{ قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ } أي أمركم وشأنكم الخطير الذي لأجله أرسلتم سوى البشارة { أَيُّهَا المرسلون } لعله عليه السلام علم أن كمال المقصود ليس البشارة من مقالة لهم في أثناء المحاورة مطوية هنا ، وتوسيط { قَالَ } بين كلاميه عليه السلام مشيراً إلى أن هناك ما طوى ذكره ، وخطابه لهم عليهم السلام بعنوان الرسالة بعد ما كان خطابه السابق مجرداً عن ذلك مع تصديره بالفاء ظاهر في أن مقالتهم المطوية كانت متضمنة ما فهم منه ذلك فلا حاجة إلى الالتجاء إلى أن علمه عليه السلام بأن كل المقصود ليس البشارة بسبب أنهم كانوا ذوي عدد والبشارة لا تحتاج إلى عدد ولذلك اكتفى بواحد في زكريا ومريم عليهما السلام ولا إلى أنهم بشروه في تضاعيف الحال لإزالة الوجل ولو كانت تمام المقصود لابتدأوا بها على أن فيما ذكر بحثاً فقد قيل : إن التعذيب كالبشارة لا يحتاج أيضاً إلى العدد ؛ ألا يرى أن جبريل عليه السلام قلب مدائنهم بأحد جناحيه ، وأيضاً يرد على قوله : ولذلك اكتفى الخ أن زكريا عليه السلام لم يكتف في بشارته بواحد كما يدل عليه قوله تعالى : { فَنَادَتْهُ الملئكة وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلّى فِى المحراب أَنَّ الله يُبَشّرُكَ بيحيى } [ آل عمران : 39 ] وأما مريم عليها السلام فإنما جاءها الواحد لنفخ الروح والهبة كما يدل عليه قوله : { لاِهَبَ لَكِ غلاما زَكِيّاً } [ مريم : 19 ] وقوله تعالى : { فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا } [ الأنبياء : 91 ] وأما التبشير فلازم لتلك الهبة وفي ضمنها وليست مقصودة بالذات ، وأيضاً يخدش قوله : ولو كانت تمام المقصود لابتدأوا بها ما في قصة مريم عليها السلام قالت : { إِنّى أَعُوذُ بالرحمن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً * قَالَ إِنَّمَا أَنَاْ رَسُولُ رَبّكِ لاِهَبَ لَكِ غلاما زَكِيّاً } [ مريم : 18 ، 19 ] .
فيجوز أن يكون قولهم : { لاَ تَوْجَلْ } [ الحجر : 53 ] تمهيداً للبشارة . وأجيب عن هذا بأنه لا ورود له لأن مريم عليها السلام لنزاهة شأنها أول ما أبصرته متمثلاً عاجلته بالاستعاذة فلم تدعه يبتدىء بالبشارة بخلاف ما نحن فيه ، وعما تقدم بأن المعنى إن العادة الجارية بين الناس ذلك فيرسل الواحد للبشارة والجمع لغيرها من حرب وأخذ ونحو ذلك والله تعالى يجري الأمور للناس على ما اعتادوه فلا يرد قصة جبريل عليه السلام في ذلك وإن قيل : المراد بالملائكة في تلك الآية جبريل عليه السلام كقولهم فلان يركب الخيل ويلبس الثياب أي الجنس الصادق بالواحد من ذلك قاله بعض المحققين ، وتعقب ما تقدم من كون العلم من كلام وقع في أثناء المحاورة وطوي ذكره بأنه بعيد وتوسيط { قَالَ } والفاء والخطاب بعنوان الرسالة لا يقربه ، أما الأول فلجواز أن يكون لما أن هناك انتقالاً إلى بحث آخر ومثله كثير في الكلام ، وأما الثاني فلجواز أن تكون فصيحة على معنى إذا تحقق هذا فأخبروني ما أمركم الذي جئتم له سوى البشرى ؟ ، وأما الثالث فلجواز أن يقال : إنه عليه السلام لم يعلم بأنهم ملائكة مرسلون من الله تعالى إلا بعد البشارة ولم يكن يحسن خطابهم بذلك عند الإنكار أو التعجب من بشارتهم ، وكذا لا يحسن في الجواب كما لا يخفى على أرباب الأذواق السليمة بل قد يقال : إنه لا يحسن أيضاً عند قوله : { إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ } [ الحجر : 52 ] على تقدير أن يكون علم عليه السلام ذلك قبل البشارة لما أن المقام هناك ضيق من أن يطال فيه الكلام بنحو ذلك الخطاب فتدبر .
