روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِ أَن نَّأۡخُذَ إِلَّا مَن وَجَدۡنَا مَتَٰعَنَا عِندَهُۥٓ إِنَّآ إِذٗا لَّظَٰلِمُونَ} (79)

{ قَالَ مَعَاذَ الله } أي نعوذ بالله تعالى معاذاً من { أَن نَّأْخُذَ } فحذف الفعل وأقيم المصدر مقامه مضافاً إلى المفعول به وحذف حرف الجر كما في أمثاله { إِلاَّ مَن وَجَدْنَا متاعنا عِندَهُ } لأن أخذنا له إنما هو بقضية فتواكم فليس لنا الإخلال بموجبها { إِنَّا إِذَا } أي إذا أخذنا غير من وجندا متاعنا عنده ولو برضاه { لظالمون } في مذهبكم وشرعكم وما لنا ذلك ، وإيثار صيغة المتكلم مع الغير مع كون الخطاب من جهة اخوته على التوحيد من باب السلوك إلى سنن الملوك وللإشعار بأن الأخذ والإعطاء ليس مما يستبد به بل هو منوط بآراء أهل الحل والعقد ، وإيثار { مَن وَجَدْنَا متاعنا عِندَهُ } على من سرق متاعنا الأخضر لأنه أوفق بما وقع في الاستفتاء والفتوى أو لتحقيق الحق والاحتراز عن الكذب في الكلام مع تمام المرام فإنهم لا يحملون وجدان الصواع عنده على محمل غير السرقة ، والمتاع اسم لما ينتفع به وأريد به الصواع ، وما ألطف استعماله مع الأخذ المراد به الاسترقاق والاستخدام وكأنه لهذا أوثر على الصواع ، والظاهر أن الأخذ في كلامهم محمول على هذا المعنى أيضاً حقيقة .

وجوز ابن عطية أن يكون ذلك مجازاً لأنهم يعلمون أنه لا يجوز استرقاق حر غير سارق بدل من قد أحكمت السنة رقه فقولهم ذلك كما تقول لمن تكره فعله : اقتلني ولا تفعل كذا وأنت لا تريد أن يقتلك ولكنك تبالغ في استنزاله ، ثم قال : وعلى هذا يتجه قول يوسف عليه السلام : { مَعَاذَ الله } لأنه تعوذ من غير جائز ، ويحتمل أن لا يريدوا هذا المعنى ، وبعيد عليهم وهم أنبياء أن يريدوا استرقاق حر فلم يبق إلا أن يريدوا بذلك الحمالة أي خذ أحدنا وأبقه عندك حتى ينصرف إليك صاحبك ومقصدهم بذلك أن يصل بنيامين إلى أبيه فيعرفه جلية الحال اه وهو كلام لا يعول عليه أصلاً كما لا يخفى ؛ ولجواب يوسف عليه السلام معنى باطن هو أن الله عز وجل إنما أمرني بالوحي أن آخذ بنيامين لمصالح علمها سبحانه في ذلك فلو أخذت غيره كنت ظالماً لنفسي وعاملاً بخلاف الوحي .

( ومن باب الإشارة { قَالَ مَعَاذَ الله أَن نَّأْخُذَ إِلاَّ مَن وَجَدْنَا متاعنا عِندَهُ } [ يوسف : 79 ] الإشارة في ذلك من الحق عز وجل أن لا نفشي أسرارنا وندني إلى حضرتنا إلا من كان في قلبه استعداد قبول معرفتنا أو لا نختار لكشف جمالنا إلا من كان في قلبه شوق إلى وصالنا ، وقال بعض الخراسانيين : الإشارة فيه أنا لا نأخذ من عبادنا أشد أخذ إلا من ادعى فينا أو أخبر عنا ما لم يكن له الإخبار عنه والادعاء فيه ، وقال بعضهم : إلا من مد يده إلى ما لنا وادعاه لنفسه ، وقال أبو عثمان : الإشارة أنا لا نتخذ من عبادنا ولياً إلا من ائتمناه على ودائعنا فحفظها ولم يخن فيها ، ولطيفة الواقعة أنه عليه السلام لم يرض أن يأخذ بدل حبيبه إذ ليس للحبيب بديل في شرع المحبة .

أبى القلب إلا حب ليلى فبغضت *** إلى نساء ما لهن ذنوب

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِ أَن نَّأۡخُذَ إِلَّا مَن وَجَدۡنَا مَتَٰعَنَا عِندَهُۥٓ إِنَّآ إِذٗا لَّظَٰلِمُونَ} (79)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{قال} يوسف: {معاذ الله}، يقول: نعوذ بالله {أن نأخذ}، يعني أن نحبس بالسرقة {إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذا لظالمون} أن نأخذ البريء مكان السقيم.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره: قال يوسف لإخوته:"مَعاذَ اللّهِ": أعوذ بالله...

