بالعبد الطائع ، ويتألمون لمعصية العاصي ، لكنهم أمناء في كتابتهم وشهادتهم .

قال تعالى : هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنّا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون . ( الجاثية : 29 ) .

وفي صحيح البخاري يقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ، ويجتمعون في صلاة العصر وفي صلاة الفجر ، اقرأوا إن شئتم قول الله تعالى : وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا . ( الإسراء : 78 ) . فيصعد الذين باتوا فيكم ، فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم : كيف تركتم عبادي ؟ فيقولون : يا ربّنا تركناهم وهم يصلّون ، وأتيناهم وهم يصلّون ، فاغفر لهم يوم الدّين )viii .

والإيمان بالملائكة عقيدة من عقائد المسلم ، وهم عباد مكرمون ، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ، وهم قوى روحية ، منهم من ينزل بالوحي كجبريل عليه السلام ، ومنهم حملة العرش ، وهم الكروبيون الذين يدعون الله أن يرفع الكرب عن أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، ومنهم المكلّف بالرياح والأمطار والخصب والنماء ، ومنهم المكلّف بالخسف والزلازل ، ومنهم من ينفخ في الصور وهو إسرافيل عليه السلام .

وللملائكة قوة فوق قوة البشر ، وقدرة على تنفيذ ما وكّلوا به من الأعمال ، فمنهم المبشّرون بالجنة الذين يحملون السلام والبشرى للمؤمن عند خروج روحه ، وعند دخوله الجنة .

ومنهم ملائكة العذاب الذين يتكفّلون بالعصاة ، وبحراسة جهنم ، وقد أفاد القرآن أن خزنة جهنم تسعة عشر ملكا ، فادّعى مكة أنهم قادرون على الإحاطة بهم ، فأفاد القرآن أن قدرتهم فوق طاقة البشر ، وربما كانوا تسعة عشر رئيسا أو فريقا أو صنفا ، وقد جعل الله عددهم اختبارا لإيمان المؤمن ، وإعلاما لأهل الكتاب بصدق القرآن وصدق محمد صلى الله عليه وسلم .

قال تعالى : سأصليه سقر* وما أدراك ما سقر* لا تبقي ولا تذر* لوّاحة للبشر* عليها تسعة عشر* وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا عدّتهم إلا فتنة للذين كفروا ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيمانا . . . ( المدثر : 26-31 ) .