النوع الثاني : قوله تعالى : { وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون } والمعنى التعجب من حالهم ، كأنه سبحانه قال : إنكم تكذبون بيوم الدين وهو يوم الحساب والجزاء ، وملائكة الله موكلون بكم يكتبون أعمالكم حتى تحاسبوا بها يوم القيامة ، ونظيره قوله تعالى : { عن اليمين وعن الشمال قعيد ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد } وقوله تعالى : { وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة } ثم ههنا مباحث :
الأول : من الناس من طعن في حضور الكرام الكاتبين من وجوه : ( أحدها ) أن هؤلاء الملائكة ، إما أن يكونوا مركبين من الأجسام اللطيفة كالهواء والنسيم والنار ، أو من الأجسام الغليظة ، فإن كان الأول لزم أن تنتقض بنيتهم بأدنى سبب من هبوب الرياح الشديدة وإمرار اليد والكم والسوط في الهواء ، وإن كان الثاني وجب أن نراهم إذ لو جاز أن يكونوا حاضرين ولا نراهم ، لجاز أن يكون بحضرتنا شموس وأقمار وفيلات وبوقات ، ونحن لا نراها ولا نسمعها وذلك دخول في التجاهل ، وكذا القول في إنكار صحائفهم وذواتهم وقلمهم ( وثانيها ) : أن هذا الاستكتاب إن كان خاليا عن الفوائد فهو عبث وذلك غير جائز على الله تعالى ، وإن كان فيه فائدة فتلك الفائدة ، إما أن تكون عائدة إلى الله تعالى أو إلى العبد ( والأول ) : محال لأنه متعال عن النفع والضر ، وبهذا يظهر بطلان قول من يقول : إنه تعالى إنما استكتبها خوفا من النسيان الغلط ( والثاني ) : أيضا محال ، لأن أقصى ما في الباب أن يقال : فائدة هذا الاستكتاب أن يكونوا شهودا على الناس وحجة عليهم يوم القيامة إلا أن هذه الفائدة ضعيفة ، لأن الإنسان الذي علم أن الله تعالى لا يجور ولا يظلم ، لا يحتاج في حقه إلى إثبات هذه الحجة ، والذي لا يعلم ذلك لا ينتفع بهذه الحجة لاحتمال أنه تعالى أمرهم بأن يكتبوا تلك الأشياء عليه ظلما ( وثالثها ) : أن أفعال القلوب غير مرئية ولا محسوسة فتكون هي من باب المغيبات ، والغيب لا يعلمه إلا الله تعالى على ما قال : { وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو } وإذا لم تكن هذه الأفعال معلومة للملائكة استحال أن يكتبوها والآية تقضي أن يكونوا كاتبين علينا كل ما نفعله ، سواء كان ذلك من أفعال القلوب أم لا ؟ ( والجواب ) عن ( الأول ) : أن هذه الشبهة لا تزال إلا على مذهبنا بناء على أصلين ( أحدهما ) : أن البنية ليست شرطا للحياة عندنا ( والثاني ) : أي عند سلامة الحاسة وحضور المرئي وحصول سائر الشرائط لا يجب الإدراك ، فعلى الأصل الأول يجوز أن تكون الملائكة أجراما لطيفة تتمزق وتتفرق ولكن تبقى حياتها مع ذلك ، وعلى الأصل الثاني يجوز أن يكونوا أجساما كثيفة لكنا لا نراها ( والجواب ) : عن الثاني أن الله تعالى إنما أجرى أموره مع عباده على ما يتعاملون به فيما بينهم لأن ذلك أبلغ في تقرير المعنى عندهم ، ولما كان الأبلغ عندهم في المحاسبة إخراج كتاب بشهود خوطبوا بمثل هذا فيما يحاسبون به يوم القيامة ، فيخرج لهم كتب منشورة ، ويحضر هناك ملائكة يشهدون عليهم كما يشهد عدول السلطان على من يعصيه ويخالف أمره ، فيقولون له : أعطاك الملك كذا وكذا ، وفعل بك كذا وكذا ، ثم قد خلفته وفعلت كذا وكذا ، فكذا ههنا والله أعلم بحقيقة ذلك ( الجواب ) : عن الثالث أن غاية ما في الباب تخصيص هذا العموم بأفعال الجوارح ، وذلك غير ممتنع .
البحث الثاني : أن قوله تعالى : { وإن عليكم لحافظين } وإن كان خطاب مشافهة إلا أن الأمة مجمعة على أن هذا الحكم عام في حق كل المكلفين ، ثم ههنا احتمالان :
أحدهما : أن يكون هناك جمع من الحافظين ، وذلك الجمع يكونون حافظين لجميع بني آدم من غير أن يختص واحد من الملائكة بواحد من بني آدم .
