روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{إِن تُبۡدُواْ شَيۡـًٔا أَوۡ تُخۡفُوهُ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٗا} (54)

{ إِن تُبْدُواْ شَيْئاً } مما لا خير فيه على ألسنتكم كأن تتحدثوا بنكاحهن { أَوْ تُخْفُوهْ } في صدوركم { فَإِنَّ الله كَانَ بِكُلّ شيء عَلِيماً } كامل العلم فيجازيكم بما صدر عنكم من المعاصي البادية والخافية لا محالة ، وهذا دليل الجواب والأصل إن تبدوا شيئاً أو تخفوه يجازكم به فإن الله الخ .

وقيل هو الجواب على معنى فأخبركم أن الله الخ ، وفي تعميم { شيء } في الموضعين مع البرهان على المقصود من ثبوت علمه تعالى بما يتعلق بزوجاته صلى الله عليه وسلم مزيد تهويل وتشديد ومبالغة الوعيد ، وسبب نزول الآية على ما قيل أنه لما نزلت آية الحجاب قال رجل : اننهى أن نكلم بنات عمنا إلا من وراء حجاب لئن مات محمد صلى الله عليه وسلم لنتزوجن نساءه ، وفي بعض الروايات تزوجت عائشة أو أم سلمة .

وأخرج جويبر عن ابن عباس أن رجلاً أتى بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فكلمها وهو ابن عمها فقال النبي عليه الصلاة والسلام : «لا تقومن هذا المقام بعد يومك هذا » فقال : يا رسول الله إنها ابنة عمي والله ما قلت لها منكراً ولا قالت لي قال النبي صلى الله عليه وسلم : «قد عرفت ذلك أنه ليس أحد أغير من الله تعالى وأنه ليس أحد أغير مني » فمضى ثم قال : عنفني من كلام ابنة عمي لأتزوجنها من بعده فأنزل الله تعالى هذه الآية فأعتق ذلك الرجل رقبة وحمل على عشرة أبعرة في سبيل الله تعالى وحج ماشياً من كلمته .

وأخرج عبد الرزاق . وعبد بن حميد . وابن المنذر عن قتادة أن طلحة بن عبيد الله قال : لو قبض النبي صلى الله عليه وسلم تزوجت عائشة فنزلت { وَمَا كَانَ لَكُمْ } الآية .

قال ابن عطية : كون القائل طلحة رضي الله تعالى عنه لا يصح وهو الذي يغلب على ظني ولا أكاد أسلم الصحة إلا إذا سلم ما تضمنه خبر ابن عباس مما يدل على الندم العظيم ، وفي بعض الروايات أن بعض المنافقين قال حين تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أم سلمة بعد أبي سلمة . وحفصة بعد خنيس بن حذافة ما بال محمد صلى الله عليه وسلم يتزوج نساءنا والله لو قد مات لأجلنا السهام على نسائه فنزلت ، ولعمري أن ذلك غير بعيد عن المنافقين وهو أبعد من العيوق عن المؤمنين المخلصين لاسيما من كان من المبشرين رضي الله تعالى عنهم أجمعين ، ورأيت لبعض الأجلة أن طلحة الذي قال ما قال ليس هو طلحة أحد العشرة وإنما هو طلحة آخر لا يبعد منه القول المحكي وهذا من باب اشتباه الاسم فلا إشكال .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{إِن تُبۡدُواْ شَيۡـًٔا أَوۡ تُخۡفُوهُ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٗا} (54)

ثم قال تعالى : { إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا } أي تظهروه { أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا } يعلم ما في قلوبكم ، وما أظهرتموه ، فيجازيكم عليه .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{إِن تُبۡدُواْ شَيۡـًٔا أَوۡ تُخۡفُوهُ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٗا} (54)

ثم حذرهم - سبحانه - من مخالفة أمره ، بأن بين لهم بأنه - سبحانه - لا يخفى عليه شئ ، من أمرهم ، فقال : { إِن تُبْدُواْ شَيْئاً } بأن تظهروه على ألسنتكم { أَوْ تُخْفُوهُ } بأن تضمروه فى قلوبكم ، فإنه فى الحالين لا يعزب عن علمنا ، وسنحاسبكم عليه ، { فَإِنَّ الله } - تعالى - { كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً } بحيث لا يخفى عليه شئ ، فى الارض ولا فى السماء .

هذا وقد أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة التى تسمى بآية الحجاب ، جملة من الأحكام والآداب منها :

1- وجوب الاستئذان عند دخول البيوت لتناول طعام ، ووجوب الخروج بعد تناوله إلا إذا كانت هناك ضرورة تدعو للبقاء ، كما أن من الواجب الحضور إلى الطعام فى الوقت المناسب له ، وليس قبله انتظارا لنضجه وتقديمه .

