روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{قُلۡ نَزَّلَهُۥ رُوحُ ٱلۡقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِٱلۡحَقِّ لِيُثَبِّتَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهُدٗى وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُسۡلِمِينَ} (102)

{ قُلْ نَزَّلَهُ } أي القرآن المدلول عليه بالآية ، وقال الطبرسي : أي الناسخ المدلول عليه بما تقدم { رُوحُ القدس } يعني جبريل عليه السلام وأطلق عليه ذلك من حيث انه ينزل بالقدس من الله تعالى أي مما يطهر النفوس من القرآن والحكمة والفيض الإلهي ، وقيل : لطهره من الادناس البشرية ، والإضافة عند بعض للاختصاص كما في { رَبّ العزة } [ الصافات : 180 ] وجعلها بعض المحققين من إضافة الموصوف للصفة على جعله نفس القدس مبالغة نحو خبر سوء ورجل صدق على ما ارتضاه الرضى ، ومثل ذلك حاتم الجود وسحبان الفصاحة وخالف في ذلك صاحب الكشف مختاراً أنها للاختصاص ، ولا يخفى ما في صيغة الاتفعيل بناء على القول بأنها تفيد التدريج من المناسبة لمقتضى المقام لما فيها من الإشارة إلى أنه أنزل دفعات على حسب المصالح { مِن رَبّكَ } في إضافة الرب إلى ضميره صلى الله عليه وسلم من الدلالة على تحقيق إفاضة آثار الربوبية عليه عليه الصلاة والسلام ما ليس في إضافته إلى ياء المتكلم المنبئة عن التلقين المحض كما في إرشاد العقل السليم ، وكأنه اعتناء بأمر هذه الدلالة لم يقل من ربكم على أن في ترك خطابهم من حط قدرهم ما فيه ، و { مِنْ } لابتداء الغاية مجازاً { بالحق } أي ملتبساً بالحكمة المقتضية له بحيث لا يفارقها ناسخاً كان أو منسوخاً { لِيُثَبّتَ الذين ءامَنُواْ } أي على الإيمان بما يجب الإيمان به لما فيه من الحجج القاطعة والأدلة الساطعة أو على الإيمان بأنه كلامه تعالى فانهم إذا سمعوا الناسخ وتدبروا ما فيه من رعاية المصالح رسخت عقائدهم واطمأنت به قلوبهم ، وأول بعضهم الآية على هذا الوجه بقوله : ليبين ثباتهم وتعقب بأنه لا حاجة إليه إذا لتثبيت بعد النسخ لم يكن قبله فإن نظر إلى مطلق الإيمان صح . وقرىء { لِيُثَبّتَ } من الأفعال .

{ وَهُدًى وبشرى لِلْمُسْلِمِينَ } عطف على محل { لِيُثَبّتَ } عند الزمخشري ومن تابعه وهو نظير زرتك لأحدثك واجلالاً لك أي تثبيتاً وهداية وبشارة ، وتعقب بأنه إذا اعتبر الكل فعل المنزل على الإسناد المجازي لم يكن للفرق بادخال اللام في البعض والترك في البعض وجه ظاهر ، وكذا إذا اعتبر فعل الله تعالى كما هو كذلك على الحقيقة وإذا اعتبر البعض فعل المنزل ليتحد فاعل المصدر وفاعل المعلل به فيترك اللام له والبعض الآخر فعل الله تعالى ليختلف الفاعل فيؤتي باللام لم يكن لهذا التخصيص وجه ظاهر أيضاً ويفوت به حسن النظم .

وقال الخفاجي يوجه ترك اللام في المعطوف دون المعطوف عليه مع وجود شرط الترك فيهما بأن المصدر المسبوك معرفة على ما تقرر في العربية والمفعول له الصريح وإن لم يجب تنكيره كما عزى للرياشي فخلافه قليل كقوله :

وأغفر عوراء الكريم ادخاره . . . ففرق بينهما تفنناً وجرياً على الأفصح فيهما ، والنكتة فيه أن التثبيت أمر عارض بعد حصول المثبت عليه فاختير فيه صيغة الحدوث مع ذكر الفاعل إشارة إلى أنه فعل لله تعالى مختص به بخلاف الهداية والبشارة فإنهما يكونان بالواسطة ، وقيل : إن وجود الشرط مجوز لا موجب والاختيار مرجح مع ما في ذلك من فائدة بيان جواز الوجهين ، وفيه أنه لا يصلح وجهاً عند التحقيق ، وقد اعترض أبو حيان هنا بما تقدم في الكلام على قوله تعالى : { لِتُبَيّنَ لَهُمُ الذي اختلفوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً } [ النحل : 64 ] ، وذكر أنه لا يمتنع أن يكون العطف على المصدر المنسبك لأنه مجرور فيكون { هُدًى وبشرى } مجرورين ، وجوز أبو البقاء أن يكونا مرفوعين على أنهما خبراً مبتدأ محذوف أي وهو هدى وبشرى ، والجملة في موضع الحال من الهاء في دنزله } .