وثانيهما : أن يكون الموكل بكل واحد منهم غير الموكل بالآخرة ، ثم يحتمل أن يكون الموكل بكل واحد من بني آدم واحدا من الملائكة لأنه تعالى قابل الجمع بالجمع ، وذلك يقتضي مقابلة الفرد بالفرد ، ويحتمل أن يكون الموكل بكل واحد منهم جمعا من الملائكة كما قيل : اثنان بالليل ، واثنان بالنهار ، أو كما قيل : إنهم خمسة .
البحث الثالث : أنه تعالى وصف هؤلاء الملائكة بصفات ( أولها ) : كونهم حافظين ( وثانيها ) : كونهم كراما ( وثالثها ) : كونهم كاتبين ( ورابعها ) : كونهم يعلمون ما تفعلون ، وفيه وجهان ( أحدهما ) : أنهم يعلمون تلك الأفعال حتى يمكنهم أن يكتبوها ، وهذا تنبيه على أن الإنسان لا يجوز له الشهادة إلا بعد العلم ( والثاني ) : أنهم يكتبونها حتى يكونوا عالمين بها عند أداء الشهادة .
واعلم أن وصف الله إياهم بهذه الصفات الخمسة يدل على أنه تعالى أثنى عليهم وعظم شأنهم ، وفي تعظيمهم تعظيم لأمر الجزاء ، وأنه عند الله تعالى من جلائل الأمور ، ولولا ذلك لما وكل بضبط ما يحاسب عليه ، هؤلاء العظماء الأكابر ، قال أبو عثمان : من يزجره من المعاصي مراقبة الله إياه ، كيف يرده عنها كتابة الكرام الكاتبين .
يعلمون أعمالكم ، ويسجّلونها عليكم ، للجزاء العادل يوم القيامة ، فاستحيوا من الله حق الحياء ، واحفظوا أنفسكم عن معصية الله .
لم لا أنوح وأندب *** وجميع جسمي مذنب
نفسي لقبح فعالها *** بين الورى تتأدب
ملك اليمين أحته *** لم يلق شيئا يكتب
ملك الشمال بعكسه *** ليلا نهارا يتعب
وقد ورد في الأثر : أن كل له عشرة من الملائكة ، منهم الحفظة .
قال تعالى : له معقّبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله . . . ( الرعد : 11 ) .
ومن الملائكة : الكتبة الذين يسجّلون على العبد أعماله ، بدون زيادة أو نقصان ، وقد سمّاهم الله : كراما كاتبين . فهم عدول أمناء ، يفرحون بالعبد الطائع ، ويتألمون لمعصية العاصي ، لكنهم أمناء في كتابتهم وشهادتهم .
قال تعالى : هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنّا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون . ( الجاثية : 29 ) .
وفي صحيح البخاري يقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ، ويجتمعون في صلاة العصر وفي صلاة الفجر ، اقرأوا إن شئتم قول الله تعالى : وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا . ( الإسراء : 78 ) . فيصعد الذين باتوا فيكم ، فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم : كيف تركتم عبادي ؟ فيقولون : يا ربّنا تركناهم وهم يصلّون ، وأتيناهم وهم يصلّون ، فاغفر لهم يوم الدّين )viii .
والإيمان بالملائكة عقيدة من عقائد المسلم ، وهم عباد مكرمون ، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ، وهم قوى روحية ، منهم من ينزل بالوحي كجبريل عليه السلام ، ومنهم حملة العرش ، وهم الكروبيون الذين يدعون الله أن يرفع الكرب عن أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، ومنهم المكلّف بالرياح والأمطار والخصب والنماء ، ومنهم المكلّف بالخسف والزلازل ، ومنهم من ينفخ في الصور وهو إسرافيل عليه السلام .
وللملائكة قوة فوق قوة البشر ، وقدرة على تنفيذ ما وكّلوا به من الأعمال ، فمنهم المبشّرون بالجنة الذين يحملون السلام والبشرى للمؤمن عند خروج روحه ، وعند دخوله الجنة .
ومنهم ملائكة العذاب الذين يتكفّلون بالعصاة ، وبحراسة جهنم ، وقد أفاد القرآن أن خزنة جهنم تسعة عشر ملكا ، فادّعى مكة أنهم قادرون على الإحاطة بهم ، فأفاد القرآن أن قدرتهم فوق طاقة البشر ، وربما كانوا تسعة عشر رئيسا أو فريقا أو صنفا ، وقد جعل الله عددهم اختبارا لإيمان المؤمن ، وإعلاما لأهل الكتاب بصدق القرآن وصدق محمد صلى الله عليه وسلم .
قال تعالى : سأصليه سقر* وما أدراك ما سقر* لا تبقي ولا تذر* لوّاحة للبشر* عليها تسعة عشر* وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا عدّتهم إلا فتنة للذين كفروا ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيمانا . . . ( المدثر : 26-31 ) .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.