روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{ٱقۡتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمۡ وَهُمۡ فِي غَفۡلَةٖ مُّعۡرِضُونَ} (1)

مقدمة السورة:

سورة الأنبياء

نزلت بمكة كما أخرج ابن مردويه عن ابن عباس وابن الزبير رضي الله تعالى عنهم وفي البحر أنها مكية بلا خلاف وأطلق ذلك فيها واستثني منها في الإتفاق قوله تعالى ( أفلا ترون أنا نأتي الأرض ) الآية وهي مائة واثنتا عشرة آية في عد الكوفي وإحدى عشرة في عد الباقين كما قاله الطبرسي والداني ووجه اتصالهما بما قبلهما غني عن البيان وهي سورة عظيمة فيها موعظة فخيمة فقد أخرج ابن مردويه وأبو نعيم في الحلية وابن عساكر عن عامر ابن ربيعة أنه نزل به رجل من العرب فأكرم عامر مثواه وكلم فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءه الرجل فقال : إني استقطعت رسول الله صلى الله عليه وسلم واديا ما في العرب واد أفضل منه وقد أردت أن أقطع لك منه قطعة تكون لك ولعقبك من بعدك فقال عامر : لا حاجة لي في قطيعتك نزلت اليوم سورة أذهلتنا عن الدنيا ( اقترب للناس ) إلى آخره .

{ بِسْمِ اللَّهِ الرحمن الرحيم اقترب لِلنَّاسِ حسابهم } روي عن ابن عباس كما قال الإمام . والقرطبي . والزمخشري أن المراد بالناس المشركون ويدل عليه ما ستسمعه بعد إن شاء الله تعالى من الآيات فإنها ظاهرة في وصف المشركين ، وقال بعض الأجلة : إن ما فيها من قبيل نسبة ما للبعض إلى الكل فلا ينافي كون تعريفه للجنس ، ووجه حسنه ههنا كون أولئك البعض هم الأكثرون وللأكثر حكم الكل شرعاً وعرفاً . ومن الناس من جوز إرادة الجنس والضمائر فيما بعد لمشركي أهل مكة وإن لم يتقدم ذكرهم في هذه السورة وليس بأبعد مما سبق ، وقال بعضهم : إن دلالة ما ذكر على التخصيص ليست الأعلى تقدير تفسير الأوصاف بما فسروها به ، ويمكن أن يحمل كل منها على معنى يشترك فيه عصاة الموحدين ولا يخفى أن في ذلك ارتكاب خلاف الظاهر جداً ، واللام صلة لاقترب كما هو الظاهر وهي بمعنى إلى أو بمعنى من فإن { اقترب } افتعل من القرب ضد البعد وهو يتعدى بإلى وبمن ، واقتصر بعضهم على القول بأنها بمعنى إلى فقيل فيه تحكم لحديث تعدى القرب بهما ، وأجيب بأنه يمكن أن يكون ذلك لأن كلاً من من وإلى اللتين هما صلتا القرب بمعنى انتهاء الغاية إلا أن إلى عريقة في هذا المعنى ومن عريقة في ابتداء الغاية فلذا أوثر التعبير عن كون اللام المذكورة بمعنى انتهاء الغاية كالتي في قوله تعالى : { بِأَنَّ رَبَّكَ أوحى لَهَا } [ الزلزلة : 5 ] القول بأنها بمعنى إلى واقتصر عليه ، وفي «الكشف » المعنى على تقدير كونه صلة لاقترب اقترب من الناس لأن معنى الاختصاص وابتداء الغاية كلاهما مستقيم يحصل به الغرض انتهى ، وفيه بحث فإن المفهوم منه أن يكون كلمة من التي يتعدى بها فعل الاقتراب بمعنى ابتداء الغاية وليس كذلك لعدم ملاءمة ذلك المعنى مواقع استعمال تلك الكلمة فالحق أنها بمعنى انتهاء الغاية فإنهم ذكروا أن من يجىء لذلك ، قال الشمني : وفي الجني الداني مثل ابن مالك لانتهاء الغاية بقولهم تقربت منه فإنه مساو لتقربت إليه ، ومما يشهد لذلك أن فعل الاقتراب كما يستعمل بمن يستعمل بإلى ، وقد ذكر في معاني من انتهاء الغاية كما سمعت ولم يذكر أحد في معاني إلى ابتداء الغاية والأصل أن تكون الصلتان بمعنى فتحمل من على إلى في كون المراد بها الانتهاء ، وغاية ما يقال في توجيه ذلك أن صاحب الكشف حملها على ابتداء الغاية لأنه أشهر معانيها حتى ذهب بعض النحاة إلى إرجاع سائرها إليه وجعل تعديته بها حملاً على ضده المتعدي بها وهو فعل البعد كما أن فعل البيع يعدي بمن حملا له على فعل الشراء المتعدي بها على ما ذكره نجم الأئمة الرضي في بحث الحروف الجارة ؛ والمشهور أن { اقترب } بمعنى قرب كارتقب بمعنى رقب ، وحكى في «البحر » أنه أبلغ منه لزيادة مبناه والمراد من اقتراب الحساب اقتراب زمانه وهو الساعة ، ووجه إيثار بيان اقترابه مع أن الكلام مع المشركين المنكرين لأصل بعث الأموات ونفس إحياء العظام الرفات فكان ظاهر ما يقتضيه المقام أي يؤتى بما يفيد أصل الوقوع بدل الاقتراب وأن يسند ذلك إلى نفس الساعة لا إلى الحساب للإشارة إلى أن وقوع القيام وحصول بعث الأجساد والأجسام أمر ظاهر بلا تمويه وشيء واضح لا ريب فيه وأنه وصل في الظهور والجلاء إلى حيث لا يكاد يخفى على العقلاء وأن الذي يرخي في بيانه أعنة المقال بعض ما يستتبعه من الأحوال والأهوال كالحساب الموجب للاضطراب بل نفس وقوع الحساب أيضاً غني عن البيان لا ينبغي أن ترتاب فيه العقول والأذهان وأن الذي قصد بيانه ههنا أنه دنا أوانه واقترب زمانه فيكون الكلام مفصحاً عن تحقق القيام الذي هو مقتضى المقام على وجه وجيه أكيد ونهج بديع سديد لا يخفى لطفه على من ألقى السمع وهو شهيد .

