{ قَالَ } الله تعالى في جوابه { كذلك أَتَتْكَ ءاياتنا } الكاف مقحمة كما في مثلك لا يبخل وذلك إشارة إلى مصدر أتتك أي مثل ذلك الاتيان البديع أتتك الآيات الواضحة النيرة . وعند الزمخشري لا إقحام وذلك إشارة إلى حشره أعمى أي مثل ذلك الفعل فعلت أنت . وقوله تعالى : { أَتَتْكَ } الخ جواب سؤال مقدر كأنه قيل : يا رب ما فعلت أنا ؟ فقيل : أتتك آياتنا { فَنَسِيتَهَا } أي تركتها ترك المنى الذي لا يذكر أصلاً ، والمراد فعميت عنها إلا أنه وضع المسبب موضع السبب لأن من عمي عن شيء نسيه وتركه . والإشارة في قوله تعالى : { وكذلك } إلى النسيان المفهوم من نسيتها والكاف على ظاهرها أي مثل ذلك النسيان الذي كنت فعلته في الدنيا { اليوم تنسى } أي تترك في العمى جزاء وفاقاً ، وقيل : الكاف بمعنى اللام الأجلية كما قيل في قوله تعالى : { واذكروه كَمَا هَدَاكُمْ } [ البقرة : 198 ] أي ولأجل ذلك النسيان الصادر منك تنسى . وهذا الترك يبقى إلى ما شاء الله تعالى ثم يزال العمى عنه فيرى أهوال القيامة ويشاهد النار كما قال سبحانه : { وَرَأَى المجرمون النار فَظَنُّواْ أَنَّهُمْ مُّوَاقِعُوهَا } [ الكهف : 53 ] الآية ويكون ذلك له عذاباً فوق العذاب وكذا البكم والصمم يزيلهما الله تعالى عنهم كما يدل عليه قوله تعالى : { أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا } [ مريم : 38 ] .
وفي رواية عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أن الكافر يحشر أولاً بصيراً ثم يعمى فيكون الأخبار بأنه قد كان بصيراً إخباراً عما كان عليه في أول حشره ، والظاهر أن ذلك العمى يزول أيضاً ، وعن عكرمة أنه لا يرى شيئاً إلا النار ، ولعل ذلك أيضاً في بعض أجزاء ذلك اليوم وإلا فكيف يقرأ كتابه ، وروي عن مجاهد . ومقاتل . والضحاك . وأبي صالح وهي رواية عن ابن عباس أيضاً أن المعنى نحشره يوم القيامة أعمى عن الحجة أي لا حجة له يهتدي بها . وهو مراد من قال : أعمى القلب والبصيرة ، واختار ذلك إبراهيم ابن عرفة وقال كلما ذكر الله سبحانه في كتابه العمى فذمه فإنما يراد به عمى القلب قال سبحانه وتعالى : { فَإِنَّهَا لاَ تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور } [ الحج : 46 ] وعلى هذا فالمراد بقوله : { وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً } [ طه : 125 ] وقد كنت عالما بحجتي بصيراً بها أحاج عن نفسي في الدنيا . ومنه يعلم اندفاع ما قاله ابن عطية في رد من حمل العمى على عمى البصيرة من أنه لو كان كذلك لم يحس الكافر به لأنه كان في الدنيا أعمى البصيرة ومات وهو كذلك .
وحاصل الجواب عليه إني حشرتك أعمى القلب لا تهتدي إلى ما ينجيك من الحجة لأنك تركت في الدنيا آياتي وحججي وكما تركت ذلك تترك على هذا العمى أبداً ، وقيل : المراد بأعمى متحيراً لا يدري ما يصنع من الحيل في دفع العذاب كالأعمى الذي يتحير في دفع ما لا يراه .
وليس في الآية دليل كما يتوهم على عد نسيان القرآن أو آية منه كبيرة كما ذهب إليه الإمام الرافعي ويشعر كلام الإمام النووي في الروضة باختياره لأن المراد بنسيان الآيات بعد القول بشمولها آيات القرآن تركها وعدم الإيمان بها . ومن عد نسيان شيء من القرآن كبيرة أراد بالنسيان معناه الحقيقي نعم تجوز أبو شامة شيخ النووي فحمل النسيان في الأحاديث الواردة في ذم نسيان شيء من القرآن على ترك العمل به . وتحقيق هذه المسألة وأن كون النسيان بالمعنى الأول كبيرة عند من قال به مشروط كما قال الجلال البلقيني والزركشي وغيرهما بما إذا كان عن تكاسل وتهاون يطلب من محله وكذا تحقيق حال الأحاديث الواردة في ذلك .
وقرأ حمزة . والكسائي . وخلف { أعمى } بالإمالة في الموضعين لأنه من ذوات الياء . وأمال أبو عمرو في الأول فقط لكونه جديراً بالتغيير لكونه رأس الآية وحل الوقف .