"أن نَأْخُذَ إلاّ مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ" يقول: أستجير بالله من أن نأخذ بريئا بسقيم... "إنّا إذًا لَظالِمُونَ "يقول: إن أخذنا غير الذي وجدنا متاعنا عنده إنا إذا نفعل ما ليس لنا فعله، ونجور على الناس...

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

(قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلاَّ مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ) قيل: هذا قول يوسف: (معاذ الله) أي أعوذ بالله أن نأخذ، ونحبس، بالسرقة (إلا من وجدنا متاعنا عنده).

[فإن قيل: كيف تعوذ على ترك أخذه وأخذ غيره مكانه، ولم يكن وجب له حق الأخذ، إذ لم تكن سرقة، وإنما يتعوذ على ترك ما لا يسع تركه؟ قيل: إنه لم يتعوذ على ترك أخذ أخيه، إنما تعوذ على غير ما وجد المتاع عنده.

(إنا إذا لظالمون) عندكم لو أخذنا غير من وجدنا متاعا عنده. إذ في حكمهم أخذ من سرق بالسرقة والحبس بها، والله أعلم.

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

"مَعَاذَ الله" هو كلام موجه، ظاهره: أنه وجب على قضية فتواكم أخذ من وجد الصواع في رحله واستعباده، فلو أخذنا غيره كان ذلك ظلماً في مذهبكم، فلم تطلبون ما عرفتم أنه ظلم؟ وباطنه: إنّ الله أمرني وأوحى إليّ بأخذ بنيامين واحتباسه لمصلحة أو لمصالح جمة علمها في ذلك، فلو أخذت غير من أمرني بأخذه كنت ظالماً وعاملاً على خلاف الوحي.

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

فإن قيل: هذه الواقعة من أولها إلى آخرها تزوير وكذب، فكيف يجوز من يوسف عليه السلام مع رسالته الإقدام على هذا التزوير والترويج وإيذاء الناس من غير سبب لا سيما ويعلم أنه إذا حبس أخاه عند نفسه بهذه التهمة فإنه يعظم حزن أبيه ويشتد غمه، فكيف يليق بالرسول المعصوم المبالغة في التزوير إلى هذا الحد.

والجواب: لعله تعالى أمره بذلك تشديدا للمحنة على يعقوب ونهاه عن العفو والصفح وأخذ البدل كما أمر تعالى صاحب موسى بقتل من لو بقي لطغى وكفر.

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

فكأنه قيل: فما أجابهم؟ قيل: {قال معاذ الله} أي نعوذ بالذي لا مثل له معاذاً عظيماً {أن نأخذ} أي لأجل هذا الأمر {إلا من} أي الشخص الذي {وجدنا متاعنا عنده} ولم يقل: سرق متاعنا، لأنه -كما أنه لم يفعل في الصواع فعل السارق- لم يقع منه قبل ذلك ما يصحح إطلاق الوصف عليه؛ علل ذلك بقوله: {إنا إذاً} أي إذا أخذنا أحداً مكانه {لظالمون} أي عريقون في الظلم في دينكم، فلم تطلبون ما هو ظلم عندكم.

تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :

ولكن يوسف يتمسك بحكم الشريعة، فلا يريد أن يتجاوز حرفيّة النص لأنه لا يوافق على ذلك ولا يجد مبرّراً له. أما العاطفة، فإنها لا تمثل شيئاً أمام تطبيق الشريعة، والاستسلام لها قد يعطّل حالة التوازن في العدالة التي يريدها الله لعباده، في أحكام شريعته. {قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَن نَّأْخُذَ إِلاَّ مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ} لأن هذا من الظلم الذي لا نوافق على اقترافه، {إِنَّآ إِذًا لَّظَالِمُونَ} وهذا ما لا يمكن أن نتحمل مسؤوليته أمام الله. وهكذا حسم يوسف المسألة فلم يترك لهم مجالاً للأخذ والرد.

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

أمّا يوسف فإنّه قد واجه هذا الطلب بالإنكار الشديد و (قال معاذ الله أن نأخذ إلاّ من وجدنا متاعنا عنده) فإنّ العدل والإنصاف يقتضي أن يكون المعاقب هو السارق، وليس بريئاً رضي بأن يتحمّل أوزار عمل غيره، ولو فعلنا لأمسينا من الظالمين (إنّا إذاً لظالمون). والطريف أنّ يوسف لم ينسب لأخيه السرقة وإنّما عبّر عنه ب (من وجدنا متاعنا عنده). وهذا برهان على السلوك الحسن والسيرة المستقيمة التي كان ينتهجها يوسف في حياته.