وجوز أن يكون الكلام مع المشركين السائلين عن زمان الساعة المستعجلين لها استهزاء كما في قوله تعالى : { فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ متى هُوَ قُلْ عسى أَن يَكُونَ قَرِيبًا } [ الإسراء : 51 ] فحينئذٍ يكون الإخبار عن الاقتراب على مقتضى الظاهر ، وإيثار بيان اقتراب الحساب على بيان اقتراب سائر وقوع مستتبعات البعث كفنون العذاب وشجون العقاب للإشعار بأن مجرد اقتراب الحساب الذي هو من مبادىء العذاب ومقدماته كاف في التحذير عما هم عليه من الإنكار وواف بالردع عما هم عليه من العلو والاستكبار فكيف الحال في نفس العذاب والنكال .

وذكر شيخ الإسلام مولانا أبو السعود عليه الرحمة إن إسناد ذلك إلى الحساب لا إلى الساعة لانسياق الكلام إلى بيان غفلتهم عنه وإعراضهم عما يذكرهم إياه وفيه ما فيه ، ثم الوجه اللائح في النظر الجليل لإسناد الاقتراب إلى الحساب دون الناس مع جواز العكس هو أن الاقتراب إذا حصل بين شيئين يسند إلى ما هو مقبل على الآخر متحرك ومتوجه إلى جهته حقيقة أو حكماً حتى أنه لو كان كل منهما متوجهاً إلى الآخر يصح إلى كل منهما ، وقد سمعت أن المراد من اقتراب الحساب اقتراب زمانه ، وقد صرح به أجلة المفسرين ، وأنت خبير بأن الشائع المستفيض اعتبار التوجكه والإتيان من الزمان إلى ذي الزمان لا بالعكس فلذلك يوصف الزمان بالمضي والاستقبال فكان الجدير أن يسند الاقتراب إلى زمان الحساب ويجعل الناس مدنواً إليهم .

وذكر شيخ الإسلام أن في هذا الإسناد من تفخيم شأن المسند إليه وتهويل أمره ما لا يخفى لما فيه من تصوير ذلك بصورة شيء مقبل عليهم لا يزال يطلبهم فيصيبهم لا محالة انتهى ، وهو معنى زائد على ما ذكرنا لا يخفى لطفه على الناقد البصير واليلمعي الخبير ، والمراد من اقتراب ذلك من الناس على ما اختاره الشيخ قدس سره دنوه منهم بعد بعده عنهم فإنه في كل ساعة يكون أقرب إليهم منه في الساعة السابقة ، واعترض قول الزمخشري المراد من ذلك كون الباقي من مدة الدنيا أقل وأقصر مما مضى منها فإنه كصبابة الإناء ودردى الوعاء بأنه لا تعلق له بما نحن فيه من الاقتراب المستفاد من صيغة الماضي ولا حاجة إليه في تحقيق أصل معناه .

نعم قد يفهم منه عرفاً كونه قريباً في نفسه أيضاً فيصار حينئذٍ إلى هذا التوجيه . وتعقبه بعض الأفاضل بأن القول بعدم التعلق بالاقتراب المستفاد من صيغة الماضي خارج عن دائرة الإنصاف فإنه إن أراد أنه لا تعلق له بالحدوث المستفاد منها فلا وجه له أيضاً إذ الدلائل دلت على حصول هذا الاقتراب حين مبعث النبي صلى الله عليه وسلم الموعود في آخر الزمان المتقدم على نزول الآية .

ثم قال : فليت شعري ما معنى عدم عدم تعلقه بما نحن فيه بل ربما يمكن أن يدعي عدم المناسبة في المعنى الذي اختاره نفسه فإن الاقتراب بذلك المعنى مستمر من أول بدء الدنيا إلى يوم نزول الآية بل إلى ما بعد فالذي يناسبه هو الصيغة المنبئة عن الاستمرار والدوام ، ثم لا يخفى على أصحاب الأفهام أن هذا المعنى الذي اعترضه أنسب بما هو مقتضى المقام من إخافة الكفرة اللئام المرتابين في أمر القيام لما فيه من بيان قربه الواقع في نفس الأمر اه فتدبر ، وقيل المراد اقتراب ذلك عند الله تعالى ، وتعقب بأنه لا عند لله عز وجل إذ لا نسبة للكائنات إليه عز وجل بالقرب والبعد .

ورد بأنه غفلة أو تغافل عن المراد فإن المراد من عند الله في علمه الأزلي أو في حكمه وتقديره لا الدنو والاقتراب المعروف ، وعلى هذا يكون المراد من القرب تحققه في علمه تعالى أو تقديره .

وقال بعض الأفاضل : ليس المراد من كون القرب عند الله تعالى نسبته إليه سبحانه بأن يجعل هو عز وجل مدنواً منه ومقرباً إليه تعالى عن ذلك علواً كبيراً بل المراد قرب الحساب للناس عند الله تعالى ، وحاصله أنه تعالى شأنه لبلوغ تأنيه إلى حد الكمال يستقصر المدد الطوال فيكون الحساب قريباً من الناس عند جنابه المتعال وإن كان بينه وبينهم أعوام وأحوال ، وعلى هذا يحمل قوله تعالى : { يَرَوْنَهُ بَعِيداً ونراه قَرِيبًا } [ المعارج : 6 ، 7 ] وهذا المعنى يفيد وراء إفادته تحقق الثبوت لا محالة أن المدة الباقية بينهم وبين الحساب شيء قليل في الحقيقة وما عليه الناس من استطالته واستكثاره فمن التسويلات الشيطانية وأن اللائق بأصحاب البصيرة أن يعدوا تلك المدة قصيرة فيشمروا الذيل ليوم يكشف فيه عن ساق ويكون إلى الله تعالى شأنه المساق ، وقول شيخ الإسلام في الاعتراض على ما قيل أنه لا سبيل إلى اعتباره ههنا لأن قربه بالنسبة إليه تعالى مما لا يتصور فيه التجدد والتفاوت حتماً وإنما اعتباره في قوله تعالى : { لَعَلَّ الساعة قَرِيبٌ } [ الشورى : 17 ] ونظائره مما لا دلالة فيه على الحدوث مبني على حمل القرب عنده تعالى على القرب إليه تعالى بمعنى حضور ذلك في علمه الأزلي فإنه الذي لا يجري فيه التفاوت حتماً وأما قرب الأشياء بعضها إلى بعض زماناً أو مكاناً فلا ريب أنه يتجدد تعلقات علمه سبحانه بذلك فيعلمه على ما هو عليه مع كون صفة العلم نفسها قديمة على ما تقرر في موضعه اه . واختار بعضهم أن المراد بالعندية ما سمعته أولاً وهو معنى شائع في الاستعمال وجعل التجدد باعتبار التعلق كما قيل بذلك في قوله تعالى : { وكذلك بعثناهم لَنَعْلَمُ } [ الكهف : 12 ] الآية ، وقيل المراد من اقترابه تحقق وقوعه لا محالة فإن كل آت قريب والبعيد ما وقع ومضى ولذا قيل