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره، قال الله حينئذٍ للقائل له:"لِمَ حَشَرْتَنِي أعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرا" : فعلت ذلك بك، فحشرتك أعمى كما أتتك آياتي، وهي حججه وأدلته وبيانه الذي بيّنه في كتابه، "فنسيتها": يقول: فتركتها وأعرضت عنها، ولم تؤمن بها، ولم تعمل. وعنى بقوله "كَذَلكَ أتَتْك": هكذا أتتكَ...
"وكذلكَ اليَوْمَ تُنْسَى "يقول: فكما نسيت آياتنا في الدنيا، فتركتها وأعرضت عنها، فكذلك اليوم ننساك، فنتركك في النار..
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
أي كما أتتك آياتنا، فصيرتها كالشيء المنسي عن رحمته؛ لم تكترث إليها، ولم تنظر فيها، ولم ترغب فيها، كذلك تصير في النار كالشيء المنسي عن رحمته لا يكترث إليك، ولا ينظر إليك. أو يقول: كما ضيعت آياتنا التي أتتك لنجاتك كذلك تضيع أنت، وتترك في النار، لا نجاة لك.
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
{كذلك} أي مثل ذلك فعلت أنت ثم فسر بأن آياتنا أتتك واضحة مستنيرة، فلم تنظر إليها بعين المعتبر ولم تتبصر، وتركتها وعميت عنها، فكذلك اليوم نتركك على عماك ولا نزيل غطاءه عن عينيك.
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
{كذلك أتتك} ذلك إشارة إلى العمى الذي حل به، أي مثل هذا في الدنيا أن {أتتك آياتنا فنسيتها} والنسيان في هذه الآية بمعنى الترك ولا مدخل للذهول في هذا الموضوع، و {تنسى} بمعنى تترك في العذاب.
تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :
أي: لما أعرضت عن آيات الله، وعامَلْتها معاملة من لم يذكرها، بعد بلاغها إليك تناسيتها وأعرضت عنها وأغفلتها، كذلك نعاملك اليوم معاملة من ينساك {فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا} [الأعراف: 51] فإن الجزاء من جنس العمل، فأما نسيان لفظ القرآن مع فهم معناه والقيام بمقتضاه، فليس داخلا في هذا الوعيد الخاص، وإن كان مُتَوَعدًا عليه من جهة أخرى، فإنه قد وردت السنة بالنهي الأكيد، والوعيد الشديد في ذلك، قال الإمام أحمد: حدثنا خلف بن الوليد، حدثنا خالد، عن يزيد بن أبي زياد، عن عيسى بن فائد، عن رجل، عن سعد بن عبادة، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ما من رجل قرأ القرآن فنسيه، إلا لقي الله يوم يلقاه وهو أجذم".
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
فكأنه قيل: بم أجيب؟ فقيل: {قال} له ربه: {كذلك} أي مثل هذا الفعل الشنيع فعلت في الدنيا، والمعنى: مثل ما قلت كان؛ ثم فسر على الأول، وعلل على الثاني، فقال: {أتتك آياتنا} على عظمتها التي هي من عظمتنا {فنسيتها} أي فعاملتها بإعراضك عنها معامله المنسي الذي لا يبصره صاحبه، فقد جعلت نفسك أعمى البصر والبصيرة عنها، كما قال تعالى: {الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري} [الكهف: 101] {وكذلك} أي ومثل ذلك النسيان الفظيع، وقدم الظرف ليسد سوقه للمظروف ويعظم اختباره لفهمه فقال: {اليوم تنسى} أي تترك على ما أنت عليه بالعمى والشقاء بالنار، فتكون كالشيء الذي لا يبصره أحد ولا يلتفت إليه.
أي: نعاملك كما عاملتنا، فننساك كما نسيت آياتنا. والآيات جمع آية، وهي الأمر العجيب، وتطلق على الآيات الكونية التي تلفت إلى المكون سبحانه، وتطلق على المعجزات التي تؤيد الرسل، وتثبت صدق بلاغهم عن الله، وإن كانت الآيات الكونية تلفت إلى قدرة الخالق – عز وجل – وحكمته، فالرسول هو الذي يدل الناس على هذه القوة، وعلى صاحب هذه الحكمة والقدرة التي يبحث عنها العقل. أيها المؤمن هذه القوة هي الله، والله يريد منك كذا وكذا، فإن أطعته فلك من الأجر كذا وكذا، وإن عصيته فعقابك كذا وكذا. ثم يؤيد الرسول بالمعجزات التي تدل على صدقه في البلاغ عن ربه. وتطلق الآيات على آيات الكتاب الحاملة للأحكام وللمنهج. وأنت كذبت بكل هذه الآيات ولم تلتفت إليها، فلما نسيت آيات الله كان جزاءك النسيان جزاء وفاقا. والنسيان هنا يعني الترك، وإلا فالنسيان الذي يقابله الذكر معفى عنه ومعذور صاحبه.
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.