والمراد بالمسلمين الذين آمنوا ، والعدول عن ضميرهم لمدحهم بكلا العنوانين ، وفسر بعضهم الإسلام بمعناه اللغوي فقيل : إن ذلك ليفيد بعد توصيفهم بالإيمان ، والظاهر أن { لِلْمُسْلِمِينَ } قيد للهدى والبشرى ولم أر من تعرض لجواز كونه قيداً للبشرى فقط كما تعرض لذلك في قوله تعالى : { هُدًى وَرَحْمَةً * وبشرى لِلْمُسْلِمِينَ } [ النحل : 89 ] على ما سمعت هناك .

وفي هذه الآية على ما قالوا تعريض لحصول أضداد الأمور المذكورة لمن سوى المذكورين من الكفار من حيث ان قوله تعالى : { قُلْ نَزَّلَهُ } جواب لقولهم : { إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ } [ النحل : 101 ] فيكفي فيه { قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القدس } فالزيادة لمكان التعريض وقال الطيبي إن { نَزَّلَهُ رُوحُ القدس } بدل نزل الله فيه زيادة تصوير في الجواب وزيد قوله تعالى : { بالحق } لينبه على دفع الطعن بألطف الوجوه ثم نعى قبيح أفعالهم بقوله تعالى : { لِيُثَبّتَ } الخ تعريضاً بأنهم متزلزلون ضالوان موبخون منذرون بالخزى والنكال واللعن في الدنيا والآخة { وَأَنْ } عذابهم في خلاف ذلك ليزيد في غيظهم وحنقهم ، وفي الكلام ما هو قريب من الأسلوب الحكيم اه فتأمل .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{قُلۡ نَزَّلَهُۥ رُوحُ ٱلۡقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِٱلۡحَقِّ لِيُثَبِّتَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهُدٗى وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُسۡلِمِينَ} (102)

ولهذا ذكر تعالى حكمته في ذلك فقال : { قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ } ، وهو جبريل الرسول المقدس المنزه عن كل عيب وخيانة وآفة .

{ بِالْحَقِّ } ، أي : نزوله بالحق ، وهو مشتمل على الحق في أخباره وأوامره ونواهيه ، فلا سبيل لأحد أن يقدح فيه قدحا صحيحا ؛ لأنه إذا علم أنه الحق علم أن ما عارضه وناقضه باطل .

{ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا } ، عند نزول آياته وتواردها عليهم وقتا بعد وقت ، فلا يزال الحق يصل إلى قلوبهم شيئا فشيئا حتى يكون إيمانهم أثبت من الجبال الرواسي ، وأيضا فإنهم يعلمون أنه الحق ، وإذا شرع حكما [ من الأحكام ] ثم نسخه ، علموا أنه أبدله بما هو مثله أو خير منه لهم ، وأن نسخه هو المناسب للحكمة الربانية والمناسبة العقلية .

{ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ } ، أي : يهديهم إلى حقائق الأشياء ، ويبين لهم الحق من الباطل والهدى من الضلال ، ويبشرهم أن لهم أجرا حسنا ، ماكثين فيه أبدا . وأيضا فإنه كلما نزل شيئا فشيئا ، كان أعظم هداية وبشارة لهم مما لو أتاهم جملة واحدة وتفرق الفكر فيه ، بل ينزل الله حكما وبشارة [ أكثر ]{[464]} فإذا فهموه وعقلوه وعرفوا المراد منه وترووا منه أنزل نظيره وهكذا . ولذلك بلغ الصحابة رضي الله عنهم به مبلغا عظيما ، وتغيرت أخلاقهم وطبائعهم ، وانتقلوا إلى أخلاق وعوائد وأعمال فاقوا بها الأولين والآخرين .

وكان أعلى وأولى لمن بعدهم أن يتربوا بعلومه ويتخلقوا بأخلاقه ، ويستضيئوا بنوره في ظلمات الغي والجهالات ، ويجعلوه إمامهم في جميع الحالات ، فبذلك تستقيم أمورهم الدينية والدنيوية .


[464]:- زيادة من هامش ب.
 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{قُلۡ نَزَّلَهُۥ رُوحُ ٱلۡقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِٱلۡحَقِّ لِيُثَبِّتَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهُدٗى وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُسۡلِمِينَ} (102)

قوله تعالى : { قل نزله } ، يعني : القرآن ، { روح القدس } : جبريل ، { من ربك بالحق } ، بالصدق . { ليثبت الذين آمنوا } ، أي : ليثبت قلوب المؤمنين ، ليزدادوا إيماناً ويقيناً ، { وهدىً وبشرى للمسلمين } .