:

فلا زال ما تهواه أقرب من غد *** ولا زال ما تخشاه أبعد من أمس

ولا بد أن يراد من تحقق وقوعه تحققه في نفسه لا تحققه في العلم الأزلي ليغاير القول السابق . وبعض الأفاضل قال : إنه على هذا الوجه عدم تعلقه بالاقتراب المستفاد من صيغة الماضي إلا أن يصار إلى القول بتجرد الصيغة عن الدلالة على الحدوث كما في قولهم : سبحان من تقدس عن الأنداد وتنزه عن الأضداد فتأمل ولا تغفل .

وتقديم الجار والمجرور على الفاعل كما صرح به شيخ الإسلام للمسارعة إلى إدخال الروعة فإن نسبة الاقتراب المشركين من أول الأمر يسوؤهم ويورثهم رهبة وانزعاجاً من المقترب ، واعترض بأن هؤلاء المشركين لا يحصل لهم الترويع والانزعاج لما ستسمع من غفلتهم وإعراضهم وعدم اعتدادهم بالآيات النازلة عليهم فكيف يتأتى تعجيل المساءة . وأجيب بأن ذلك لا يقتضي أن لا يزعجهم الإنذار والتذكير ولا يروعهم التخويف والتحذير لجواز أن يختلج في ذهنهم احتمال الصدق ولو مرجوحاً فيحصل لهم الخوف والإشفاق .

وأيد بما ذكره بعض المفسرين من أنه لما نزلت : { اقتربت الساعة } [ القمر : 1 ] قال الكفار فيما بينهم : إن هذا يزعم أن القيامة قد قربت فأمسكوا عن بعض ما تعملون حتى ننظر ما هو كائن فلما تأخرت قالوا : ما نرى شيئاً فنزلت { اقترب لِلنَّاسِ حسابهم } فأشفقوا فانتظروا قربها فلما امتدت الأيام قالوا : يا محمد ما نرى شيئاً مما تخوفنا به انتهى .

وقال بعضهم في بيان ذلك : إن الاقتراب منبىء عن التوجه والإقبال نحو شيء فإذا قيل اقترب أشعران هناك أمراً مقبلاً على شيء طالباً له من غير دلالة على خصوصية المقترب منه فإذا قيل بعد ذلك { لِلنَّاسِ } دل على أن ذلك الأمر طالب لهم مقبل عليهم وهم هاربون منه فأفاد أن المقترب مما يسوؤهم فيحصل لهم الخوف والاضطراب قبل ذكر الحساب بخلاف ما إذا قيل اقترب الحساب للناس فإن كون إقبال الحساب نحوهم لا يفهم على ذلك التقدير إلا بعد ذكر للناس فتحقق فائدة التعجيل في التقديم مما لا شبهة فيه بل فيه فائدة زائدة وهي ذهاب الوهم في تعيين ذلك الأمر الهائل إلى كل مذهب إلى أن يذكر الفاعل ، ويمكن أيضاً أن يقال في وجه تعجيل التهويل : إن جرين عادته الكريمة صلى الله عليه وسلم على إنذار المشركين وتحذيرهم وبيان ما يزعجهم يدل على أن ما بين اقترابه منهم شيء سيء هائل فإذا قدم الجار يحصل التخويف حيث يعلم من أول الأمر أن الكلام في حق المشركين الجاري عادته الكريمة عليه الصلاة والسلام على تحذيرهم بخلاف ما إذا قدم الفاعل حيث لا يعلم المقترب منه إلى أن يذكر الجار والمجرور والقرينة المذكورة لا تدل على تعيين المقترب كما تدل على تعيين المقترب إذ من المعلوم من عادته الكريمة صلى الله عليه وسلم أنه إذا تكلم في شأنهم يتكلم غالباً بما يسوؤهم لا أنه عليه الصلاة والسلام يتكلم في غالب أحواله بما يسوؤهم وفرق بين العادتين ، ولا يقدح في تمامية المرام توقف تحقق نكتة التقديم على ضم ضميمة العادة إذ يتم المراد بأن يكون للتقديم مدخل في حصول تلك النكتة بحيث لو فات التقديم لفاتت النكتة ، وقد عرفت أن الأمر كذلك وليس في كلام الشيخ قدس سره ما يدل على أن المسارعة المذكورة حاصلة في من التقديم وحده كذا قيل .

ولك أن تقول : التقديم لتعجيل التخويف ولا ينافي ذلك عدم حصوله كما لا ينافي عدم حصول التخويف كون إنزال الآيات للتخويف فافهم ، وجوز الزمخشري كون اللام تأكيداً لإضافة الحساب إليهم قال في «الشكف » : فالأصل اقترب حساب الناس لأن المقترب منه معلوم ثم اقترب للناس الحساب على أنه ظرف مستقر مقدم لا أنه يحتاج إلى مضاف مقدر حذف لأن المتأخر مفسر أي اقترب الحساب للناس الحساب كما زعم الطيبي وفي التقديم والتصريح باللام وتعريف الحساب مبالغات ليست في الأصل ثم اقترب للناس حسابهم فصارت اللام مؤكدة لمعنى الاختصاص الإضافي لا لمجرد التأكيد كما في لا أبا له وما ثنى فيه الظرف من نحو فيك زيد راغب فيك انتهى .