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{قال} إبراهيم: {فما خطبكم}، يعني: فما أمركم، {أيها المرسلون}.
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره: قال إبراهيم للملائكة: فما شأنكم؟ ما أمرُكم أيّها المرسلون؟ قالت الملائكة له:"إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ" يقول: إلى قوم قد اكتسبوا الكفر بالله. "إلا آلَ لُوطٍ "يقول: إلا أتباع لوط على ما هو عليه من الدّين، فإنا لن نهلكهم بل ننجيهم من العذاب الذي أمرنا أن نعذّب به قوم لوط، سوى امرأة لوط "قَدّرْنا إنها مِنَ الغَابِرِينَ" يقول: قضى الله فيها إنها لمن الباقين ثم هي مهلكة بعد.
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
{قال فما خطبكم أيها المرسلون} قيل: فما خبركم وما قصتكم؟ وما شأنكم.؟ والخطب الشأن؛ أي على أي أمر وشأن أرسلتم؟
التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :
فقال إبراهيم عليه السلام بعد ذلك للملائكة "ما خطبكم "أي ما الأمر الجليل الذي بعثتم له، والخطب: الأمر الجليل... ومنه الخطبة، لأنها في الأمر الجليل.
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
{فما خطبكم} سؤال فيه عنف، كما تقول لمن تنكر حاله: ما دهاك وما مصيبتك؟ وأنت إنما تريد استفهاماً عن حاله فقط. لأن «الخطب» لفظة إنما تستعمل في الأمور الشداد، على أن قول إبراهيم عليه السلام {أيها المرسلون} وكونهم أيضاً قد بشروه يقتضي أنه قد كان عرف أنهم ملائكة حين قال {فما خطبكم}، فيحتمل قوله {فما خطبكم} مع هذا أنه أضاف الخطب إليهم من حيث هم حملته إلى المعذبين، أي ما هذا الخطب الذي تتحملونه وإلى أي أمة.
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
فلما تحقق البشرى ورأى إتيانهم مجتمعين على غير الصفة التي يأتي عليها الملك للوحي، وكان هو وغيره من العارفين بالله عالمين بأنه ما تنزل الملائكة إلا بالحق، كان ذلك سبباً لأن يسألهم عن أمرهم ليزول وجله كله، فلذلك {قال فما} بفاء السبب {خطبكم}... {يا أيها المرسلون} فإنكم ما جئتم إلا لأمر عظيم يكون فيصلاً بين هالك وناج.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
وهنا -وقد اطمأن إبراهيم إلى الملائكة، وثابت نفسه واطمأنت للبشرى- راح يستطلع سبب مجيئهم وغايته: (قال: فما خطبكم أيها المرسلون؟)
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
حكاية هذا الحوار بين إبراهيم والملائكة عليهم السلام لأنه يجمع بين بيان فضل إبراهيم عليه السلام وبين موعظة قريش بما حل ببعض الأمم المكذبين، انتقل إبراهيم عليه السلام إلى سؤالهم عن سبب نزولهم إلى الأرض، لأنه يعلم أن الملائكة لا ينزلون إلا لأمر عظيم كما قال تعالى: {ما تنزل الملائكة إلا بالحقّ} [سورة الحجر: 8]. وقد نزل الملائكة يوم بدر لاستئصال سادة المشركين ورؤسائهم.
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.