2- حرمة الاختلاط بين الرجال والنساء سواء أكان ذلك فى الطعام أم فى غيره ، فقد أمر - سبحانه - المؤمنين ، إذا سألوا أزواج النبى صلى الله عليه وسلم شيئا أن يسألوهن من وراء حجاب ، وعلل ذلك بأن سؤالهن بهذه الطريقة ، يؤدى إلى طهارة القلوب ، وعفة النفوس ، والبعد عن الريبة وخواطر السوء . .

وحكم نساء المؤمنين فى ذلك كحكم أمهات المؤمنين ، لأن قوله - سبحانه - { ذلكم أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ } علة عامة تدل على تعميم الحكم ، إذ جميع الرجال والنساء فى كل زمان ومكان فى حاجة إلى ما هو أطهر للقلوب ، وأعف للنفوس . .

قال بعض العلماء ما ملخصه : وقوله : { ذلكم أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ } قرينة واضحة على إرادة تعميم الحكم ، إذ لم يقل أحد من العقلاء ، إن غير ازواج النبى صلى الله عليه وسلم لا حاجة بهن إلى أطهرية قلوبهن ، وقلوب الرجال من الريبة منهن .

.

فالجملة الكريمة فيها الدليل الواضح على أن وجوب الحجاب حكم عام فى جميع النساء . لا خاص بأمهات المؤمنين ، وإن كان أصل اللفظ خاصا بهن ، لأن عموم علته دليل على عموم الحكم فيه . .

3- كذلك أخذ العلماء من هذه الآية أنه لا يجوز للرجل الأجنبى أن يصافح امرأة أجنبية عنه . ولا يجوز له أن يمس شئ من بدنه شيئا من بدنها .

والدليل على ذلك أن النبى صلى الله عليه ولم ثتب عنه أن قال : " إنى لا أصافح النساء " .

والله - تعالى - يقول : { لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ } فيلزمنا أن لا نصافح النساء الأجنبيات اقتداء به صلى الله عليه وسلم .

4- تكريم الله - تعالى - لنبيه صلى الله عليه وسلم ودفاعه عنه ، وإلزام المؤمنين بالعمل على كل ما يرضيه ولا يؤذيه ، وبعدم نكاح أزواجه من بعده أبدا . .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{إِن تُبۡدُواْ شَيۡـًٔا أَوۡ تُخۡفُوهُ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٗا} (54)

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره: إن تظهروا بألسنتكم شيئا أيها الناس من مراقبة النساء، أو غير ذلك مما نهاكم عنه أو أذى لرسول الله صلى الله عليه وسلم بقول: لأتزوجنّ زوجته بعد وفاته، "أو تخفوه "يقول: أو تخفوا ذلك في أنفسكم، "فإن الله كان بكل شيء عليما"، يقول: فإن الله بكل ذلك وبغيره من أموركم وأمور غيركم، عليم لا يخفى عليه شيء، وهو يجازيكم على جميع ذلك.

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

يذكر هذا ليكونوا على حذر وخوف.

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

قوله تعالى: {إن تبدوا شيئاً أو تخفوه فإن الله كان بكل شيء عليماً} توبيخ ووعيد لمن تقدم به التعريض في الآية قبلها ممن أشير إليه بقوله {ذلكم أطهر لقلوبكم} [الأحزاب: 53] ومن أشير إليه في قوله {وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله} [الأحزاب: 53] فقيل لهم في هذه إن الله يعلم ما تخفونه من هذه المعتقدات والخواطر المكروهة ويجازيكم عليها.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

وإذن فالله هو الذي يتولى الأمر وهو عالم بما يبدو وما يخفى، مطلع على كل تفكير وكل تدبير، والأمر عنده عظيم، ومن شاء فليتعرض، فإنما يتعرض لبأس الله الساحق الهائل العظيم.

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

كلام جامع تحريضاً وتحذيراً ومنبئ عن وعد ووعيد، فإن ما قبله قد حوى أمراً ونهياً، وإذ كان الامتثال متفاوتاً في الظاهر والباطن، وبخاصة في النوايا والمضمرات كان المقام مناسباً لتنبيههم وتذكيرهم بأن الله مطلع على كل حال من أحوالهم في ذلك وعلى كل شيء، فالمراد من {شيئاً} الأول شيء مما يبدونه أو يخفونه وهو يعم كل ما يبدو وما يخفى لأن النكرة في سياق الشرط تعم. والجملة تذييل لما اشتملت عليه من العموم في قوله: {بكل شيء}. وإظهار لفظ {شيء} هنا دون إضمار لأن الإِضمار لا يستقيم لأن الشيء المذكور ثانياً هو غير المذكور أولاً، إذ المراد بالثاني جميع الموجودات، والمراد بالأول خصوص أحوال الناس الظاهرة والباطنة، فالله عليم بكل كائن ومن جملة ذلك ما يبدونه ويخفونه من أحوالهم.