وادعى الزمخشري أن هذا الوجه أغرب بناءً على أن فيه مبالغات وكتاً ليست في الوجه الأول وادعى شيخ الإسلام أنه مع كونه تعسفاً تاماً بمعزل عما يقتضيه المقام ، وبحث فيه أيضاً أبو حيان وغيره ومن الناس من انتصر له وذب عنه ، وبالجملة للعلماء في ذلك مناظرة عظمى ومعركة كبرى ، والأولى بعد كل حساب جعل اللام صلة الاقتراب هذا .

واستدل بالآية على ثبوت الحساب ، وذكر البيضاوي في تفسير قوله تعالى : { إِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ الله } ( البقرة ؛ 284 ) أن المعتزلة والخوارج ينكرونه ويعضده ما ذكره الإمام النسفي في بعض مؤلفاته حيث قال : قالت المعتزلة لا ميزان ولا حساب ولا صراط ولا حوض ولا شفاعة وكل موضع ذكر الله تعالى فيه الميزان أو الحساب أراد سبحانه به العدل انتهى . لكن المذكور في عامة المعتبرات الكلامية أن أكثرهم ينفي الصراط وجميعهم ينفي الميزان ولم يتعرض فيها لنفيهم الحساب ، والحق أن الحساب بمعنى المجازاة مما لا ينكره إلا المشركون { وَهُمْ فِى غَفْلَةٍ } أي في غفلة عظيمة وجهالة فخيمة عنه ، وقيل الأولى التعميم أي في غفلة تامة وجهالة عامة من توحيده تعالى والإيمان بكتبه ورسله عليهم السلام ووقوع الحساب ووجود الثواب والعقاب وسائر ما جاء به النبي الكريم عليه الصلاة والتسليم ، وذكر غفلتهم عن ذلك عقيب بيان اقتراب الحساب لا يقتضي قصر الغفلة عليه فإن وقوع تأسفهم وندامتهم وظهور أثر جهلهم وحماقتهم لما كان مما يقع في يوم الحساب كان سبباً للتعقيب المذكور انتهى .

وقد يقال : إن ظاهر التعقيب يقتضي ذلك ، ومن غفل عن مجازاة الله تعالى له المراد من الحساب صدر منه كل ضلالة وركب متن كل جهالة ، والجار والمجرور متعلق بمحذوف وقع خبراً لهم وقوله سبحانه : { مُّعْرِضُونَ } أي عن الآيات والنذر الناطقة بذلك الداعية إلى الإيمان به المنجي من المهالك خبر بعد خبر ، واجتماع الغفلة والإعراض على معنى أنهم غافلون عن حسابهم ساهون لا يتفكرون في عاقبتهم ولا يتفطنون لما ترجع إليه خاتمة أمرهم مع اقتضاء عقولهم أنه لا بد من جزاء للمحسن والمسىء ولذا إذا قرعت لهم العصا ونبهوا عن سنة الغفلة وفطنوا لذلك بما يتلى عليهم من الآيات والنذر أعرضوا وسدوا أسماعهم ونفروا إلى آخر ما قال .

وحاصله يتضمن دفع التنافي بين الغفلة التي هي عدم التنبه والإعراض الذي يكون من المتنبه بأن الغفلة عن الحساب في أول أمرهم والإعراض بعد قرع عصا الإنذار أو بأن الغفلة عن الحساب والإعراض عن التفكر في عاقبتهم وأمر خاتمتهم ، وفي «الكشف » أراد أن حالهم المستمرة الغفلة عن مقتضى الأدلة العقلية ثم إذا عاضدتها الأدلة السمعية وأرشدوا لطريق النظر أعرضوا ، وفيه بيان فائدة إيراد الأول جملة ظرفية لما في حرف الظرف من الدلالة على التمكن وإيراد الثاني وصفاً منتقلاً دالاً على نوع تجدد ، ومنه يظهر ضعف الحمل على أن الظرفية حال من الضمير المستكن في { مُّعْرِضُونَ } قدمت عليه انتهى .

ولا يخفى أن القول باقتضاء العقول أنه لا بد من الجزاء لا يتسنى إلا على القول بالحسن والقبح العقليين والأشاعرة ينكرون ذلك أشد الإنكار ، وقال بعض الأفاضل : يمكن أن يحمل الإعراض على الاتساع كما في قوله

: عطاء فتى تمكن في المعالي *** وأعرض في المعالي واستطالا

وذكره بعض المفسرين في قوله تعالى : { فَلَمَّا نجاكم إِلَى البر أَعْرَضْتُمْ } [ الإسراء : 67 ] فيكون المعنى وهم متسعون في الغفلة مفرطون فيها .

ويمكن أيضاً أن يراد بالغفلة معنى الإهمال كما في قوله تعالى : { وَمَا كُنَّا عَنِ الخلق غافلين } [ المؤمنون : 17 ] فلا تنافي بين الوصفين .

هذا ومن باب الإشارة : في الآيات : { اقترب لِلنَّاسِ حسابهم وَهُمْ في غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ } [ الأنبياء : 1 ] الخ فيه إشارة إلى سوء حال المحجوبين بحب الدنيا عن الاستعداد للأخرى فغفلوا عن إصلاح أمرهم وأعرضوا عن طاعة ربهم وغدت قلوبهم عن الذكر لاهية وعن التفكير في جلاله وجماله سبحانه ساهية .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{ٱقۡتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمۡ وَهُمۡ فِي غَفۡلَةٖ مُّعۡرِضُونَ} (1)

مقدمة السورة:

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

سورة الأنبياء، مكية في قول جميعهم...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

مقصودها:

الاستدلال على تحقيق الساعة وقربها ولو بالموت، ووقوع الحساب فيها على الجليل والحقير، لأن موجدها لا شريك له يعوقه عنها، وهو مَن لا يُبدَّل القول لديه، والدال على ذلك أوضح دلالة مجموع قصص جماعة ممن ذُكر فيها من الأنبياء عليهم السلام، ولا يستقل قصة منها استقلالا ظاهرا بجميع ذلك كما سنبين، ولا يخلو قصة من قصصهم عن دلالة على شيء من ذلك فنُسبت إلى الكل – والله الموفق.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

هذه السورة، مكية تعالج الموضوع الرئيسي الذي تعالجه السور المكية.. موضوع العقيدة.. تعالجه في ميادينه الكبيرة: ميادين التوحيد، والرسالة والبعث.

