{ يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدّيقُ } في الكلام حذف اي فأرسلوه فأتاه فقال : يا يوسف . ووصفه بالمبالغة في الصدق حسبما علمه وجرب أحواله في مدة إقامته معه في السجن لكونه بصدد اغتنام آثاره واقتباس أنواره ، فهو من باب براعة الاستهلال . وفيه إشارة إلى أنه ينبغي للمستفتي أن يعظم المفتي ، واستدل بذلك على أنهما لم يكذبا على يوسف في منامهما وأنهما كذبا في قولهما : كذبنا إن ثبت .
{ أَفْتنَا في سَبْع بَقَرَات سمَان يَأكُلُهُنَّ سَبْعٌ عجَافٌ وَسَبْع سُنْبُلاَت خُضْر وَأُخَرَ يَابِسَات } أي في رؤيا ذلك ، وإنما لم يصرح به لوضوح مرامه بقرينة ما سبق من معاملتهما ولدلالة مضمون الحادثة عليه حيث إن مثله لا يقع في عالم الشهادة ، والمعنى بين لنا مآل ذلك وحكمه . وعبر عن ذلك بالإفتاء ولم يقل كما قال هو وصاحبه أولاً { نبئنا بتأويله } [ يوسف : 36 ] تفخيماً لشأنه عليه السلام حيث عاين رتبته في الفضل ، ولم يقل : أفتني مع أنه المستفتي وحده إشعاراً بأن الرؤيا ليست له بل لغيره ممن له ملابسة بأمور ا لعامة وأنه في ذلك معبر وسفير ، ولذا لم يغير( {[389]} ) لفظ الملك ، ويؤذن بهذا قوله : { لَّعَلِّي أَرْجعُ إلَى النَّاس } أي غلى الملك ومن عنده أو إلى أهل البلد فأنبئهم بما أفتيت { لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ } ذلك ويعملون بمقتضاه أو يعلمون فضلك ومكانك مع ما أنت فيه من الحال فتتخلص منه . والجملة عند أبي حيان على الأول كالتعليل للرجوع وعلى الثاني كالتعليل لأفتنا - وإنما لم يبت القول بل قال : { لعلي } و { لعلهم } مجاراة معه عليه السلام على نهج الأدب واحترازاً عن المجازفة إذ لم يكن على يقين من الرجوع :
فبينما المرء في الأحياء مغبط *** إذا هو الرمس تعفوه الأعاصير
ولا من علمهم بذلك فربما لم يعلموه إما لعدم فهمهم أو لعدم اعتمادهم .
( ومن باب الإشارة { يُوسُفُ أَيُّهَا الصديق } [ يوسف : 46 ] قال أبو حفص : الصديق من لا يتغير عليه باطن أمره من ظاهره ، وقيل : الذي لا يخالف قاله حاله ، وقيل : الذي يبذل الكونين في رضا محبوبه
قوله تعالى : { يوسف } ، يعني : يا يوسف ، { أيها الصديق } ، والصديق الكثير الصدق ، { أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات } ، فإن الملك رأى هذه الرؤيا ، { لعلي أرجع إلى الناس } ، أهل مصر ، { لعلهم يعلمون } ، تأويل الرؤيا . وقيل : لعلهم يعلمون منزلتك في العلم . فقال لهم يوسف معبرا ومعلما : أما البقرات السمان والسنبلات الخضر : فسبع سنين مخاصيب ، والبقرات العجاف والسنبلات اليابسات : فالسنون المجدبة ، فذلك قوله تعالى إخبارا عن يوسف : { قال تزرعون سبع سنين دأباً } .
فبعثوه إليه فناداه { يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ } أي الكثير الصادق { أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ } الآية إلى قوله : { يَابِسَاتٍ لَّعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ } أي أرجع إلى الملك وأتباعه ورجال دولته { لعلهم يعلمون } أي يعلمون قدرك وعلمك وما أنت عليه من الصدق والفضل فيكون ذلك سببا في خروجك من السجن .
وينبغي التذكير هنا بأهمية الأحلام ؛ فإن شطرا منها قابل للتأويل أو الإخبار عن أنباء المستقبل مما هو طي الغيب المستور . وما جاء في هذه السورة وغيرها لهو قاطع على أن كثيرا من الأحلام يفضي إلى حقائق واقعة مفسرة يجدها الناس ف سلوكهم وواقعهم الواعي ، فما تلبث الأحلام التي تراود الذهن والخيال النائمين أن تنبئ بغيب خفي ربما حصل ، أو تحقيق ، أو هو في طريقه إلى الظهور والتحقق بعد أمد قريب أو بعيد .
وهذه الحقيقة مشهودة ومحسوسة قد تفجرت من خلال أحلام كثيرة راودت أذهان كثير من النائمين وخيالاتهم . ومن جملة ذلك هذا النبي الكريم ابن الكريم ابن الكريم يعقوب عليه السلام . ومن قبله جده ، جد النبيين خليل الرحمن الذي رأى في منامه أنه يذبح ولد إسماعيل . ومن بعد ذلك نبينا العظيم الخاتم صلى الله عليه وسلم ؛ فلقد رأى كثيرا من الرؤى التي كانت ما تلبث أن تتحقق وتظهر مثل فلق الصبح لشدة وضوحها وبلوغ تبيانها الكاشف . وغيرهم كثير من الناس يرون في مناماتهم الأحداث والأخبار التي تنبئ وتنذر بالوقوع حتى ما تلبث أن تقع فعلا . وهذه حقيقة لا يملك حد أن يجحدها أو يستخف بها . وما يجترئ على الاستخفاف بتفسير الأحلام على هذا الأساس إلا متحذلق جهول قد ركب متن الشطط والإيغال في المادية الجاحدة العمياء كأمثال فريق من أدعياء المعرفة في علم النفس . أولئك الذين يزعمون أن الأحلام ضرب من التنفيس عن رغبات مضغوطة مكبوتة لم تجد متنفسها في عالم الواقع ( الشعور ) فراحت تتنفس الصعداء في عالم الأحلام ( اللاشعوري ) . ولئن كان هذا التعليل يصيب كثيرا من الحالمين ، إلا أنه لا يصدق على عامة الأحلام . وما ينبغي أن نتصور أن سائر الأحلام ضرب من التنفيس عن النفس المكبوتة ؛ فإن شطرا عظيما من الأحلام يجد تأويله في الواقع ؛ إذ يتكشف ويستبين . أما الزعم بأن الأحلام كلها مجرد كبت وتنفيس عن طريق اللاشعوري من جهاز النفس ؛ فذلك افتراء وباطل ولغط وركون إلى المادية الثقيلة بعيدا عن إشراقات الروح الساطعة السامية التي تعلو على المادة وظلها المتبلد المركوم ؛ فنجرم بعد هذا أن الأحلام أصناف ، فمنها الأضغاث المختلطة التي يجدعا النائم في رؤياه نتيجة لما يواجهه في الواقع من مشكلات عسيرة ومضنية تضطرب لها نفسه وأعصابه . ومنها الصادق في الإنباء عما جرى أو يجري فيما بعد . وذلك من جملة المبشرات التي تخبر عما يستكن في بطون الغيب مما هو حاصل في الواقع .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.