وسياق السورة يعالج ذلك الموضوع بعرض النواميس الكونية الكبرى وربط العقيدة بها. فالعقيدة جزء من بناء هذا الكون، يسير على نواميسه الكبرى؛ وهي تقوم على الحق الذي قامت عليه السماوات والأرض، وعلى الجد الذي تدبر به السموات والأرض، وليست لعبا ولا باطلا، كما أن هذا الكون لم يخلق لعبا، ولم يشب خلقه باطل: (وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين)..

ومن ثم يجول بالناس.. بقلوبهم وأبصارهم وأفكارهم.. بين مجالي الكون الكبرى: السماء والأرض، الرواسي والفجاج، الليل والنهار، الشمس والقمر... موجها أنظارهم إلى وحدة النواميس التي تحكمها وتصرفها، وإلى دلالة هذه الوحدة على وحدة الخالق المدبر، والمالك الذي لا شريك له في الملك، كما أنه لا شريك له في الخلق.. (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا)..

ثم يوجه مداركهم إلى وحدة النواميس التي تحكم الحياة في هذه الأرض، وإلى وحدة مصدر الحياة: (وجعلنا من الماء كل شيء حي) وإلى وحدة النهاية التي ينتهي إليها الأحياء: (كل نفس ذائقة الموت).. وإلى وحدة المصير الذي إليه ينتهون: (وإلينا ترجعون)..

والعقيدة وثيقة الارتباط بتلك النواميس الكونية الكبرى؛ فهي واحدة كذلك وإن تعدد الرسل على مدار الزمان: (وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون).. وقد اقتضت مشيئة الله أن يكون الرسل كلهم من البشر: (وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم)..

وكما أن العقيدة وثيقة الارتباط بنواميس الكون الكبرى، فكذلك ملابسات هذه العقيدة في الأرض؛ فالسنة التي لا تتخلف أن يغلب الحق في النهاية وأن يزهق الباطل، لأن الحق قاعدة كونية وغلبته سنة إلهية: (بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق).. وأن يحل الهلاك بالظالمين المكذبين، وينجي الله الرسل والمؤمنين: (ثم صدقناهم الوعد فأنجيناهم ومن نشاء وأهلكنا المسرفين).. وأن يرث الأرض عباد الله الصالحون: (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون)..

ومن ثم يستعرض السياق أمة الرسل الواحدة في سلسلة طويلة استعراضا سريعا؛ يطول بعض الشيء عند عرض حلقة من قصة إبراهيم -عليه السلام- وعند الإشارة إلى داود وسليمان، ويقصر عند الإشارة إلى قصص نوح وموسى وهارون ولوط وإسماعيل وإدريس وذي الكفل وذي النون وزكريا ويحيى وعيسى عليهم السلام.

وفي هذا الاستعراض تتجلى المعاني التي سبقت في سياق السورة. تتجلى في صورة وقائع في حياة الرسل والدعوات بعدما تجلت في صورة قواعد عامة ونواميس.

كذلك يتضمن سياق السورة بعض مشاهد القيامة؛ وتتمثل فيها تلك المعاني نفسها في صورة واقع يوم القيامة.

وهكذا تتجمع الإيقاعات المنوعة في السورة على هدف واحد، هو استجاشة القلب البشري لإدراك الحق الأصيل في العقيدة التي جاء بها خاتم الرسل [ص] فلا يتلقاها الناس غافلين معرضين لاهين كما يصفهم في مطلع السورة: (اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون. ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون. لاهية قلوبهم...).

إن هذه الرسالة حق وجد، كما أن هذا الكون حق وجد، فلا مجال للهو في استقبال الرسالة؛ ولا مجال لطلب الآيات الخارقة؛ وآيات الله في الكون وسنن الكون كله توحي بأنه الخالق القادر الواحد، والرسالة من لدن ذلك الخالق القادر الواحد.

نظم هذه السورة من ناحية بنائه اللفظي وإيقاعه الموسيقي هو نظم التقرير، الذي يتناسق مع موضوعها، ومع جو السياق في عرض هذا الموضوع.. يبدو هذا واضحا بموازنته بنظم سورتي مريم وطه مثلا؛ فهناك الإيقاع الرخي الذي يناسب جوهما، وهنا الإيقاع المستقر الذي يناسب موضوع السورة وجوها..

ويزيد هذا وضوحا بموازنة نظم قصة إبراهيم -عليه السلام- في مريم ونظمها هنا. وكذلك بالتأمل في الحلقة التي أخذت منها هنا الحلقة التي أخذت منها هناك. ففي سورة مريم أخذت حلقة الحوار الرخي بين إبراهيم وأبيه. أما هنا فجاءت حلقة تحطيم الأصنام، وإلقاء إبراهيم في النار. ليتم التناسق في الموضوع والجو والنظم والإيقاع.

والسياق في هذه السورة يمضي في أشواط أربعة:

الأول: ويبدأ بمطلع قوي الضربات، يهز القلوب هزا، وهو يلفتها إلى الخطر القريب المحدق، وهي عنه غافلة لاهية: اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون... الخ.

ثم يهزها هزة أخرى بمشهد من مصارع الغابرين، الذين كانوا عن آيات ربهم غافلين، فعاشوا سادرين في الغي ظالمين: (وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوما آخرين. فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون. لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسألون. قالوا: يا ويلنا! إنا كنا ظالمين. فما زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيدا خامدين)..

ثم يربط بين الحق والجد في الدعوة، والحق والجد في نظام الكون، وبين عقيدة التوحيد ونواميس الوجود، وبين وحدة الخالق المدبر ووحدة الرسالة والعقيدة. ووحدة مصدر الحياة ونهايتها ومصيرها على النحو الذي أسلفناه.

فأما الشوط الثاني فيرجع بالحديث إلى الكفار الذين يواجهون الرسول [ص] بالسخرية والاستهزاء، بينما الأمر جد وحق، وكل ما حولهم يوحي باليقظة والاهتمام، وهم يستعجلون العذاب والعذاب منهم قريب.. وهنا يعرض مشهدا من مشاهد القيامة، ويلفتهم إلى ما أصاب المستهزئين بالرسل قبلهم، ويقرر أن ليس لهم من الله من عاصم. ويوجه قلوبهم إلى تأمل يد القدرة وهي تنقص الأرض من أطرافها، وتزوي رقعتها وتطويها، فلعل هذا أن يوقظهم من غفلتهم التي جاءتهم من طول النعمة وامتداد الرخاء..

وينتهي هذا الشوط بتوجيه الرسول [ص] إلى بيان وظيفته: (قل: إنما أنذركم بالوحي) وإلى الخطر الذي يتهددهم في غفلتهم: (ولا يسمع الصم الدعاء إذا ما ينذرون) حتى تنصب الموازين القسط وهم في غفلتهم سادرون.

ويتضمن الشوط الثالث استعراض أمة النبيين، وفيها تتجلى وحدة الرسالة والعقيدة، كما تتجلى رحمة الله بعباده الصالحين وإيحاؤه لهم وأخذ المكذبين.

أما الشوط الرابع والأخير فيعرض النهاية والمصير، في مشهد من مشاهد القيامة المثيرة: ويتضمن ختام السورة بمثل ما بدأت: إيقاعا قويا، وإنذارا صريحا، وتخلية بينهم وبين مصيرهم المحتوم..

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

وهي السورة الحادية والسبعون في ترتيب النزول. نزلت بعد حم السجدة، وقبل سورة النحل، فتكون من أواخر السور النازلة قبل الهجرة، ولا يعرف لها اسم غير هذا. ووجه تسميتها سورة الأنبياء أنها ذكر فيها أسماء ستة عشر نبيا ومريم ولم يأت في سورة من سور القرآن مثل هذا العدد من أسماء الأنبياء عدا ما في سورة الأنعام. فقد ذكر فيها أسماء ثمانية عشر نبيا في قوله تعالى: {وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه} إلى قوله: {ويونس ولوطا} فإن كانت سورة الأنبياء هذه نزلت قبل سورة الأنعام فقد سبقت بالتسمية بالإضافة إلى الأنبياء، وإلا فاختصاص سورة الأنعام بذكر أحكام الأنعام أوجبَ تسميتها بذلك الاسم فكانت سورة الأنبياء أجدر من بقية سور القرآن بهذه التسمية، على أن من الحقائق المسلمة أن وجه التسمية لا يوجبها...

.

تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :

جولة في آفاق السورة

سميت هذه السورة بهذا الاسم، تأكيداً على مفهوم النبوّة، في التصور المنحرف الذي كان يحمله الناس في كثير من مراحل حركتها، حيث أنهم كانوا يتوهمون قدرات خارقة للنبي الذي كانوا يتصورونه في صورة الملاك الذي يغير الصورة الكونية التي أقام الله الكون على أساسها، فكانت حركة الآيات في هذه السورة تأكيداً للمفهوم الحقيقي الذي يعطي الفكرة الحاسمة التي تركز فكرة النبي البشر الذي يوحى إليه من الله برسالاته، بعيداً عن أيّة حالة غير عادية من الناحية الذاتية. وقد جرت السورة على خط النهج القرآني الذي يربط كل الأشياء بالتوحيد، ويثير في الناس التفكير بالمعاد، ليتدبّروا وليتحركوا في الاتجاه السليم، من خلال الفكر والموقف والحركة والعبادة، لينتهي بهم إلى التفكير باليوم الآخر من أجل تحضير كل الأجواء الروحية والمادية للوصول إلى ساحة رضا الله في الجنة.

... ثم تنطلق السورة لتظهر حركة النبوّة في ساحة التحدّي، فنجد الاتهامات التقليدية الحائرة البائسة التي ينطلق فيها الكافرون من دون وعي لينتقلوا من وصف النبي بالساحر، ثم بالأسطوري ثم نعته بالكذب، وأنه شاعر.. وهكذا لم تكن المشكلة لديهم أن يَصْدُقُوا في التهمة، بل أن يشوّهوا الصورة أمام أي اتهام.

وقد استفادت السورة من إيمان المعاصرين للنبي محمد (ص) بالأنبياء السابقين، فقارنت بينه وبينهم، لتثبت لهم أنه لم يكن بدعاً من الرسل، وأنه لا يختلف عنهم في قليل ولا في كثير، فإذا آمنوا بهم فعليهم أن يؤمنوا به.

ثم كانت هناك جولة في قصص الأنبياء السابقين بشكل سريع، فتحدثت عن موسى، وهارون، وإبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، ولوط، ونوح، وداود، وسليمان، وأيوب، وإسماعيل، وإدريس، وذي الكفل، وذي النون، وزكريا، ويحيى، وعيسى (عليهم السلام أجمعين).

وتنتهي الجولة بيوم الحساب وما يلقاه الكافرون والمؤمنون هناك، وكيف تكون العاقبة للمؤمنين الصالحين من عباد الله الذين يرثون الأرض؛ وتتنوّع اللمحات الخاطفة التي تتحرك في السورة لتنتقل بالإنسان من موقع العقيدة، إلى حركة الأخلاق، ومن أحداث الدنيا إلى أحداث الآخرة، لتوحي إليه بأن هناك وحدةً في الخط الذي يربط بين المبدأ والمعاد، وأن الله الواحد هو المستعان على الهدى في الفكر والحركة والحياة، وهو الذي يفتح قلب الإنسان على آفاق الشروق المنطلقة من التوحيد الخالص الذي لا يرى فيه الإنسان إلا الله، فلا يعبد غيره، ولا يخلص لسواه.

بين الإنسان الغافل والنبيّ الداعية:

ما مشكلة الناس في ما يستمعون إليه من دعوة الله ومن قضايا الصراع بين الحق والباطل؟ وما مشكلة الأنبياء أمام هؤلاء، في تحركهم مع الدعوة؟ هل هي قصة فكرة ترفض فكرة، أو شبهة تناقش موقفاً، لتكون المسألة هي مسألة القضايا الفكرية التي يثيرها الكافرون والمشككون ضد الدعوة؟ أو هي قصة اللامبالاة الفكرية التي يواجهونها بها، فهم يبتعدون عن التعمق في ما يثيره من أفكار ونتائج، لأنهم لا يريدون الانفتاح على الآفاق الواسعة في مطالع الشروق؟

إنها الغفلة المتعمدة التي يرفض فيها الإنسان أن يفكر ويحاور، أو يتراجع أمام الحجة القوية التي يثيرها الآخرون ضد فكره فينغلق على الذات، ويبتعد عن الواقع الحاضر والمستقبلي نتيجة ما تتمخض عنه المواقف السلبية من نتائج خطيرة على مصيره.

وتلك هي مشكلة الأنبياء الذين يواجهون هؤلاء الناس الذين يحملون، أو يثيرون أفكاراً خاطئة حول النبي والنبوة، كما لو كانت أفكاراً نهائية حاسمة لا مجال فيها للجدل.

ويبقى للقرآن في قصة الإنسان الغافل، ومشكلة النبي الداعية، أن يَبْسُط المشكلة، ويعالج الفكرة من حيث طبيعتها الموضوعية، ونتائجها السلبية؛ لتكون درساً لإنسان المستقبل الذي يفتح قلبه للفكر القادم من الوحي المتحرك في طريق العقل.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره: دنا حساب الناس على أعمالهم التي عملوها في دنياهم ونعمه التي أنعمها عليهم فيها في أبدانهم، وأجسامهم، ومطاعمهم، ومشاربهم، وملابسهم وغير ذلك من نعمه عندهم، ومسألته إياهم ماذا عملوا فيها وهل أطاعوه فيها، فانتهوا إلى أمره ونهيه في جميعها، أم عصوه فخالفوا أمره فيها؟ "وَهُمْ في غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ "يقول: وهم في الدنيا عما الله فاعل بهم من ذلك يوم القيامة، وعن دنوّ محاسبته إياهم منهم، واقترابه لهم في سهو وغفلة، وقد أعرضوا عن ذلك، فتركوا الفكر فيه والاستعداد له والتأهب، جهلاً منهم بما هم لاقوه عند ذلك من عظيم البلاء وشديد الأهوال...

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

{وهم في غفلة معرضون} ظاهر هذا أنه نزل في المشركين لأنها نزلت بمكة، وكان أكثر أهلها أهل شرك. لكن لأهل الإسلام في ذلك حظ وشرك في ما وصفهم بالغفلة عن ذلك والإعراض عنه. وأهل الإسلام قد يغفلون عن الحساب، إلا أن غفلة أهل الكفر غفلة تكذيب، وإعراضهم تكذيب بالحساب والآيات التي أنزلها عليهم، وغفلة أهل الإسلام ليست كذا، قد آمنوا بالحساب، وصدقوا بآياته، وعرفوها، لكنهم غفلوا عن الحساب لشهوات مكنت فيهم، وغلبت شهواتهم، وأغفلتهم عنه، فهم من هذه الجهة كأولئك. فأما من جهة الإيمان به والتصديق بالآيات فليسوا كأولئك. ثم وصف الحساب والساعة بالقرب والدنو والإتيان كقوله: {اقتربت الساعة} [القمر: 1] وقوله: {أتى أمر الله} [النحل: 1] وقوله: {اقترب للناس حسابهم} وأمثاله. هي قريبة كالمأتية عند الله تعالى... و أما الخلق فإنهم قد استبعدوها لأنهم إنما يقدرون ذلك بآجالهم وأعمارهم، وما جاوز أعمارهم فهو عندهم بعيد ليس بقريب، وهذا إنما يكون بعد ذهاب أعمارهم...

التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :

هذا إخبار من الله تعالى بأنه "اقترب للناس "يعني: دنا وقت "حسابهم" ومعناه دنا وقت إظهار ما للعبد وما عليه ليجازى به وعليه... وقيل إنه دنا لأنه بالإضافة إلى ما مضى يسير...

والاقتراب قصر مدة الشيء بالإضافة إلى ما مضى من زمانه. وحقيقة القرب قلة ما بين الشيئين، يقال: قرب ما بينهما تقريبا إذا قلل ما بينهما من مدة او مسافة أو أي فاصلة، والقرب قد يكون في الزمان، وفى المكان، وفي الحال. وقد قيل: كل آت قريب، فلذلك وصف الله تعالى القيامة بالاقتراب، لأنها جائية بلا خلاف.

وقوله "وهم في غفلة معرضون" فالغفلة: السهو، وهو ذهاب المعنى عن النفس، ونقيضها اليقظة، ونقيض السهو الذكر، وهو حضور المعنى للنفس. والنسيان، هو غروب المعنى عن النفس بعد حضوره.

وقوله "معرضون" يعني عن الفكر في ذلك، والعمل بموجبه.

وقيل: هم في غفلة بالاشتغال بالدنيا، معرضون عن الآخرة.

وقيل: هم في غفلة بالضلال، معرضون عن الهدى. وهو مثل ما قلناه.

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

... والمراد اقتراب الساعة، وإذا اقتربت الساعة فقد اقترب ما يكون فيها من الحساب والثواب والعقاب وغير ذلك. ونحوه: {واقترب الوعد الحق} [الأنبياء: 97]

فإن قلت: كيف وصف بالاقتراب وقد عدّت دون هذا القول أكثر من خمسمائة عام؟ قلت: هو مقترب عند الله والدليل عليه قوله عزّ وجلّ: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالعذاب وَلَن يُخْلِفَ الله وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مّمَّا تَعُدُّونَ} [الحج: 47] ولأنّ كلّ آت -وإن طالت أوقات استقباله وترقبه- قريب، إنما البعيد هو الذي وجد وانقرض، ولأنّ ما بقي في الدنيا أقصر وأقل مما سلف منها، بدليل انبعاث خاتم النبيين الموعود مبعثه في آخر الزمان... وإذا كانت بقية الشيء وإن كثرت في نفسها قليلة بالإضافة إلى معظمه، كانت خليقة بأن توصف بالقلة وقصر الذرع. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: أنّ المراد بالناس: المشركون. وهذا من إطلاق اسم الجنس على بعضه للدليل القائم. وهو ما يتلوه من صفات المشركين. وصفهم بالغفلة مع الإعراض، على معنى: أنهم غافلون عن حسابهم ساهون، لا يتفكرون في عاقبتهم، ولا يتفطنون لما ترجع إليه خاتمة أمرهم، مع اقتضاء عقولهم أنه لا بدّ من جزاء للمحسن والمسيء. وإذا قرعت لهم العصا ونبهوا عن سنة الغفلة وفطنوا لذلك بما يتلى عليهم من الآيات والنذر. أعرضوا وسدوا أسماعهم ونفروا.

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

{اقترب للناس حسابهم} عام في جميع الناس... وإن كان المشار إليه في ذلك الوقت كفار قريش، ويدل على ذلك ما بعدُ من الآيات.

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

...المسألة الثالثة: إنما ذكر تعالى هذا الاقتراب لما فيه من المصلحة للمكلفين فيكون أقرب إلى تلافي الذنوب والتحرز عنها خوفا من ذلك، والله أعلم...

المسألة الرابعة: إنما لم يعين الوقت لأجل أن كتمانه أصلح، كما أن كتمان وقت الموت أصلح...

المسألة الخامسة: الفائدة في تسمية يوم القيامة بيوم الحساب أن الحساب هو الكاشف عن حال المرء فالخوف من ذكره أعظم.

المسألة السادسة: يجب أن يكون المراد بالناس من له مدخل في الحساب وهم المكلفون دون من لا مدخل له.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

مطلع قوي يهز الغافلين هزا، والحساب يقترب وهم في غفلة، والآيات تعرض وهم معرضون عن الهدى، والموقف جد وهم لا يشعرون بالموقف وخطورته...

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

افتتاح الكلام بهذه الجملة أسلوب بديع في الافتتاح لما فيه من غرابة الأسلوب وإدخال الروع على المنذَرين، فإن المراد بالناس مشركو مكة، والاقتراب مبالغة في القرب، فصيغة الافتعال الموضوعة للمطاوعة مستعملة في تحقق الفعل أي اشتد قرب وقوعه بهم.

وفي إسناد الاقتراب إلى الحساب استعارة تمثيلية شبه حال إظلال الحساب لهم بحالة شخص يسعى ليقرب من ديار ناس، ففيه تشبيه هيئة الحساب المعقولة بهيئة محسوسة، وهي هيئة المغير والمُعَجِّل في الإغارة على القوم فهو يلح في السير تكلفاً للقرب من ديارهم وهم غافلون عن تطلب الحساب إياهم كما يكون قوم غارّين معرضين عن اقتراب العدوّ منهم، فالكلام تمثيل.

والمراد من الحساب إما يوم الحساب، ومعنى اقترابه أنه قريب عند الله لأنه محقق الوقوع، أو قريب بالنسبة إلى ما مضى من مدة بقاء الدنيا كقول النبي صلى الله عليه وسلم "بُعِثتُ أنا والساعة كهاتين "أو اقترب الحساب كناية عن اقتراب موتهم لأنهم إذا ماتوا رأوْا جَزاء أعمالهم، وذلك من الحساب. وفي هذا تعريض بالتهديد بقرب هلاكهم وذلك بفنائهم يوم بدر.

أو المراد بالحساب المؤاخذة بالذنب كما في قوله تعالى: {إنْ حسابهم إلاّ على ربي} [الشعراء: 113] وعليه فالاقتراب مستعمل في حقيقته أيضاً فهو من استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه...

وجملة {وهم في غفلة معرضون} حال من {الناس،} أي اقترب منهم الحساب في حال غفلتهم وإعراضهم. والمراد بالناس المشركون لأنهم المقصود بهذا الكلام كما يدل عليه ما بعده.

والغفلة: الذهول عن الشيء وعن طرق علمه، وقد تقدمت عند قوله تعالى: {وإن كنا عن دراستهم لغافلين} في سورة [الأنعام: 156]، وقوله تعالى: {ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين} في [سورة الأعراف: 146].

والإعراض: صرف العقل عن الاشتغال بالشيء. وتقدم في قوله: {فأعرض عنهم وعظهم} في سورة [النساء: 63]، وقوله: {فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره} في سورة [الأنعام: 68].

ودلت (في) على الظرفية المجازية التي هي شدة تمكن الوصف منهم، أي وهم غافلون أشد الغفلة حتى كأنهم منغمسون فيها أو مظروفون في محيطها، ذلك أن غفلتهم عن يوم الحساب متأصلة فيهم بسبب سابق كفرهم. والمعنى: أنهم غافلون عن الحساب وعن اقترابه.

وإعراضهم هو إبايتهم التأمل في آيات القرآن التي تذكرهم بالبعث وتستدل لهم عليه، فمتعلق الإعراض غير متعلق الغفلة لأن المعرض عن الشيء لا يعد غافلاً عنه، أي أنهم لما جاءتهم دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الإيمان وإنذارهم بيوم القيامة استمروا على غفلتهم عن الحساب بسبب إعراضهم عن دلائل التذكير به. فكانت الغفلة عن الحساب منهم غير مقلوعة من نفوسهم بسبب تعطيلهم ما شأنه أن يقلع الغفلة عنهم بإعراضهم عن الدلائل المثبتة للبعث.